الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الحديث الثاني والثلاثون تفتح اليمن فيأتي قوم يبسون فيتحملون بأهليهم ومن أطاعهم

جزء التالي صفحة
السابق

1642 [ ص: 223 ] حديث ثان وثلاثون لهشام بن عروة

مالك ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عبد الله بن الزبير ، عن سفيان بن أبي زهير أنه قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : تفتح اليمن فيأتي قوم يبسون فيتحملون بأهليهم ومن أطاعهم ، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون ، وتفتح الشام فيأتي قوم يبسون فيتحملون بأهليهم ومن أطاعهم ، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون ، وتفتح العراق فيأتي قوم يبسون فيتحملون بأهليهم ومن أطاعهم ، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون .

التالي السابق


قد ذكرنا سفيان بن أبي زهير في الصحابة بما يغني عن ذكره هاهنا .

وأما قوله : تفتح اليمن ، فاليمن افتتحت في أيامه - صلى الله عليه وسلم - ، وافتتح بعضها في أيام أبي بكر بمقاتلة الأسود العنسي المتنبي الكذاب بصنعاء ، قتله أبو بكر في خلافته كما قتل مسيلمة في بني حنيفة ، وقد قيل : إن الأسود العنسي قتل والنبي - صلى الله عليه وسلم - مريض مرضه الذي مات منه سنة إحدى عشرة ، وهو الأكثر عند أهل السير .

[ ص: 224 ] وأما الشام والعراق فكان افتتاحهما في زمن عمر - رضي الله عنه - ، وفي هذا الحديث علم من أعلام نبوته - صلى الله عليه وسلم - ؛ لأنه غيب كان بعده قد أخبر به ، وهو لا يعلم من الغيب إلا ما أظهره الله عليه وأوحى به إليه ، فقد افتتحت بعده الشام والعراق واليمن بعضها ، وقد خرج الناس من المدينة إلى الشام وإلى اليمن وإلى العراق ، وكان ما قاله - صلى الله عليه وسلم - ، وكذلك لو صبروا بالمدينة لكان خيرا لهم ، قال - صلى الله عليه وسلم - : لا يصبر أحد على لأوائها وشدتها إلا كنت له شهيدا أو شفيعا يوم القيامة .

وفي هذا الحديث فضل المدينة على اليمن وعلى الشام وعلى العراق ، وهو أمر مجتمع عليه لا خلاف بين العلماء فيه ، وفي ذلك دليل على أن بعض البقاع أفضل من بعض ، ولا يوصل إلى شيء من ذلك إلا بتوقيف من جهة الخبر ، وأما القياس والنظر فلا مدخل له في شيء من ذلك ، وقد صحت الأخبار ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بفضل المدينة ، وأجمع علماء الأمة على أن لها فضلا معروفا لمسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - وقبره فيها ، وإنما اختلفوا في الأفضل منها ومن مكة ، وقد بينا ذلك كله في مواضع من هذا الكتاب ، والحمد لله ، والله الموفق للصواب .

وأما قوله : يبسون ، فمن رواه يبسون - برفع الياء وكسر الباء - من أبس يبس على الرباعي ، فقال : معناه يزينون لهم البلد الذي جاءوا منه ويحببونه إليهم ، ويدعونهم إلى الرحيل إليه من المدينة ، قالوا : والإبساس مأخوذ من إبساس الحلوبة عند حلابها كي تدر باللبن ، وهو أن تجري يدك على وجهها وصفحة عنقها كأنك تزين ذلك عندها وتحسنه لها .

[ ص: 225 ] ومنه قول عمران بن حطان :


والدهر ذو درة من غير إبساس



وإلى هذا ذهب ابن وهب ، قال : معناه يزينون لهم الخروج من المدينة ، وكذلك رواية ابن وهب يبسون بالرفع من الرباعي ، وكذلك رواية ابن حبيب ، عن مطرف ، عن مالك : يبسون من الرباعي ، وفسر ابن حبيب الكلمة بنحو هذا التفسير ، وأنكر قول من قال : " إنها من السير " كل الإنكار .

وقال ابن بكير : يبسون بفتح الياء ، وكذلك روايته وفسره : يسيرون ، قال : من قوله : ( وبست الجبال بسا ) يعني : سارت ، ويقال : سالت .

وذكر حبيب ، عن مالك مثل تفسير ابن بكير .

وقال ابن القاسم ، عن مالك : يبسون : يدعون ، وأظن رواية ابن القاسم بفتح الباء ، ورواية ابن بكير بكسرها ، وكل ذلك من الثلاثي .

وقال ابن هشام : والبس أيضا : المبالغة في فت الشيء ، ومنه قيل في الدقيق المصنوع بالزيت ونحوه : البسيس ، قال الراجز :


أخبزا خبزا وبسا بسا



يريد عملا بسيسا .

قال أبو عمر : وقال غيره : يبسون يسرعون السير ، وقيل : يزجرون دوابهم ، وقال غيره : يبسون يسألون عن البلدان ويتشفون من أخبارها ليتحملوا إليها ، وهذا [ ص: 226 ] لا يكاد يعرفه أهل اللغة ، وأما الرباعي فلا خلاف فيه وفي معناه ، وليس له إلا وجه واحد ، وأما الثلاثي ففيه لغتان : بس يبس - بكسر الباء - ، ويبس بضمها ، ومثل هذه الكلمة عندي : قتر وأقتر فيه لغتان : قتر على الثلاثي ، وأقتر على الرباعي ، وفي الثلاثي لغتان في المستقبل : منه يقتر بكسر التاء ، ويقتر بضمها ، وقد قرئ قوله - عز وجل - : ( لم يسرفوا ولم يقتروا ) على الثلاثة الأوجه : يقتروا من الرباعي ، ويقتروا من الثلاثي ، ويقتروا منه أيضا ، وأما رواية يحيى بن يحيى في يبسون عند أكثر شيوخنا الذين اعتمدنا عليهم في التقييد ، فعلى فتح الياء وكسر الباء من الثلاثي ، وفسروه : يسيرون على نحو رواية ابن بكير وتفسيره ، ولا يصح في رواية يحيى بن يحيى غير هذا الضبط ، ومن روى في موطأ يحيى غير ذلك فقد روى ما لم يرو يحيى ، والله أعلم .

وكان ابن حبيب ينكر رواية يحيى ويحمل عليه في ذلك ، وقد رواه ابن بكير وابن نافع وحبيب وغيرهم كذلك ، ويقال : إن ابن القاسم رواه : يبسون - بفتح الياء وضم الباء - ، فالله أعلم .

وأما قوله في هذا الحديث : والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون ، فقيل فيه : خير لهم من أجل أنها لا يدخلها الطاعون ولا الدجال ، وقد قيل : إن الفتن فيها دونها في غيرها ، وقيل : من أجل فضل مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والصلاة فيه ومجاورة قبره - صلى الله عليه وسلم - ، ولم يقل في هذا الحديث ينفي خبثها كما قال ذلك في حياته للفار عن صحبته وجواره ، وقد علمنا أن جملة من خرج بعده من أصحابه لم يكونوا خبثا ، بل كانوا دررا رضي الله عنهم أجمعين .

[ ص: 227 ] هشام ، عن زوجه فاطمة بنت المنذر بن الزبير بن العوام وهي بنت عمه ، ثلاثة أحاديث .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث