الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

وقعة بدر

جزء التالي صفحة
السابق

9727 عن معمر قال : أخبرني أيوب ، عن عكرمة : أن أبا سفيان ، أقبل من الشام في عير لقريش ، وخرج المشركون مغوثين لعيرهم ، وخرج النبي صلى الله عليه وسلم يريد أبا سفيان وأصحابه ، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلين من أصحابه عينا طليعة ، ينظران بأي ماء هو ، فانطلقا حتى إذا علما علمه ، وخبرا خبره ، جاءا سريعين فأخبرا النبي صلى الله عليه وسلم ، وجاء أبو سفيان حتى نزل على الماء الذي كان به

[ ص: 349 ] الرجلان ، فقال لأهل الماء : هل أحسستم أحدا من أهل يثرب ؟ قال : فهل مر بكم أحد ؟ قالوا : ما رأينا إلا رجلين من أهل كذا وكذا ، قال أبو سفيان : فأين كان مناخهما ؟ فدلوه عليه ، فانطلق حتى أتى بعرا لهما ففته ، فإذا فيه النوى فقال : أنى لبني فلان هذا النوى ؟ هذي نواضح أهل يثرب ، فترك الطريق ، وأخذ سيف البحر ، وجاء الرجلان فأخبرا النبي صلى الله عليه وسلم خبره فقال : " " أيكم أخذ هذه الطريق ؟ " " قال أبو بكر رحمه الله : أنا ، هو بماء كذا وكذا ، ونحن بماء كذا وكذا ، فيرتحل فينزل بماء كذا وكذا ، وننزل بماء كذا وكذا ، ثم ينزل بماء كذا وكذا ، وننزل بماء كذا وكذا ، ثم نلتقي بماء كذا وكذا ، كأنا فرسا رهان ، فسار النبي صلى الله عليه وسلم حتى نزل بدرا فوجد على ماء بدر بعض رقيق قريش ممن خرج يغيث أبا سفيان فأخذهم أصحابه ، فجعلوا يسألونهم ، فإذا صدقوهم ضربوهم ، وإذا كذبوهم تركوهم ، فمر بهم النبي صلى الله عليه وسلم وهم يفعلون ذلك فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " " إن صدقوكم ضربتموهم ، وإذا كذبوكم تركتموهم " " ، ثم دعا واحدا منهم فقال : " " من يطعم القوم ؟ " " قال : فلان وفلان فعد رجالا يطعمهم كل رجل منهم يوما قال : " " فكم ينحر لهم ؟ " " قال : عشرا من الجزور ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " " الجزور بمائة " " وهم بين الألف

[ ص: 350 ] والتسعمائة قال : فلما جاء المشركون وصافوهم ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد استشار قبل ذلك في قتالهم ، فقام أبو بكر يشير عليه ، فأجلسه النبي صلى الله عليه وسلم ثم استشار ، فقام عمر يشير عليه فأجلسه النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم استشارهم ، فقام سعد بن عبادة فقال : يا نبي الله لكأنك تعرض بنا اليوم لتعلم ما في نفوسنا ، والذي نفسي بيده لو ضربت أكبادها حتى برك الغماد من ذي يمن لكنا معك ، فوطن رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه على الصبر والقتال ، وسر بذلك منهم ، فلما التقوا سار في قريش عتبة بن ربيعة فقال : أي قومي أطيعوني ولا تقاتلوا محمدا صلى الله عليه وسلم وأصحابه فإنكم إن قاتلتموهم لم يزل بينكم إحنة ما بقيتم ، وفساد لا يزال الرجل منكم ينظر إلى قاتل أخيه ، وإلى قاتل ابن عمه ، فإن يكن ملكا أكلتم في ملك أخيكم ، وإن يك نبيا فأنتم أسعد الناس به ، وإن يك كاذبا كفتكموه ذوبان العرب ، فأبوا أن يسمعوا مقالته ، وأبوا أن يطيعوه فقال : أنشدكم الله في هذه الوجوه التي كأنها المصابيح أن تجعلوها أندادا لهذه الوجوه ، التي كأنها عيون الحيات فقال أبو جهل : لقد ملأت سحرك رعبا [ ص: 351 ] ثم سار في قريش ، ثم قال : إن عتبة بن ربيعة إنما يشير عليكم بهذا لأن ابنه مع محمد صلى الله عليه وسلم ، ومحمد صلى الله عليه وسلم ابن عمه ، فهو يكره أن يقتل ابنه وابن عمه ، فغضب عتبة بن ربيعة فقال : أي مصفر استه ستعلم أينا أجبن وألأم ، وأفشل لقومه اليوم ، ثم نزل ونزل معه أخوه شيبة بن ربيعة وابنه الوليد بن عتبة فقالوا : أبرز إلينا أكفاءنا ، فثار ناس من بني الخزرج ، فأجلسهم النبي صلى الله عليه وسلم ، فقام علي ، وحمزة ، وعبيدة بن الحارث بن عبد المطلب بن عبد مناف ، فاختلف كل رجل منهم وقرينه ضربتين فقتل كل واحد منهم صاحبه ، وأعان حمزة عليا على صاحبه فقتله ، وقطعت رجل عبيدة فمات بعد ذلك ، وكان أول قتيل قتل من المسلمين مهجع مولى عمر ، ثم أنزل الله نصره ، وهزم عدوه ، وقتل أبو جهل بن هشام ، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال : " " أفعلتم ؟ " " قالوا : نعم يا نبي الله فسر بذلك وقال : " " إن عهدي به في ركبتيه حور فاذهبوا فانظروا هل ترون ذلك ؟ " " قال : فنظروا ، فرأوه قال : [ ص: 352 ] وأسر يومئذ ناس من قريش ثم أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالقتلى ، فجروا حتى ألقوا في قليب ، ثم أشرف عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " أي عتبة بن ربيعة أي أمية بن خلف فجعل يسميهم بأسمائهم رجلا رجلا هل وجدتم ما وعد ربكم حقا ؟ " " قالوا : يا نبي الله ويسمعون ما تقول ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " " ما أنتم بأعلم بما أقول منهم " " أي إنهم قد رأوا أعمالهم ، قال معمر : وسمعت هشام بن عروة يحدث أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث يومئذ زيد بن حارثة بشيرا يبشر أهل المدينة ، فجعل ناس لا يصدقونه ويقولون : والله ما رجع هذا إلا فارا ، وجعل يخبرهم بالأسارى ، ويخبرهم بمن قتل ، فلم يصدقوه حتى جيء بالأسارى ، مقرنين في قد ، ثم فاداهم النبي صلى الله عليه وسلم .


التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث