الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

1875 لمالك عنه في الموطأ من حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - خمسة عشر حديثا ; منها عن أنس عشرة ، وعن رافع بن إسحاق حديثان ، وعن زفر بن صعصعة حديث واحد ، وعن أبي مرة حديث واحد ، وعن حميدة امرأته حديث واحد .

حديث أول لإسحاق عن أنس مسند

مالك ، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة أنه سمع أنس بن مالك يقول : كان أبو طلحة أكثر أنصاري بالمدينة مالا من نخل ، وكان أحب أمواله إليه بيرحاء ، وكانت مستقبلة المسجد ، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدخلها ، ويشرب من ماء فيها طيب ، قال أنس : فلما نزلت لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون قام أبو طلحة ، فقال : يا رسول الله إن الله يقول : لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون وإن أحب أموالي بيرحاء ، وإنها صدقة لله أرجو برها وذخرها عند الله ، فضعها يا رسول الله حيث شئت ، قال : فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : بخ ذلك مال رابح ، ذلك مال رابح ، وقد سمعت ما قلت ، وإني أرى أن تجعله في الأقربين ، فقال أبو طلحة : أفعل يا رسول الله ، فقسمها أبو طلحة بين أقاربه وبني عمه .

التالي السابق


هكذا قال يحيى وأكثر الرواة عن مالك في هذا الحديث ، فقسمها أبو طلحة ، وممن قال ذلك منهم ابن القاسم ، والقعنبي في رواية علي بن [ ص: 199 ] عبد العزيز ، وذكر إسماعيل بن إسحاق هذا الحديث في كتابه المبسوط عن القعنبي بإسناده سواء ، وقال في آخره : فقسمها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أقاربه وبني عمه .

قال أبو عمر : فأضاف القسمة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وأما قوله ، في أقاربه وبني عمه ، فمعلوم أنه أراد أقارب أبي طلحة وبني عمه ، وذلك محفوظ عند العلماء لا يختلفون في ذلك ، وأما إضافة القسمة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهذا وإن كان جائزا في لسان العرب أن يضاف الفعل إلى الآمر به فإن ذلك ليس في رواية أكثر الرواة للموطأ ، ولا يجيز مثل هذه العبارة أهل الحديث ، ولكنها رواية من روى ذلك ، والله أعلم ، والمعنى فيه بين والحمد لله .

وروى هذا الحديث عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون ، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة ، عن أنس بن مالك ، قال : لما نزلت هذه الآية لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون جاء أبو طلحة ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - على المنبر قال : وكانت دار ابن جعفر والدار التي تليها إلى قصر ابن جديلة - حوائط لأبي طلحة - قال : وكان قصر ابن جديلة حائطا لأبي طلحة يقال لها بيرحاء ، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يدخلها ويشرب من مائها ، ويأكل من ثمرها ، فجاء أبو طلحة ، ورسول الله [ ص: 200 ] - صلى الله عليه وسلم - على المنبر ، فقال : إن الله عز وجل يقول في كتابه لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون وإن أحب أموالي إلي بيرحاء فهي لله ولرسوله ، أرجو بره وذخره ، اجعله يا رسول الله حيث أراك الله ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : بخ ذلك يا أبا طلحة مال رابح ، قد قبلناه منك ، ورددناه عليك ، فاجعله في الأقربين قال : فتصدق به أبو طلحة على ذوي رحمه ، فكان منهم أبي بن كعب ، وحسان بن ثابت ، قال : فباع حسان نصيبه من معاوية ، فقيل له : يا حسان تبيع صدقة أبي طلحة ؟ فقال : ألا أبيع صاعا من تمر بصاع من دراهم .

وذكر الطحاوي ، حدثنا إبراهيم بن مرزوق ، حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري ، قال : حدثنا حميد عن أنس ، وأبي عن ثمامة عن أنس ، وهذا لفظ حديثه ، قال : قال أنس كانت لأبي طلحة أرض ، فجعلها لله عز وجل ، فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فقال : اجعلها في فقراء أقاربك ، فجعلها لحسان ، وأبي بن كعب ، قال أنس : وكان أقرب إليه مني .

وفي هذا الحديث من الفقه والعلم وجوه :

فمنها أن الرجل الفاضل العالم قد يضاف إليه حب المال ، وقد يضيفه هو إلى نفسه ، وليس في ذلك نقيصة عليه ولا على من أضاف ذلك إليه إذا كان ذلك من وجه حله وما أباح الله منه ، وكان أبو طلحة من خيار أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، وقد أخبر الله [ ص: 201 ] عز وجل عن الإنسان أنه لحب الخير لشديد ، قال المفسرون : الخير هاهنا المال .

وفيه إباحة اتخاذ الجنات والحوائط ، وهي التي تعرف عندنا بالمنى في الحواضر وغيرها .

وفيه إباحة دخول العلماء والفضلاء البساتين وما جانسها من الجنات ، والكروم ، وغيرها طلبا للراحة ، والتفرج ، والنظر إلى ما يسلي النفس ، وما يوجب شكر الله عز وجل على نعمه .

وفيه ما يدل على إباحة كسب العقار ، وفي ذلك رد لما روي عن ابن مسعود أنه قال : لا تتخذوا الضيعة ، فترغبوا في الدنيا .

وفي كسب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - العقار مما أفاء الله عليه من بني النضير ، وفدك ، وغيرها ، وكسب الصحابة - رضي الله عنهم - من الأنصار والمهاجرين للأرضين ، والحوائط ، وكسب التابعين بعدهم بإحسان لذلك - أكثر من أن يحصى .

ولا خلاف علمته في أن كسب العقار مباح إذا كان من حله ، ولم يكن سبب ذل وصغار ، فإن ابن عمر - رضي الله عنه - كره كسب أرض الخراج ، ولم ير شراءها ، وقال : لا تجعل في عنقك صغارا .

وفيه إباحة الشرب من ماء الصديق بغير إذنه ، وماء الحوائط والجنات ، والدور عندنا مملوك لأهله لهم المنع منه والتصرف فيه بالبيع وغيره ، وسنذكر معنى نهيه - صلى الله عليه وسلم - عن بيع الماء ، وعن بيع فضل الماء في باب أبي الرجال محمد بن عبد الرحمن عند قوله - صلى الله عليه وسلم - : لا تمنع نفع بئر ، إن شاء الله .

وإذا جاز الشرب من ماء الصديق بغير إذنه جاز الأكل من ثماره وطعامه إذا علم أن نفس صاحبه تطيب به لتفاهته ويسر مؤنته ، ولما بينهما من المودة ، وقد قال الله عز وجل [ ص: 202 ] أو صديقكم ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا .

ذكر محمد بن ثور ، عن معمر ، قال : دخلت بيت قتادة ، فأبصرت رطبا ، فجعلت آكله ، فقال : ما هذا ؟ قلت : أبصرت رطبا في بيتك فأكلت ، قال : أحسنت ؛ قال الله عز وجل : أو صديقكم .

وذكر عبد الرزاق ، عن معمر ، عن قتادة في قوله أو صديقكم قال : إذا دخلت بيت صديقك من غير مؤامرته لم يكن بذلك بأس ، قال معمر : ودخلت بيت قتادة ، فقلت : أأشرب من هذا الجب ؟ - لجب فيه ماء - فقال : أنت لنا صديق ، قال معمر : وقال قتادة ، عن عكرمة ، قال : إذا ملك الرجل المفتاح فهو خازن فلا بأس أن يطعم الشيء اليسير ، قال : وأخبرنا معمر ، عن منصور ، عن أبي وائل ، قال : كنا نغزو فنمر بالثمار فنأكل منها .

قال أبو عمر : هذا على ما قلنا ، والله أعلم ، مما يعلم أن صاحبه تطيب به نفسه ، وكان يسيرا لا يتشاح في مثله ، وقد كان لهم في سفرهم ضيافة مندوب إليها ، وقد يكون هذا منها ، وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يحتلبن أحد ماشية أحد إلا بإذنه وقال لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفسه وسيأتي هذا المعنى ممهدا في باب نافع عن ابن عمر إن شاء الله .

وفيه إباحة استعذاب الماء ، وتفضيل بعضه على بعض بما فضله الله عز وجل في خلقته ؛ قال الله عز وجل وما يستوي البحران هذا عذب فرات سائغ شرابه وهذا ملح أجاج .

[ ص: 203 ] وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يستعذب له الماء من بئر السقيا ، وفي هذا المعنى - والله أعلم - قول أنس في هذا الحديث : إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يأتي بيرحاء ، ويشرب من ماء فيها طيب ، فوصفه بالطيب .

وفيه استعمال ظاهر الخطاب وعمومه ، وأن الصحابة - رضي الله عنهم - لم يفهموا من فحوى الخطاب غير ذلك ، ألا ترى أن أبا طلحة حين سمع لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون لم يحتج أن يقف حتى يرد عليه البيان عن الشيء الذي يريد الله أن ينفق منه عباده بآية أخرى أو سنة مبينة لذلك ، فإنهم يحبون أشياء كثيرة ، وفي بدار أبي طلحة إلى استعمال ما وقع عليه معنى حبه في الإنفاق منه دليل على استعماله معنى العموم وما احتمل الاسم الظاهر منه ، في أقل ذلك أو أكثره .

وفي هذا رد على من أبى من استعمال العموم لاحتماله التخصيص ، وهذا أصل من أصول الفقه كبير ، خالف فيه أهل الكوفة أهل الحجاز ، وهو مذكور في كتب الأصول بحججه ، ووجوهه ، والحمد لله .

والاستدلال على ذلك بأن أبا طلحة بدر مما يحب إلى حائطه ، فأنفقه وجعله صدقة لله استدلال صحيح ، وكذلك فعل زيد بن حارثة بدر مما يحب إلى فرس له فجعلها صدقة ; لأن ذلك كله داخل تحت عموم الآية .

ذكر أسد بن موسى ، قال : حدثنا سفيان بن عيينة ، قال : حدثنا محمد بن المنكدر ، قال : لما نزلت [ ص: 204 ] لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون قال زيد بن حارثة : اللهم إنك تعلم أنه ليس لي مال أحب إلي من فرسي هذا ، وكان له فرس يقال له سبل ، فجاء به إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : هذا في سبيل الله ، فقال لأسامة بن زيد : اقبضه ، فكأن زيدا وجد من ذلك في نفسه ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إن الله قد قبلها منك .

ورواه حماد بن زيد ، عن عمرو بن دينار ، عن ابن المنكدر مثله .

وذكر الحسن بن علي الحلواني ، قال : حدثنا إسحاق بن منصور بن حيان ، قال : حدثنا عاصم بن محمد ، عن أبيه ، قال : دخل عبد الله بن عمر على صفية بنت أبي عبيد ، فقال لها : أشعرت أني أعطيت بنافع ألف دينار أعطاني به عبد الله بن جعفر ، قالت : فما تنتظر أن تبيع ؟ قال : فهلا خير من ذلك ؟ قالت : وما هو ؟ قال : هو حر لوجه الله ، قال : أظنه تأول قول الله عز وجل لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون .

وروينا عن الثوري أنه بلغه أن أم ولد الربيع بن خشم قالت : كان إذا جاء السائل يقول لي : يا فلانة أعطي السائل سكرا ، فإن الربيع يحب السكر ، قال سفيان : يتأول لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون .

حدثناه خلف بن أحمد قال : حدثنا أحمد بن سعيد ، وأحمد بن مطرف قالا : حدثنا سعيد بن عثمان قال : حدثنا إسحاق بن إسماعيل قال : حدثنا المؤمل قال : حدثنا سفيان ، فذكره .

[ ص: 205 ] وقال الحسن رحمه الله : إنكم لا تنالون مما تحبون إلا بترك ما تشتهون ، ولا تدركون ما تأملون إلا بالصبر على ما تكرهون .

وفيه أن لفظ الصدقة يخرج الشيء المتصدق به عن ملك الذي يملكه قبل أن يتصدق به ، فإن أخرجها إلى مالك وملكه إياها ، استغنى بهذه اللفظة عن غيرها ، ولم يكن له الرجوع في شيء منها ; لأن لفظ الصدقة يدل على أنه أراد الله بها ، معطيها لما وعد الله ورسوله على الصدقة من جزيل الثواب ، وما أريد به الله فلا رجوع فيه ، وهذا مما أجمع المسلمون عليه .

وفي هذا حجة لمالك في إجازته للموهوب له ، والمتصدق عليه المطالبة بالصدقة وإن لم يحزها حتى يحوزها وتصح له ما دام المتصدق أو الواهب حيا وإن لم تقبض ، وغيره لا يجعل اللفظ بالصدقة ولا بالهبة شيئا سواء كان لمعين ، ولا لغير معين ، حتى تقبض ، وليس للموهوب له عندهم ولا للمتصدق عليه أن يطالب واهبها بإخراجها إليه ، ولا يوجب عندهم لفظ الصدقة أو الهبة من غير قبض حكما .

وممن ذهب إلى هذا الشافعي ، وأبو حنيفة ، والثوري ، وسنذكر اختلافهم في هذا المعنى وما شاكله من معاني الهبات في باب ابن شهاب ، عن حميد بن عبد الرحمن ، ومحمد بن النعمان بن بشير إن شاء الله ، ونبين وجوه أقاويلهم واعتلالهم لمذاهبهم هناك بحول الله وعونه لا شريك له .

وفي هذا الحديث دليل على أن الكلام قد أوجب حكما أقله المطالبة على ما قال مالك للمعين الموهوب له ، ومن طريق القياس ، لولا الكلام المتقدم ما كان القبض يدرى ما هو ، وبالله التوفيق .

[ ص: 206 ] فإذا قال المتصدق : مالي هذا صدقة لله عز وجل ، ولم يملكه أحدا ، جاز للإمام أن يصرفه في أي سبيل من سبل الله شاء ، غير أن الأفضل من ذلك أولى ، هذا إذا لم يبن مراد المتصدق ، فإن بان مراده لم يتعد ذلك الوجه .

وفيه أن الصدقة على الأقارب من أفضل أعمال البر ; لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يشر بذلك على أبي طلحة إلا وهو قد اختار ذلك له ، ولا يختار له إلا الأفضل لا محالة ، ومعلوم أن العتق من أفضل أعمال البر ، وقد فضل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الصدقة على الأقارب على العتق .

حدثنا عبد الله بن محمد بن أسد قال : حدثنا حمزة بن محمد قال : حدثنا أحمد بن شعيب قال : حدثنا هناد بن السري ، عن عبدة ، عن ابن إسحاق ، عن بكير بن عبد الله بن الأشج ، عن سليمان بن يسار ، عن ميمونة ، قالت : كانت لي جارية ، فأعتقتها ، فدخل علي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فأخبرته ، فقال : آجرك الله ، أما إنك لو [ ص: 207 ] أعطيتها إخوانك كان أعظم لأجرك .

وروى مالك هذا الحديث عن ابن أبي صعصعة لقريب من هذا المعنى ، وقد ذكرناه في موضعه من كتابنا هذا .

وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لزينب الثقفية زوجة ابن مسعود ، وزينب الأنصارية حين أتتاه تسألانه عن النفقة على أزواجهما وعلى أيتام في حجورهما هل يجزي ذلك عنهما من الصدقة ؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لكما أجران : أجر القرابة وأجر الصدقة .

وروى الزهري ، عن حميد بن عبد الرحمن ، عن أمه ، قالت : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إن أفضل الصدقة على ذي الرحم الكاشح قيل في تأويل الكاشح هاهنا : القريب ، وقيل : المبغض المعادي ، فإنه طوى كشحه على بغضه وعداوته ، وهو الصحيح ، والله أعلم .

وفيه إجازة تولي المتصدق قسم صدقته ، وذلك عند أصحاب مالك إذا كان منه ؛ إخراجا لها عن ملكه ويده وتمليكا لغيره .

وفيه رد على من كره أكل الصدقة التطوع للغني من غير مسألة ; لأن أقارب أبي طلحة الذين قسم عليهم صدقته تلك لم يبن لنا أنهم فقراء [ ص: 208 ] ممن يحل لهم أخذ الصدقة المفروضة ، وقد ذكر بعض أهل العلم أن أبي بن كعب كان من أيسر أهل المدينة ، وهو أحد الذين قسم عليهم أبو طلحة صدقته هذه ، وقد عارضه بعض مخالفيه ، فزعم أن أبيا كان فقيرا ، واحتج برواية من روى في هذا الحديث : فقسمها أبو طلحة بين فقراء أقاربه ، وهي لفظة مختلف فيها لا تثبت ، وعلى أي وجه كان ، فإن الصدقة التطوع جائز قبولها من غير مسألة لكل أحد : غنيا كان أو فقيرا ، وإن كان التنزه عنها أفضل عند بعض العلماء ، وسنبين وجوه هذا المعنى في باب زيد بن أسلم من كتابنا هذا إن شاء الله .

وفيه دليل على صحة ما ذهب إليه فقهاء الحجازيين حيث قالوا فيمن تصدق على رجل ، أو على قوم بصدقة حبس ذكر فيها أعقابهم أو لم يذكر ولم يجعل لها بعدهم مرجعا ، مثل أن يقول على المساكين ، أو على ما لا يعدم وجوده من صفات البر فماتوا وانقرضوا : إنها ترجع حبسا على أقرب الناس بالمحبس يوم ترجع لا يوم حبس ، ألا ترى أن أبا طلحة إذ جعل حائطه ذاك صدقة لله ، ولم يذكر وجها من الوجوه التي يتقرب بها إلى الله عز وجل أمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يجعلها في أقاربه ، فكذلك كل صدقة لا يجعل لها وجه ولا يذكر لها مرجع ، تصرف على أقارب المتصدق بدليل هذا الحديث ، وهذا عند مالك فيما لم يرد به صاحبه حياة المتصدق عليه ، فإنه إذا أراد ذلك فهي عنده العمرى ، ومذهبه في العمرى أنها على ملك صاحبها ترجع إليه عند انقضاء عمر المعمر ، أو إلى ورثته ميراثا ، وسنذكر قوله وقول غيره في العمرى عند ذكر الحديث فيها في باب ابن شهاب من كتابنا هذا ونبين وجوه ذلك إن شاء الله عز وجل .

[ ص: 209 ] وقد اختلف قول مالك فيمن قال : هذه الدار أو هذا الشيء حبس على فلان أو على قوم ولم يعقبهم ولا جعل لها مرجعا إلى المساكين ونحوهم ، فمرة قال : ترجع ملكا إلى ربها إذا هلك المحبس عليه كالعمرى ، ومرة قال : لا ترجع إليه أبدا ، وهو تحصيل مذهبه عند أهل المغرب من أصحابه ، وحكوا عنه نصوصا فيمن حبس حبسا على نفر ما عاشوا فانقرضوا ، فالحبس راجع إلى عصبة المحبس حبسا ، ولا يرجع إلى من حبسه ، وإن كان حيا ، ويدخل النساء في الغلة معهم والسكنى .

ولو تصدق بصدقة حبس على ولده وولد ولده ، ولم يجعل له مرجعا غير ذلك فانقرض ولده وولد ولده إلا رجل واحد ، فأراد بيعه فلا سبيل له إلى ذلك ، فإذا انقرض فهو حبس صدقة على عصبة المحبس لا يباع ولا يوهب .

وإذا انقرض أقرب الناس إليه من عصبته ، فإلى الذين يلونهم ، فإذا انقرض كل من تمسه به رحم من عصبته رجعت على ما عليه أحباس المسلمين يجتهد الحاكم في وضع غلتها وكرائها بعد صدقتها ، ولا يباع ولا يورث شيء من العقار إذا أجري عليه اسم الصدقة الحبس ، ولفظ الولد في التحبيس يدخل فيه ولد الولد أبدا ، وكذلك لفظ البنات يدخل فيه بنات البنين أبدا إذا اجتمعوا ولا يفضل الأعيان إلا على قدر الحاجة ، وليس ولد البنات من العقب ولا من الولد إذ ليسوا من العصبات ، هذا كله تحصيل مذهب مالك وأصحابه إلا أن عن بعض البغداديين المالكيين خلافا في بعض هذا ، والحمد لله .

[ ص: 210 ] قال أحمد بن المعدل : قيل لمالك : فلو قال في صدقته : هذا حبس على فلان ، هل تكون بذلك محبسة ؟ قال : لا لأنها لمن ليس بمجهول ، وقد حبسها على فلان فهي عمرى ; لأنه أخبر أن تحبيسها غير ثابت ولا دائم وأنه إلى غاية ، قيل فلو قال : هي صدقة محبسة ، وفلان يأخذها ما عاش ، قال : إذا تكون محبسة ، قال : وكذلك لو قال لهم : هي صدقة على فلان وهي محبسة .

والألفاظ التي بها ينقطع ملك الشيء عن ربه ، ولا يعود إليه أبدا عند مالك وأصحابه أن يقول : حبس صدقة ، أو حبس لا يباع ، أو حبس على أعقاب ومجهولين مثل الفقراء والمساكين ، أو في سبيل الله ، فإن هذا كله عندهم مؤبد لا يرجع ملكا أبدا .

وأما إذا قال : سكنى ، أو عمرى ، أو حياة المحبس عليه ، أو إلى أجل من الآجال ، فإنها ترجع ملكا إلى صاحبها أو إلى ورثته ، ولا يكون حبسا مؤبدا ، ومعنى قول مالك في أقرب الناس بالمحبس ، يريد عصبته .

واختلف قوله - وكذلك اختلف أصحابه - فيمن يدخل في ذلك من النساء ، فقال ابن القاسم : كل من كان من النساء لو كان رجلا كان عصبة وارثا دخل في مرجع الحبس ، ومن لم يكن منهن كذلك فلا مدخل له فيه ، وروي كذلك عن مالك ، وقال ابن القاسم : تدخل الأم في مرجع الحبس ولا تدخل الأخوات للأم ، وقال ابن الماجشون : لا يدخل من النساء إلا من يرث ، فأما عمة أو ابنة عم أو ابنة أخ فلا .

وروى أشهب عن مالك أن الأم لا تدخل في مرجع الحبس ، ولهم في هذا الباب اضطراب يطول ذكره .

[ ص: 211 ] وأما الشافعي ، فمذهبه نحو مذهب مالك في مرجع الحبس خاصة ، قال الشافعي : وإذا قال : تصدقت بداري على قوم ، أو على رجل حي معروف يوم تصدق ، أو قال : صدقة محرمة ، أو قال : صدقة موقوفة ، أو قال : صدقة مسبلة ، فقد خرجت من ملكه فلا تعود ميراثا أبدا .

قال : ولا يجوز أن يخرجها من ملكه إلا إلى مالك منفعتها يوم يخرجها إليه ، وإن لم يسبلها على من بعدهم كانت محرمة أبدا ، فإذا انقرض المتصدق بها عليه كانت بحالها أبدا ، ورددناها إلى أقرب الناس بالذي تصدق بها عليه يوم ترجع وهي على شرطه من الأثرة والتقدمة والتسوية بين أهل الغنى والحاجة ، ومن إخراج من أخرج منها بصفة أو رده إليها بصفة .

قال أبو عمر : قول الشافعي ولا يجوز أن يخرجها من ملكه إلا إلى مالك منفعتها معناه عندي أن يكون المحبس عليه موجود العين ليس بحمل ، فإذا كان كذلك فجائز أن يتولاها له غيره إذا أخرجها المحبس من يده ، على أن الشافعي يجوز عنده في الأوقاف من ترك القبض ما لا يجوز في الهبات والصدقات المملوكات ; لأن الوقف عنده يجري مجرى العتق ، يتم بالكلام دون القبض .

قال : ويحرم على الموقف ملكه ، كما يحرم عليه ملك رقبة العبد إذا أعتقه إلا أنه جائز له أن يتولى صدقته ، وتكون بيده ليفرقها ويسبلها فيما أخرجها فيه ; لأن عمر بن الخطاب لم يزل يلي صدقته فيما بلغنا حتى قبضه الله ، قال : وكذلك علي وفاطمة كانا يليان صدقاتهما .

[ ص: 212 ] قال أبو عمر : ليس هكذا مذهب مالك ، بل مذهبه فيمن حبس أرضا ، أو دارا ، أو نخلا على المساكين ، وكانت في يديه يقوم بها ، ويكريها ، ويقسمها في المساكين حتى مات والحبس في يديه أنه ليس بحبس ما لم يحزه غيره ، وهو ميراث ، والربع عنده والحوائط والأرض لا ينفذ حبسها ولا يتم حوزها حتى يتولاه غير من حبسه ، بخلاف الخيل ، والسلاح ، هذا تحصيل مذهبه عند جماعة أصحابه .

وأما أحمد بن حنبل ، فإن عمر بن الحسين الخرقي ذكر عنه قال : إذا وقف وقفا ومات الموقف عليه ، ولم يجعل آخره للمساكين ، ولم يبق ممن وقف عليه أحد رجع إلى ورثة الواقف في إحدى الروايتين عنه ، والرواية الأخرى تكون وقفا على أقرب عصبة الواقف .

وزعم بعض الناس أن في هذا الحديث ردا على أبي حنيفة وزفر في إبطالهما الأحباس ، وردهما الأوقاف ، وليس كذلك ; لأن هذا الحديث ليس فيه بيان الوقف ، ويحتمل أن تكون صدقة أبي طلحة صدقة تمليك للرقبة ، بل الأغلب الظاهر من قوله فقسمها أبو طلحة بين أقاربه وبني عمه أنه قسم رقبتها ، وملكهم إياها ، ابتغاء مرضات الله ، وإذا كان ذلك كذلك فلا خلاف بين أبي حنيفة وزفر وسائر العلماء في جواز هذه الصدقة إذا حل المتصدق عليه فيها محل المتصدق ، وكان له أن يبيع ، وينتفع ، ويهب ، ويتصدق ، ويصنع ما أحب .

[ ص: 213 ] وإنما أنكر أبو حنيفة ، وزفر تحبيس الأصل على التمليك ، وتسبيل الغلة والثمرة ، وهي الأحباس المعروفة بالمدينة ، وفيها تنازع العلماء وأجازها الأكثر منهم ، وقد قال بجوازها أبو يوسف ، ومحمد بن الحسن ، رجع أبو يوسف عن قول أبي حنيفة في ذلك لما حدثه ابن علية ، عن ابن عون ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن عمر أنه استأذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أن يتصدق بسهمه من خيبر ، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - احبس الأصل وسبل الثمرة وهو حديث صحيح ، وبه يحتج كل من أجاز الأحباس .

ذكر عيسى بن أبان قال : أخبرت أنه لما بلغ أبا يوسف هذا الحديث ، عن ابن عون ، لقي ابن علية فسأله عنه ، فحدثه به عن ابن عون ، عن نافع ، عن ابن عمر أن عمر أصاب أرضا بخيبر فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم - . . . فذكر الحديث .

ومن حجتهم أيضا على جوازها حديث عمرو بن الحارث ابن أخي جويرية بنت الحارث زوج النبي عليه السلام أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مات وتخلف أرضا موقوفة ، وحديث أبي هريرة وقد ذكرناه في كتاب بيان العلم ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : ينقطع عمل المرء بعده إلا من ثلاث : صدقة جارية بعده ، وعلم ينتفع به غيره ، وولد يدعو له .

[ ص: 214 ] فأما حديث ابن عون ، فحدثناه عبد الوارث بن سفيان ، وأحمد بن قاسم قالا : حدثنا قاسم بن أصبغ قال : حدثنا الحارث بن أبي أسامة قال : حدثنا أشهل بن حاتم قال : حدثنا ابن عون ، عن نافع ، عن ابن عمر قال : أصاب عمر أرضا بخيبر ، فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فاستأمره فيها ، فقال : يا رسول الله إني أصبت أرضا بخيبر لم أصب مالا قط أنفس عندي منه ، فما تأمرني به ؟ فقال : إن شئت حبست أصلها ، وتصدقت بها ، قال : فتصدق بها عمر ، أنه لا يباع أصلها ، ولا يوهب ، ولا يورث ، قال : فتصدق بها في الفقراء ، والقرباء ، وفي الرقاب ، وفي سبيل الله ، وابن السبيل ، والضيف ، لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف ، أو يطعم صديقا غير متأثل أو متمول مالا .

وهذا الحديث يقولون إنه لم يروه عن نافع إلا ابن عون ، وهو ثقة لم يروه مالك ولا غيره ، إلا أن مالكا قد روى عن زياد بن سعد ، عن ابن شهاب أن عمر بن الخطاب قال : لولا أني ذكرت صدقتي لرسول الله صلى الله عليه وسلم واستأمرته - أو نحو هذا - لرجعت عنها .

قال مالك : مخافة أن يعمل الناس بذلك فرارا من الحق ولا يضعونها مواضعها ، وليس هذا الحديث في أكثر الموطآت عن مالك ، وممن رواه عنه عبد الله بن يوسف ، وهذه الصدقة هي صدقة عمر المذكورة في حديث ابن عون ، عن نافع ، عن ابن عمر ، والله أعلم .

[ ص: 215 ] وفي ابن عون هذا قال الشاعر :


خذوا عن مالك وعن ابن عون ولا ترووا أحاديث ابن داب



أما حديث عمرو بن الحارث فحدثناه عبد الوارث بن سفيان قال : حدثنا قاسم بن أصبغ قال : حدثنا ابن وضاح قال : حدثنا يوسف بن عدي قال : حدثنا أبو الأحوص ، عن أبي إسحاق ، عن عمرو بن الحارث قال : ما ترك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دينارا ، ولا درهما ، ولا عبدا ، ولا أمة ، إلا بغلته البيضاء التي كان يركبها ، وسلاحه ، وأرضا جعلها صدقة في أبناء السبيل .

وحديث أبي هريرة قد ذكرناه من طرق في كتاب العلم ، فهذه الآثار وما أشبهها مما لا مدخل للتأويل فيها ، بها احتج من أجاز الأوقاف ، وأما حديث أنس هذا فمحتمل للتأويل الذي ذكرنا ، والأغلب فيه عندنا ما وصفنا ، والاحتجاج به في مرجع الحبس على أقارب المحبس حبسا - حسن قوي ، وبالله تعالى التوفيق .

قال أبو عمر : كان مني هذا القول قبل أن أرى حديث ابن أبي سلمة ، عن إسحاق ، عن أنس هذا ، وفيه : فباع حسان نصيبه من معاوية على ما ذكرناه فيما تقدم ملحقا ، فعاد ما ظننا يقينا ، والحمد لله .

[ ص: 216 ] وأما قوله : بخ ذلك مال رابح ، فإنه أراد مال رابح صاحبه ومعطيه ، فحذف ، وذلك معروف من كلام العرب ، يقولون مال رابح ، ومتجر رابح ، كما قالوا : ليل نائم ، أي ينام فيه ، وهكذا رواه يحيى : مال رابح ، من الربح ، وتابعه على ذلك جماعة ، ورواه ابن وهب وغيره بالياء المنقوطة باثنين من تحتها ، وقال في تفسيره إنه يروح على صاحبه بالأجر العظيم ، وحقيقته عند أهل المعرفة باللسان على أنه على النصب ؛ أي مال ذو ربح ، كما يقولون هم ناصب ، وعيشة راضية ؛ أي هم ذو نصب ، وعيشة ذات رضى ، وقال الأخفش : أصله من الروحة ؛ أي هو مال يروح عليك ثمره وخيره متى شئت ، والأول أولى عندي ، والله أعلم .

قال أبو عمر : الأقارب الذين قسم أبو طلحة صدقته عليهم : حسان بن ثابت ، وأبي بن كعب .

أخبرني عبد الله بن محمد بن عبد المومن قال : حدثنا محمد بن بكر بن عبد الرزاق قال : حدثنا سليمان بن الأشعث قال : حدثنا موسى بن إسماعيل قال : حدثنا حماد بن سلمة ، عن ثابت ، عن أنس قال : لما نزلت لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون قال أبو طلحة : يا رسول الله أرى ربنا يسألنا أموالنا ، وإني أشهدك أني قد جعلت أرضي بيرحا له ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : اجعلها في قرابتك ، فقسمها بين حسان بن ثابت ، وأبي بن كعب .

[ ص: 217 ] قال أبو داود : وبلغني عن محمد بن عبد الله الأنصاري أنه قال : أبو طلحة الأنصاري ، زيد بن سهل بن الأسود بن حرام بن عمرو بن زيد مناة بن عدي بن عمرو بن مالك بن النجار .

وحسان بن ثابت بن المنذر بن حرام يجتمعان في حرام وهو الأب الثالث .

وأبي بن كعب بن قيس بن عتيك بن زيد بن معاوية بن عمرو بن مالك بن النجار قال الأنصاري : بين أبي طلحة ، وأبي ستة آباء .

قال : وعمرو بن مالك يجمع حسان ، وأبي بن كعب ، وأبا طلحة .

قال أبو عمر : أما حسان ، فيلقاه أبو طلحة عند أبيه الثالث ، وأما أبي فيلقاه أبو طلحة عند أبيه السابع .

قال أبو عمر : وفي هذا أيضا ما يقضي على القرابة أنها ما كان في هذا القعدد ونحوه ، وما كان دونه فهو أحرى أن يلحقه اسم القرابة .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث