الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

البسملة هل هي آية مستقلة في أول كل سورة أم هي بعض آية من أول كل سورة

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

اختلف أهل العلم هل هي آية مستقلة في أول كل سورة كتبت في أولها ، أو هي بعض آية من أول كل سورة ، أو هي كذلك في الفاتحة فقط دون غيرها ، أو أنها ليست بآية في الجميع وإنما كتبت للفصل ؟ والأقوال وأدلتها مبسوطة في موضع الكلام على ذلك .

وقد اتفقوا على أنها بعض آية في سورة النمل .

وقد جزم قراء مكة والكوفة بأنها آية من الفاتحة ومن كل سورة .

وخالفهم قراء المدينة والبصرة والشام فلم يجعلوها آية لا من الفاتحة ولا من غيرها من السور ، قالوا : وإنما كتبت للفصل والتبرك .

وقد أخرج أبو داود بإسناد صحيح عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان لا يعرف فصل السورة حتى ينزل عليه : بسم الله الرحمن الرحيم .

وأخرجه الحاكم في المستدرك .

وأخرج ابن خزيمة في صحيحه عن أم سلمة " أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قرأ البسملة في أول الفاتحة في الصلاة وغيرها آية " وفي إسناده عمرو بن هارون البلخي وفيه ضعف ، وروى نحوه الدارقطني مرفوعا عن أبي هريرة .

وكما وقع الخلاف في إثباتها وقع الخلاف في الجهر بها في الصلاة .

وقد أخرج النسائي في سننه ، وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما ، والحاكم في المستدرك عن أبي هريرة " أنه صلى فجهر في قراءته بالبسملة ، وقال بعد أن فرغ : إني لأشبهكم صلاة برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " وصححه الدارقطني والخطيب والبيهقي وغيرهم .

وروى أبو داود والترمذي عن ابن عباس : " أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يفتتح الصلاة ببسم الله الرحمن الرحيم " قال الترمذي : وليس إسناده بذاك .

وقد أخرجه الحاكم في المستدرك عن ابن عباس بلفظ : " كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم " ثم قال : صحيح .

وأخرج البخاري في صحيحه عن أنس أنه سئل عن قراءة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال : كانت قراءته مدا ، ثم قرأ بسم الله الرحمن الرحيم يمد بسم الله ويمد ( الرحمن ) ويمد ( الرحيم ) .

وأخرج أحمد في المسند وأبو داود في السنن وابن خزيمة في صحيحه ، والحاكم في مستدركه عن أم سلمة أنها قالت : " كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقطع قراءته بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين " [ ص: 15 ] وقال الدارقطني : إسناده صحيح .

واحتج من قال : بأنه لا يجهر بالبسملة في الصلاة بما في صحيح مسلم عن عائشة قالت : " كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يفتتح الصلاة بالتكبير ، والقراءة بـ الحمد لله رب العالمين " .

وفي الصحيحين عن أنس قال : " صليت خلف النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان فكانوا يستفتحون بـ الحمد لله رب العالمين " .

ولمسلم " لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم في أول قراءة ولا في آخرها " .

وأخرج أهل السنن نحوه عن عبد الله بن مغفل .

وإلى هذا ذهب الخلفاء الأربعة وجماعة من الصحابة .

وأحاديث الترك وإن كانت أصح ولكن الإثبات أرجح مع كونه خارجا من مخرج صحيح ، فالأخذ به أولى ولا سيما مع إمكان تأويل الترك ، وهذا يقتضي الإثبات الذاتي ، أعني كونها قرآنا ، والوصفي أعني الجهر بها عند الجهر بقراءة ما يفتتح بها من السور في الصلاة .

ولتنقيح البحث والكلام على أطرافه استدلالا وردا وتعقبا ودفعا ، ورواية ودراية موضع غير هذا .

ومتعلق الباء محذوف وهو أقرأ أو أتلو ؛ لأنه المناسب لما جعلت البسملة مبدأ له ، فمن قدره متقدما كان غرضه الدلالة بتقديمه على الاهتمام بشأن الفعل ، ومن قدره متأخرا كان غرضه الدلالة بتأخيره على الاختصاص مع ما يحصل في ضمن ذلك من العناية بشأن الاسم والإشارة إلى أن البداية به أهم لكون التبرك حصل به ، وبهذا يظهر رجحان تقدير الفعل متأخرا في مثل هذا المقام ، ولا يعارضه قوله تعالى : اقرأ باسم ربك الذي خلق [ العلق : 1 ] لأن ذلك المقام مقام القراءة ، فكان الأمر بها أهم ، وأما الخلاف بين أئمة النحو في كون المقدر اسما أو فعلا فلا يتعلق بذلك كثير فائدة .

والباء للاستعانة أو للمصاحبة ، ورجح الثاني الزمخشري .

واسم أصله سمو حذفت لامه ، ولما كان من الأسماء التي بنوا أوائلها على السكون زادوا في أوله الهمزة إذا نطقوا به لئلا يقع الابتداء بالساكن ، وهو اللفظ الدال على المسمى ، ومن زعم أن الاسم هو المسمى كما قاله أبو عبيدة وسيبويه والباقلاني وابن فورك ، وحكاه الرازي عن الحشوية والكرامية والأشعرية فقد غلط غلطا بينا ، وجاء بما لا يعقل ، مع عدم ورود ما يوجب المخالفة للعقل لا من الكتاب ولا من السنة ولا من لغة العرب ، بل العلم الضروري حاصل بأن الاسم الذي هو أصوات مقطعة وحروف مؤلفة غير المسمى الذي هو مدلوله ، والبحث مبسوط في علم الكلام .

وقد ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة : إن لله تسعة وتسعين اسما من أحصاها دخل الجنة وقال الله عز وجل : ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها [ الأعراف : 180 ] وقال تعالى : قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى [ الإسراء : 110 ] .

والله علم لذات الواجب الوجود لم يطلق على غيره ، وأصله إله حذفت الهمزة وعوضت عنها أداة التعريف فلزمت .

وكان قبل الحذف من أسماء الأجناس يقع على كل معبود بحق أو باطل ، ثم غلب على المعبود بحق كالنجم والصعق ، فهو قبل الحذف من الأعلام الغالبة ، وبعده من الأعلام المختصة .

والرحمن الرحيم اسمان مشتقان من الرحمة على طريق المبالغة ، ورحمن أشد مبالغة من رحيم .

وفي كلام ابن جرير ما يفهم حكاية الاتفاق على هذا ، ولذلك قالوا رحمن الدنيا والآخرة ورحيم الدنيا .

وقد تقرر أن زيادة البناء تدل على زيادة المعنى .

وقال ابن الأنباري والزجاج : إن الرحمن عبراني والرحيم عربي وخالفهما غيرهما .

والرحمن من الصفات الغالبة لم يستعمل في غير الله عز وجل .

وأما قول بني حنيفة في مسيلمة رحمن اليمامة ، فقال في الكشاف : إنه باب من تعنتهم في كفرهم .

قال أبو علي الفارسي : الرحمن اسم عام في جميع أنواع الرحمة يختص به الله تعالى ، والرحيم إنما هو في جهة المؤمنين ، قال الله تعالى : وكان بالمؤمنين رحيما [ الأحزاب : 43 ] وقد ورد في فضلها أحاديث .

منها ما أخرجه سعيد بن منصور في سننه وابن خزيمة في كتاب البسملة والبيهقي عن ابن عباس قال : استرق الشيطان من الناس أعظم آية من القرآن : بسم الله الرحمن الرحيم .

وأخرج الدارقطني بسند ضعيف عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : كان جبريل إذا جاءني بالوحي أول ما يلقي علي بسم الله الرحمن الرحيم .

وأخرج ابن أبي حاتم في تفسيره والحاكم في المستدرك ، وصححه البيهقي في شعب الإيمان عن ابن عباس أن عثمان بن عفان سأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن بسم الله الرحمن الرحيم فقال : هو اسم من أسماء الله ، وما بينه وبين اسم الله الأكبر إلا كما بين سواد العين وبياضها من القرب .

وأخرج ابن جرير وابن عدي في الكامل وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية وابن عساكر في تاريخ دمشق ، والثعلبي بسند ضعيف جدا عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إن عيسى ابن مريم أسلمته أمه إلى الكتاب لتعلمه ، فقال له المعلم : اكتب بسم الله الرحمن الرحيم ، فقال له عيسى : وما بسم الله الرحمن الرحيم ؟ قال المعلم : لا أدري ، فقال له عيسى : الباء بهاء الله ، والسين سناه ، والميم مملكته ، والله إله الآلهة ، والرحمن رحمن الدنيا والآخرة ، والرحيم رحيم الآخرة وفي إسناده إسماعيل بن يحيى وهو كذاب .

وقد أورد هذا الحديث ابن الجوزي في الموضوعات .

وأخرج ابن مردويه والثعلبي عن جابر قال : لما نزلت بسم الله الرحمن الرحيم هرب الغيم إلى المشرق ، وسكنت الريح ، وهاج البحر ، وأصغت البهائم بآذانها ، ورجمت الشياطين من السماء ، وحلف الله بعزته وجلاله أن لا تسمى على شيء إلا بارك فيه .

وأخرج أبو نعيم والديلمي عن عائشة قالت : لما نزلت بسم الله الرحمن الرحيم ضجت الجبال حتى سمع أهل مكة دويها ، فقالوا : سحر محمد الجبال ، فبعث الله دخانا حتى أظل على أهل مكة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : من قرأ بسم الله الرحمن الرحيم موقنا سبحت معه الجبال إلا أنه لا يسمع ذلك منها .

وأخرج [ ص: 16 ] الديلمي عن ابن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : من قرأ بسم الله الرحمن الرحيم كتب الله له بكل حرف أربعة آلاف حسنة ، ومحا عنه أربعة آلاف سيئة ، ورفع له أربعة آلاف درجة .

وأخرج الخطيب في الجامع عن أبي جعفر محمد بن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : بسم الله الرحمن الرحيم مفتاح كل كتاب .

وهذه الأحاديث ينبغي البحث عن أسانيدها والكلام عليها بما يتبين بعد البحث إن شاء الله .

وقد شرعت التسمية في مواطن كثيرة قد بينها الشارع منها عند الوضوء ، وعند الذبيحة ، وعند الأكل ، وعند الجماع وغير ذلك .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث