الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب بيان التدليس ومن يقبل نقله ويقبل مرسله وتدليسه ومن لا يقبل ذلك منه

قال أبو عمر : إلى هذا نزع من أصحابنا من زعم أن مرسل الإمام أولى من مسنده ; لأن في هذا الخبر ما يدل على أن مراسيل إبراهيم النخعي أقوى من مسانيده ، وهو لعمري كذلك ، إلا أن إبراهيم ليس بعيار على غيره .

أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن شاكر ، قال : حدثنا محمد بن يحيى بن عبد العزيز ، قال : حدثنا أسلم بن عبد العزيز ، قال : حدثنا الربيع بن سليمان ، قال : حدثنا الشافعي رحمه الله ، قال : حدثنا عمي محمد بن علي بن شافع ، قال : حدثنا هشام بن عروة ، عن أبيه عروة بن الزبير ، قال : إني لأسمع الحديث أستحسنه فما يمنعني من ذكره إلا كراهية أن يسمعه سامع فيقتدي به ، وذلك أني أسمعه من الرجل لا أثق به قد حدث به عمن أثق به ، أو أسمعه من رجل أثق به قد حدث به عمن لا أثق به فلا أحدث به .

[ ص: 39 ] قال أبو عمر : هذا فعل أهل الورع والدين ، كيف ترى في مرسل عروة بن الزبير ، وقد صح عنه ما ذكرنا ؟ أليس قد كفاك المؤنة ؟ ولو كان الناس على هذا المذهب كلهم لم يحتج إلى شيء مما نحن فيه .

وفي خبر عروة هذا دليل على أن ذلك الزمان كان يحدث فيه الثقة وغير الثقة ، فمن بحث وانتقد كان إماما ، ولهذا شرطنا في المرسل والمقطوع إمامة مرسله ، وانتقاده لمن يأخذ عنه ، وموضعه من الدين ، والورع ، والفهم ، والعلم .

حدثنا إسماعيل بن عبد الرحمن ، حدثنا إبراهيم بن بكر بن عمران ، حدثنا محمد بن الحسين بن أحمد الأزدي الحافط ، قال : حدثنا علي بن إبراهيم ، قال : حدثنا الربيع بن سليمان ، قال : حدثنا الشافعي ، قال : أخبرني عمي محمد بن علي بن شافع ، قال : حدثني هشام بن عروة ، عن أبيه عروة بن الزبير ، قال : إني لأسمع الحديث أستحسنه ، فذكر كلام عروة كما تقدم حرفا بحرف إلى آخره إلا أنه قال في آخره : فأدعه لا أحدث به ، وزاد قال الشافعي : كان ابن سيرين ، وإبراهيم النخعي ، وطاوس ، وغير واحد من التابعين يذهبون إلى أن لا يقبلوا الحديث إلا عن ثقة يعرف ما يروي ، ويحفظ ، وما رأيت أحدا من أهل الحديث يخالف هذا المذهب .

[ ص: 40 ] قال أبو عمر : ما أظن قول عروة هذا إلا مأخوذا من قوله صلى الله عليه وسلم من روى عني حديثا يرى أنه كذب فهو أحد الكذابين .

وذلك أن كل من حدث بكل ما سمع من ثقة وغير ثقة لم يؤمن عليه أن يحدث بالكذب ، والله أعلم .

حدثني أحمد بن قاسم ، وسعيد بن نصر ، قالا : حدثنا قاسم بن أصبغ ، قال : حدثنا محمد بن إسماعيل أبو إسماعيل الترمذي ، قال : حدثنا نعيم بن حماد ، قال : حدثنا ابن المبارك ، قال : سمعت يحيى بن عبيد الله ، قال : سمعت أبي يقول : سمعت أبا هريرة يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع قال ابن المبارك : وأخبرنا إسماعيل بن أبي خالد ، عن قيس بن أبي حازم ، قال : سمعت أبا بكر الصديق يقول : إياكم والكذب فإنه مجانب الإيمان .

وروينا عن الثوري ، قال : قال حبيب بن أبي ثابت : الذي يروي الكذب هو الكذاب .

حدثنا عبد الوارث بن سفيان ، قال : حدثنا قاسم بن أصبغ ، قال : حدثنا بكر بن حماد ، قال : حدثنا مسدد ، قال : حدثنا يحيى القطان ، وأخبرنا [ ص: 41 ] عبد الوارث بن سفيان ، قال : حدثنا قاسم بن أصبغ ، قال : حدثنا أبو علي الحسن بن سلام السويقي ، قال : حدثنا عفان بن مسلم ، قالا : حدثنا شعبة ، عن الحكم ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن سمرة بن جندب ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من روى عني حديثا وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين .

قال أبو عمر : عن شعبة في هذا إسناد آخر : أخبرنا عبد الوارث بن سفيان ، قال : حدثنا قاسم بن أصبغ ، قال : حدثنا أبو علي الحسن بن أحمد بن سلام السويقي ، قال : حدثنا عفان بن مسلم ، وعلي بن الجعد ، قالا : حدثنا شعبة ، عن حبيب بن أبي ثابت ، عن ميمون بن أبي شبيب ، عن المغيرة بن شعبة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : من حدث عني بحديث ، وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين ورواه الثوري عن حبيب بإسناده مثله .

حدثنا عبد الوارث ، قال : حدثنا قاسم ، قال : حدثنا أحمد بن زهير ، قال : حدثنا أبو نعيم ، قال : حدثنا سفيان ، عن حبيب بن أبي ثابت ، عن ميمون بن أبي شبيب ، عن المغيرة بن شعبة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكره .

[ ص: 42 ] حدثنا أحمد بن عبد الله بن محمد ، قال : حدثنا الميمون بن حمزة الحسني ، قال : حدثنا أبو جعفر الطحاوي ، قال : حدثنا المزني ، وحدثنا عبد الله بن محمد بن يوسف ، قال : حدثنا سليمان بن أيوب ، قال : حدثنا أسلم بن عبد العزيز ، قال : حدثنا الربيع بن سليمان ، قالا : حدثنا الشافعي ، قال : حدثنا سفيان بن عيينة ، عن محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج ، وحدثوا عني ولا تكذبوا علي .

قال الشافعي رحمه الله : هذا أشد حديث روي في تخريج الرواية عمن لا يوثق بخبره ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ; لأنه صلى الله عليه وسلم معلوم منه أنه لا يبيح اختلاق الكذب على بني إسرائيل ، ولا على غيرهم ، فلما فرق بين الحديث عن بني إسرائيل ، وبين الحديث عنه - صلى الله عليه وسلم - لم يحتمل إلا أنه أباح الحديث عن بني إسرائيل عن كل أحد [ ص: 43 ] وأنه من سمع منهم شيئا جاز له أن يحدث به عن كل من سمعه منه كائنا من كان ، وأن يخبر عنهم بما بلغه ؛ لأنه والله أعلم ليس في الحديث عنهم ما يقدح في الشريعة ، ولا يوجب فيها حكما ، وقد كانت فيهم الأعاجيب ، فهي التي يحدث بها عنهم ، لا شيء من أمور الديانة ، وهذا الوجه المباح ، عن بني إسرائيل هو المحظور عنه - صلى الله عليه وسلم - فلا ينبغي لأحد أن يحدث عنه - صلى الله عليه وسلم - إلا عمن يثق بخبره ، ويرضى دينه وأمانته ; لأنها ديانة .

أخبرنا عبد الوارث بن سفيان ، وسعيد بن نصر ، قالا : حدثنا قاسم بن أصبغ ، قال : حدثنا محمد بن إسماعيل الترمذي ، قال : حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري ، قال : حدثنا سليمان التيمي ، عن أنس بن مالك ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار .

أخبرنا محمد بن عبد الملك ، قال : أخبرنا ابن الأعرابي ، قال : حدثنا سعدان بن نصر ، قال : حدثنا سفيان ، عن هشام بن حجير ، عن طاوس ، قال : كنت عند ابن عباس ، وبشير بن كعب العدوي يحدثه ; فقال ابن عباس : عد لحديث كذا وكذا ، فعاد له ، ثم إنه حدث ، فقال له ابن عباس : عد لحديث كذا وكذا ، فعاد له ، ثم إنه حدث فقال له بشير : ما لك تسألني عن هذا الحديث من بين حديثي كله ؟ أأنكرت حديثي كله وعرفت هذا ؟ أو عرفت حديثي كله وأنكرت هذا ؟ فقال له ابن عباس : إنا كنا نحدث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ لم يكن يكذب عليه ، فلما ركب الناس الصعب ، والذلول [ ص: 44 ] تركنا الحديث عنه .

وفي هذا الحديث دليل على أن الكذب على النبي - صلى الله عليه وسلم - قد كان أحس به ابن عباس في عصره .

وقال رجل لابن المبارك : هل يمكن أن يكذب أحد على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ فانتهره ، وقال : وما ذا من الكذب .

وقال حماد بن زيد : وضعت الزنادقة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اثني عشر ألف حديث بثوها في الناس .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث