الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الحديث الثاني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ركب فرسا فصرع

جزء التالي صفحة
السابق

306 [ ص: 129 ] حديث ثان للزهري عن أنس

( مالك عن ابن شهاب ) عن أنس بن مالك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ركب فرسا فصرع فجحش شقه الأيمن ، فصلى صلاة من الصلوات وهو قاعد ، فصلينا وراءه قعودا ، فلما انصرف ، قال : إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا صلى قائما فصلوا قياما ، وإذا ركع فاركعوا ، وإذا رفع فارفعوا ، وإذا قال : سمع الله لمن حمده ، فقولوا : ربنا ولك الحمد ، وإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا أجمعون .

[ ص: 130 ]

التالي السابق


[ ص: 130 ] لم يختلف رواة الموطإ في إسناد هذا الحديث ، عن مالك عن الزهري عن أنس ورواه ( سويد بن سعيد ) عن مالك عن الزهري عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا كبر فكبروا ، وإذا ركع فاركعوا ، وإذا قال : سمع الله لمن حمده ، فقولوا : ربنا لك الحمد ، وإذا سجد فاسجدوا ، وإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا أجمعون . فأخطأ سويد في هذا الحديث خطأ لم يتابعه أحد عليه فيما علمت وزاد فيه : إذا كبر فكبروا ، وإذا سجد فاسجدوا . ولم يقل : إذا رفع فارفعوا .

حدثنا خلف بن القاسم حدثنا محمد بن عبد الله بن زكرياء النيسابوري حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن يونس حدثنا كثير بن عبيد حدثنا سويد بن عبد العزيز حدثنا مالك عن الزهري عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول [ ص: 131 ] الله - صلى الله عليه وسلم - ( قال : إنما جعل الإمام ليؤتم به ، فذكره . ورواه ابن وهب عن مالك عن الزهري عن النبي ، صلى الله عليه وسلم ) وقال فيه : إنما جعل الإمام ليؤتم به ، فلا تختلفوا عليه . وتابعه على ذلك عن مالك أبو علي الحنفي وابنه يحيى بن مالك وهذه الزيادة ليست في الموطإ إلا في بلاغات مالك أعني قوله : ( فلا تختلفوا عليه ) وقد رواها معن بن عيسى وأبو قرة موسى بن طارق عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : إنما جعل الإمام ليؤتم به ، فلا تختلفوا عليه وذكر الحديث ، وسنذكره بتمامه في ( باب ) بلاغات مالك إن شاء الله .

وزاد عبد الله بن وهب أيضا في هذا الحديث ، وإذا كبر فكبروا ، وإذا سجد فاسجدوا وتابعه على ذلك عبد الرحمن بن مهدي وجويرية بن أسماء وذكر فيه إبراهيم بن بشير عن مالك التكبير ، ولم يذكر السجود ، وليس في الموطإ قوله : إذا كبر فكبروا ، ولا قوله : إذا سجد فاسجدوا .

[ ص: 132 ] أخبرنا عبد الوارث بن سفيان حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا ابن وضاح حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح ويونس بن عبد الأعلى قالا : حدثنا عبد الله بن وهب قال : أخبرني يونس بن يزيد ومالك بن أنس والليث بن سعد وابن سمعان أن ابن شهاب أخبرهم ، قال : أخبرني أنس بن مالك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ركب فرسا ، فصرع عنه فجحش شقه الأيمن ، فصلى ( لنا ) صلاة من الصلوات ، وهو جالس وصلينا معه جلوسا ، فلما انصرف قال : إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه ، فإذا صلى قائما فصلوا قياما ، وإذا كبر فكبروا ، وإذا ركع فاركعوا ، وإذا رفع فارفعوا ، وإذا قال : سمع الله لمن حمده فقولوا ربنا ولك الحمد ، وإذا سجد فاسجدوا ، وإذا صلى قاعدا ، فصلوا قعودا أجمعون .

فقوله في هذا الحديث : " فلا تختلفوا عليه " ليس في الموطإ ، ولا رواه بهذا الإسناد عن مالك غير ابن وهب وابنه يحيى بن مالك وأبي علي الحنفي ، والله أعلم .

( وقوله : " وإذا كبر فكبروا ، وإذا سجد فاسجدوا " ليس في الموطإ ، ولا رواه عن مالك غير ابن وهب وابن مهدي وجويرية ، والله أعلم ) ورواه أبو حنيفة .

[ ص: 133 ] قحزم بن عبد الله بن قحزم الأسواني عن الشافعي عن مالك عن الزهري عن أنس فزاد فيه : في بيته ، وقال فيه أيضا : فأشار إليهم أن اجلسوا ، ولم يقل ذلك في هذا الحديث عن مالك أحد غير الشافعي في رواية قحزم عنه خاصة ، وإنما قال مالك : فأشار إليهم أن اجلسوا في حديثه عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ، قال الدارقطني : ليس يحفظ في هذا الحديث أنه صلى في بيته إلا من رواية أبي حنيفة قحزم عن الشافعي عن مالك عن الزهري عن أنس وهو محفوظ من رواية أيوب عن الزهري عن أنس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صرع عن فرسه ، فجحش جنبه ، فدخلوا عليه يعودونه ، فصلى بهم قاعدا ، وأومأ إليهم أن اقعدوا ، فلما قضى صلاته قال : إنما جعل الإمام ليؤتم به ، وذكر الحديث .

قال أبو عمر :

وأما حديث قحزم عن الشافعي فأخبرناه علي بن إبراهيم حدثنا الحسن بن رشيق حدثنا أبو الحسن فقير [ ص: 134 ] بن موسى بن عيسى الأسواني حدثنا أبو حنيفة قحزم بن عبد الله بن قحزم الأسواني حدثنا أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي حدثنا مالك بن أنس عن ابن شهاب عن أنس ( بن مالك ) أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ركب فرسا ، فصرع عنه فجحش شقه الأيمن ، فصلى في بيته قاعدا وصلى خلفه قوم قياما فأشار إليهم أن اجلسوا ، ثم قال : إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا صلى جالسا ، فصلوا جلوسا أجمعون .

فخلط فيه قحزم وزاد ونقص ( ولم يتمه ) والصحيح عن مالك فيه ما في الموطإ ، والله أعلم .

وفي هذا الحديث من الفقه ركوب الخيل ( وحركتها ) والتقلب عليها ، وهو يرد ما روي عن عمر من كراهيته ركوب الخيل لما فيه من الخيلاء .

وأما السقوط من ظهورها ، فإنه لا يكون في الأغلب لمن يحسن ركوبها إلا مع حركتها ودفعها ( وإجرائها ، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أحسن الناس تقلبا عليها ) .

[ ص: 135 ] وفي حديث قتادة وثابت عن أنس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ركب فرسا عريا لأبي طلحة قال بعض أهل السير : كان ذلك منه ( في ) حين أغار عيينة بن حصن على لقاح المدينة ( فخرج رسول الله ، صلى الله عليه وسلم .

وفي حديث أنس أن خيل المشركين أغارت على لقاح بالمدينة فوقعت الصيحة فخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على فرس لأبي طلحة عري ، ثم انصرف ، قال : إن وجدناه لبحرا ) . وذكر ابن المبارك وغندر وابن أبي عدي عن شعبة عن قتادة قال : سمعت أنس بن مالك يقول : كان بالمدينة فزع فاستعار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرسا لأبي طلحة يقال له مندوب فركبه ، فلما انصرف ، قال : إن وجدناه لبحرا .

حدثنا أحمد بن محمد بن هشام حدثنا أحمد بن إبراهيم بن فراس حدثنا محمد بن إبراهيم الديبلي قال : حدثنا محمد بن زنبور حدثنا حماد بن زيد عن ثابت البناني [ ص: 136 ] عن أنس بن مالك قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أجمل الناس وجها ( وأجود الناس كفا ) وأشجع الناس قلبا ، خرج وقد فزع الناس فركب فرسا لأبي طلحة ( عريا ) ثم رجع ، وهو يقول : لن تراعوا لن تراعوا ، ثم قال : إن وجدناه لبحرا .

( قال أبو جعفر الديبلي ) : قال ( لنا ) ابن زنبور : لم أسمع من حماد بن زيد غير هذا الحديث ، لقيته عند زمزم فحدثني بهذا الحديث .

وأما قوله ( فجحش شقه ) فإن ذلك كما لو زاحم إنسان جدارا ، فانخدش خدشا بينا ( كما نقول نحن : انسلخ وانجرح ) فالجحش فوق الخدش ، وحسبك أنه لم يقدر على الصلاة قائما ، فصلى قاعدا .

وأما قوله : إنما جعل الإمام ليؤتم به ، فقد أجمع العلماء على أن الائتمام واجب على كل مأموم بإمامه في ظاهر أفعاله ، وأنه لا يجوز له خلافه لغير عذر ( وفيه حجة لمالك وأبي حنيفة وأصحابهما في إبطال صلاة من خالفت نيته نية إمامه ، فصلى ظهرا خلف إمام يصلي عصرا ، أو صلى فريضة خلف [ ص: 137 ] إمام يصلي نافلة ، لأنه لم يأتم به في صلاته فوجب أن لا يجزيه ) .

وأما اختلاف نية الإمام والمأموم فقد أرجأنا القول في هذه المسألة إلى بلاغات مالك ومرسلاته عن نفسه حيث قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إنما جعل الإمام ليؤتم به ، فلا تختلفوا عليه ( فهناك أولى المواضع به ) وقد ذكرنا ( هذه اللفظة مسندة من غير حديث مالك في هذا الباب بإسناد صحيح ، وذكرنا ) هنالك ما للعلماء في جواز اختلاف نية المأموم والإمام من المذاهب والأقوال والتنازع والاعتدال ، إن شاء الله .

وأما قوله فإذا صلى قائما ( فصلوا قياما ) فهذا كلام خرج على صلاة الفريضة ، لأنه صلى بهم صلاة من الصلوات الخمس حين ذكر ذلك لهم ( وأمرهم بما في هذا الحديث ) وهذا ما لا خلاف فيه ، وقد أجمعوا على جواز صلاة الجالس في النافلة فدل ( ذلك ) على ما ذكرنا إلا أن المصلي في النافلة جالسا ، وهو قادر على [ ص: 138 ] القيام له نصف أجر ، وقد مضى القول في حكم صلاة القاعد في النافلة وحكم صلاة المريض في باب إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص .

وفي قوله فإذا صلى قائما فصلوا قياما بيان لقوله - عز وجل - وقوموا لله قانتين وأجمع العلماء على أن القيام في صلاة الفريضة فرض واجب على كل صحيح قادر عليه , لا يجزيه غير ذلك إن كان منفردا ( أو إماما ) واختلفوا في المأموم الصحيح يصلي قاعدا خلف ( إمام ) مريض لا يستطيع القيام فأجازت ( ذلك ) طائفة من أهل العلم اتباعا لهذا الحديث ، وما كان مثله من قوله - صلى الله عليه وسلم - في الإمام ( وإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا أجمعون ) روي هذا ( الحديث ) عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من طرق ( كثيرة ) متواترة من حديث أنس وحديث أبي هريرة وحديث عائشة ، وحديث ابن عمر وحديث جابر ، كلها عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بأسانيد صحاح وممن ذهب إلى هذا حماد بن زيد وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه ( وإليه ذهب داود في رواية عنه ) . قال أحمد بن حنبل : [ ص: 139 ] وفعله أربعة من الصحابة بعده أسيد بن حضير وقيس بن قهد وجابر وأبو هريرة .

حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال : حدثنا قاسم بن أصبغ قال : حدثنا ابن وضاح قال : حدثنا أبو الطاهر قال : حدثنا أنس بن عياض قال : حدثني يحيى بن سعيد الأنصاري عن بشير بن يسار أن أسيد بن حضير كان يؤم قومه بني عبد الأشهل فاشتكى فخرج عليهم بعد شكواه ، فأمروه أن يتقدم لهم فقال : لا أستطيع فقالوا : لا يصلي بنا ما كنت فينا غيرك . فقال : إني لا أستطيع أن أصلي قائما فاقعدوا ، فصلى قاعدا وصلوا قعودا .

أخبرنا إبراهيم بن شاكر قراءة مني عليه ، قال : حدثنا عبد الله بن عثمان قال : حدثنا ( سعيد بن عثمان ) قال : حدثنا أحمد بن عبد الله بن صالح قال : حدثنا يعلى بن عبيد قال : حدثنا إسماعيل عن قيس بن أبي حازم عن قيس الأنصاري قال : اشتكى ، إمامنا أياما فكنا نصلي بصلاته جلوسا .

[ ص: 140 ] وروى أبو معاوية عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عن أبي هريرة قال : إنما الإمام أمير , فإذا صلى قائما فصلوا قياما ، وإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا .

وروى الليث بن سعد عن يحيى بن سعيد عن أبي الزبير أنهم شيعوا جابر بن عبد الله وهو مريض ، فصلى بهم قاعدا وصلوا معه قعودا ، وقال جمهور أهل العلم : لا يجوز لأحد أن يصلي في شيء من الصلوات المكتوبات جالسا وهو صحيح قادر على القيام ، لا إماما ولا منفردا ولا خلف إمام ، ثم اختلفوا ؛ فمنهم من أجاز صلاة القائم خلف القاعد المريض ، لأن كلا يؤدي فرضه على قدر طاقته اقتداء وتأسيا برسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ صلى في مرضه الذي توفي فيه قاعدا وأبو بكر إلى جنبه قائما يصلي بصلاته ، والناس قيام خلفه يصلون بصلاته ، فلم يشر إلى أبي بكر ولا إليهم بالجلوس وأكمل صلاته بهم جالسا ، وهم خلفه قيام ومعلوم أن ذلك كان منه بعد سقوطه عن فرسه وصلاته حينئذ قاعدا , وقوله : فإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا ، فعلم أن الآخر من فعله ناسخ للأول [ ص: 141 ] ( فإنهم ما قاموا خلفه وهو جالس إلا لعلمهم بأنه قد نسخ ذلك بفعله ، صلى الله عليه وسلم ) والدليل على أن حديث هذا الباب منسوخ بما كان منه في مرضه - صلى الله عليه وسلم - إجماع العلماء على أن حكم القيام في الصلاة على الإيجاب لا على التخيير ، ولما أجمعوا على أن القيام في الصلاة لم يكن فرضه قط على التخيير ، وجب طلب الدليل على النسخ في ذلك ، وقد صح أن صلاة أبي بكر والناس ( خلفه ) قياما ، وهو قاعد في مرضه الذي توفي فيه ، متأخر عن صلاته في حين سقوطه عن فرسه ، فبان بذلك أنه ناسخ لذلك . وممن ذهب هذا المذهب واحتج بنحو هذه الحجة الشافعي وداود بن علي وأصحابهما ، وقد أوضحنا معاني الآثار في صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - في مرضه وأتينا على حكاية قول من قال : كان أبو بكر المقدم في تلك الصلاة ، ومن قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيها المقدم في باب هشام بن عروة بما يغني عن ذكره هاهنا .

( وقد ) روى الوليد بن مسلم عن مالك أنه أجاز للإمام المريض أن يصلي بالناس جالسا ، وهم قيام ، قال : وأحب إلي أن يقوم إلى جنبه من يعلم الناس بصلاته .

[ ص: 142 ] وهذه الرواية غريبة عن مالك , ومذهبه عند أصحابه على خلاف ذلك ، ذكر أبو المصعب عن مالك في مختصره ، قال : لا يؤم الناس أحد قاعدا ، فإن أمهم قاعدا فسدت صلاته وصلاتهم ، لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : لا يؤمن أحد بعدي قاعدا ، قال : فإن كان الإمام عليلا تمت صلاة الإمام وفسدت صلاة من خلفه ، قال : ومن صلى قاعدا من غير علة أعاد الصلاة .

قال أبو عمر :

فعلى رواية أبي المصعب هذه عن مالك في قوله في الإمام المريض يصلي جالسا بقوم قيام أن صلاة من خلفه فاسدة تجب الإعادة عليهم في الوقت وغيره ، وقد روي عن مالك في هذه أنهم يعيدون في الوقت خاصة ، وذلك عندي - والله أعلم - لما ذكره في موطئه عن هشام بن عروة عن أبيه أن أبا بكر كان يصلي بصلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - ( وهو جالس وأبو بكر إلى جنبه قائم ، والناس قيام خلف أبي بكر ولما رواه في غير الموطإ عن ربيعة أن أبا بكر كان المقدم ، وأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي ) [ ص: 143 ] بصلاته ، فلما رأى الاختلاف في ذلك احتاط فرأى الإعادة ( في الوقت ، لأن كلا قد أدى فرضه على حسب حاله , وكثير من مذهبه احتياطا ) .

قال أبو عمر :

قد احتج محمد بن الحسن لقوله ومذهبه في هذا الباب بالحديث الذي ( ذكره ) أبو المصعب أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لا يؤمن أحد بعدي قاعدا ، وهو حديث لا يصح عند أهل العلم بالحديث إنما يرويه جابر الجعفي عن الشعبي مرسلا وجابر الجعفي لا يحتج بشيء يرويه مسندا فكيف بما يرويه مرسلا ، وأما قول محمد بن الحسن في هذا الباب ، فإنه قال : إذا صلى الرجل لمرض به قاعدا ، يركع ويسجد ولا يطيق إلا ذلك ، بقوم قيام يركعون ويسجدون ، فإن صلاته جائزة ، وصلاة من خلفه ممن لا يستطيع القيام حكمه كحكمه جائزة أيضا ، وصلاة من صلى خلفه ممن حكمه القيام باطلة ، وقال أبو حنيفة وأبو يوسف : صلاته وصلاتهم جائزة ، وقالوا : لو صلى [ ص: 144 ] وهو يومئ بقوم يركعون ويسجدون لم يجزهم في قولهم جميعا ، وأجزأت الإمام صلاته ، وكان زفر يقول : تجزيهم صلاتهم ، لأنهم صلوا على فرضهم وصلى إمامهم على فرضه ، وأما ابن القاسم فإنه قال : لا يأتم القائم بالجالس في فريضة ولا نافلة ، ولا بأس أن يأتم الجالس بالقائم ، قال : ولا ينبغي أن يؤم أحد في نافلة ، ولا في فريضة قاعدا ، قال : وإن عرض للإمام ما يمنعه من القيام استخلف . واختلف أصحاب مالك في إمامة المريض بالمرضى جلوسا فأجازها بعضهم وكرهها أكثرهم ، ولم يختلفوا فيمن صلى شيئا من فرضه جالسا ، وهو قادر على القيام أن عليه الإعادة أبدا .

وذكر سحنون عن ابن القاسم عن مالك عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج ، وهو مريض وأبو بكر يصلي بالناس ، فجلس إلى جنب أبي بكر فكان أبو بكر الإمام ، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي بصلاة أبي بكر وقال : ما مات نبي حتى يؤمه رجل من أمته .

قال ابن القاسم : قال مالك : والعمل عندنا على حديث ربيعة هذا ، وهو أحب إلي : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - [ ص: 145 ] صلى بصلاة أبي بكر قال سحنون : بهذا الحديث أخذ ابن القاسم وليس في الموطإ .

قال أبو عمر :

أكثر الآثار الصحاح المسندة في هذا الباب أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان المقدم ، وأن أبا بكر كان يصلي بصلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قائما ، والناس يصلون بصلاة أبي بكر وهو الذي أقره مالك - رحمه الله - في الموطإ وقرئ عليه إلى أن مات وسنبينه في باب هشام بن عروة ، إن شاء الله .

وأجمع العلماء مع اختلاف مذاهبهم في هذا الباب على استحباب الاستخلاف للمريض من الأئمة من يصلي بالناس كما فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين مرض فقال : مروا أبا بكر فليصل بالناس ، فإن صلى بهم وهو مريض ، فللعلماء في ذلك ما ذكرنا ، وبالله توفيقنا .

وأما قوله في الحديث : وإذا ركع فاركعوا ، وإذا رفع فارفعوا ، فإنه يدل على أن عمل المأموم يكون بعقب عمل الإمام وبعده بلا فصل ، لأن الفاء توجب التعقيب والاستعجال ، وليست مثل " ثم " التي توجب التعقيب والتراخي ، واختلف قول مالك في ذلك ؛ فروي عنه أن عمل المأموم كله مع [ ص: 146 ] عمل الإمام ركوعه وسجوده وخفضه ورفعه ، ما خلا الإحرام والتسليم ، فإنه لا يكون إلا بعد عمل الإمام وبعقبه ، وروي عنه مثل ذلك أيضا ما خلا الإحرام والقيام من اثنتين والسلام ، وكان شيخنا أبو عمر أحمد بن عبد الملك بن هاشم - رحمه الله - يذهب إلى الرواية الأولى ورأيته مرارا لا أحصيها كثرة يقوم مع الإمام في حين قيامه من اثنتين ، ولا يراعي اعتداله ، ولا تكبيره ، وكان يقول : هي أصح عن مالك .

وقد روي عن مالك أيضا أن الأحب إليه في هذه المسألة أن يكون عمل المأموم ( بعد عمل الإمام ) وبعقبه في كل شيء .

قال أبو عمر :

هذا أحسن ؛ لما حدثناه عبد الوارث بن سفيان وسعيد بن نصر قالا : حدثنا قاسم بن أصبغ قال : حدثنا محمد بن عبد السلام وعبد الله بن أبي مسرة قالا : حدثنا محمد بن المثنى قال : حدثنا ابن أبي عدي عن [ ص: 147 ] سعيد ، عن قتادة عن يونس بن جبير عن حطان بن عبد الله الرقاشي قال : خطبنا أبو موسى فعلمنا صلاتنا وبين لنا سنتنا فقال : إذا صليتم فأقيموا صفوفكم وليؤمكم أحدكم فإذا كبر الإمام فكبروا ، وإذا قال : غير المغضوب عليهم ولا الضالين فقولوا " آمين " يجبكم الله , فإذا كبر وركع فكبروا واركعوا ، فإن الإمام يركع قبلكم ( ويرفع قبلكم ) قال نبي الله - صلى الله عليه وسلم - : فتلك بتلك ، وإذا قال : سمع الله لمن حمده فقولوا " ربنا ولك الحمد " يسمع الله لكم , فإذا كبر وسجد فكبروا واسجدوا ، فإن الإمام يسجد قبلكم ويرفع قبلكم ، قال نبي الله - صلى الله عليه وسلم - : فتلك بتلك ، وذكر تمام الحديث .

قال أبو عمر :

ففي هذا الحديث بيان أن عمل المأموم بعقب عمل الإمام دون فصل ولا تراخ ، وهو الذي يوجبه حكم الفاء في قوله " فكبروا واركعوا " وقد ثبت من جهة الأثر والنظر [ ص: 148 ] أن حكم قوله : " فإذا كبر فكبروا " في تكبيرة الإحرام أن يكون فراغ المأموم منها بعد فراغ الإمام منها وابتداؤه بها بعد ابتداء الإمام بها ، وإن كان ذلك معا فالقياس أن يكون الركوع والسجود وسائر العمل كذلك .

وسيأتي ذكر التكبير والحكم فيه ، عند الخفض والرفع والإحرام في باب ابن شهاب عن أبي سلمة وعن علي بن حسين من هذا الكتاب ، إن شاء الله .

قال أبو بكر الأثرم : سمعت أحمد بن حنبل يسأل متى يكبر خلف الإمام ، فذكر الحديث : إذا كبر فكبروا ، وإذا ركع فاركعوا ، ثم قال : يتبعه في كل شيء يصنعه كلما فعل شيئا فعله بعده ، وأما قوله : ( وإذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا ربنا ولك الحمد ) فإنه يقتضي ما قاله مالك ومن قال بقوله في ذلك أن الإمام يقتصر على قول سمع الله لمن حمده ، وهو حجة على من قال : إن الإمام يقول : سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد ، كما يفعل المنفرد ، وإن المأموم كذلك يقول أيضا ، ولا أعلم خلافا أن المنفرد يقول : سمع الله لمن حمده ربنا لك الحمد ، أو : ولك الحمد ، وإنما اختلفوا في الإمام والمأموم فقالت طائفة [ ص: 149 ] من أهل العلم : الإمام ( إنما ) يقول : سمع الله لمن حمده فقط ، ولا يقول : ربنا ولك الحمد . وممن قال بذلك أبو حنيفة ( ومالك ) ومن تابعهم , وحجتهم ظاهر حديث أنس هذا ، وما كان مثله ، وقال أبو يوسف ومحمد بن الحسن والشافعي وأحمد بن حنبل : يقول الإمام سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد ، وحجتهم حديث أبي هريرة وأبي سعيد وعبد الله بن أبي أوفى كلهم حكى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يقول : سمع الله لمن حمده ربنا لك الحمد .

وذكر الدارقطني حديثا غريبا من طريق ابن أخي ابن وهب عن عمه ، عن مالك عن ابن شهاب عن أبي بكر بن عبد الرحمن عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقول : سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد ، ولو كان هذا صحيحا عند مالك لم يخالفاه في الفتوى ، والله أعلم .

وقال الشافعي : ويقول المأموم أيضا : سمع الله لمن حمده ربنا لك الحمد ، كما يقول الإمام المنفرد ، لأن الإمام [ ص: 150 ] إنما جعل ليؤتم به ، وقال مالك وأبو حنيفة وأصحابهما والثوري وأحمد بن حنبل لا يقول المأموم سمع الله لمن حمده ، وإنما يقول : ربنا ولك الحمد فقط ، وحجتهم حديث أنس هذا ، وحديث أبي موسى المذكور في هذا الباب ، وما كان مثلهما , وسيأتي هذا المعنى في هذه المسألة في باب ابن شهاب عن سالم ، إن شاء الله .

وفي هذا الحديث أيضا دليل على أن ما اختاره مالك - رحمه الله - من قول ربنا ولك الحمد بالواو ، وذكره ابن القاسم وغيره عنه .

وأخبرنا عبد الله بن محمد بن يحيى قال : حدثنا عبد الحميد بن أحمد قال : حدثنا الخضر بن داود قال : حدثنا ( أبو بكر ) الأثرم قال : سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل - رحمه الله - يثبت أمر الواو في " ربنا ولك الحمد " وقال : روى الزهري فيه ثلاثة أحاديث عن أنس بن مالك وعن سعيد عن أبي هريرة وعن سالم عن أبيه ، قال : وفي حديث علي الطويل : ولك الحمد ( والله الموفق ) .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث