الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

حديث ابن شهاب عن عبد الله والحسن ابني محمد بن علي بن أبي طالب

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

1151 مالك ، عن ابن شهاب ، عن عبد الله والحسن ابني محمد بن علي ( ، عن أبيهما ) ، عن علي بن أبي طالب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن متعة النساء يوم خيبر وعن أكل لحوم الحمر الأهلية .

التالي السابق


وأما سلمة بن الأكوع فروي عنه أنه قال : إنما رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم عام أوطاس في المتعة ثلاثا ، ثم نهى عنها ، ذكره ابن أبي شيبة . قال أبو العميس : عن إياس بن سلمة ، عن أبيه .

وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال : حدثنا قاسم بن أصبغ قال : حدثنا ( محمد بن عبد السلام قال : حدثنا ) محمد بن بشار قال : حدثنا أبو عاصم ، عن ابن أبي ذئب ، عن إياس بن سلمة بن الأكوع ، عن أبيه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أيما رجل تمتع فعشرة ما بينهما ثلاثة أيام ، فإن أحبا أن يزدادا ازدادا ، وإن أحبا أن يتتاركا تتاركا .

وحدثنا عبد الوارث ، حدثنا قاسم ، عن محمد بن عبد السلام ، حدثنا محمد بن بشار ، حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة ، عن عمرو بن دينار قال : سمعت الحسن بن محمد يحدث ، عن جابر بن عبد الله وسلمة بن الأكوع قالا : خرج علينا - يعني رسول رسول [ ص: 111 ] الله صلى الله عليه وسلم - فقال : إن رسول الله قد أذن لكم فاستمتعوا ، يعني متعة النساء .

وفي هذا الحديث أيضا حديث ابن مسعود :

حدثناه سعيد بن نصر قال : حدثنا قاسم بن أصبغ قال : حدثنا محمد بن وضاح قال : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال : حدثنا وكيع ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن قيس ، عن عبد الله قال : كنا ونحن شباب فقلنا : يا رسول الله ألا نستخصي ؟ قال : لا . ثم رخص لنا أن ننكح المرأة بالثوب إلى أجل . ثم قرأ عبد الله بن مسعود ياأيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم وروى هذا الحديث عبد الرزاق وغيره ، عن ابن عيينة ، عن إسماعيل ، عن قيس ، عن ابن مسعود مثله ، فنهانا أن نختصي وأمرنا أن نتزوج المرأة بالشيء عما نهانا عنها يوم خيبر وعن لحوم الحمر الإنسية .

فهذا ما في هذا الباب من المسند ، وأما الصحابة فإنهم اختلفوا في نكاح المتعة ، فذهب ابن عباس إلى إجازتها ، فتحليلها لا خلاف عنه في ذلك ، وعليه أكثر أصحابه ، منهم عطاء بن أبي رباح وسعيد بن جبير وطاوس ، وروي تحليلها أيضا وإجازتها [ ص: 112 ] عن أبي سعيد الخدري وجابر بن عبد الله . وذكر عبد الرزاق ، عن ابن جريج ، عن عطاء قال : أخبرني من شئت ، عن أبي سعيد الخدري قال : لقد كان أحدنا يستمتع بمثل القدح سويقا . وأخبرني ابن الزبير قال : سمعت جابر بن عبد الله يقول : كنا نستمتع بالقبضة من التمر والدقيق الأيام على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر ، حتى نهى عمر الناس عنها في شأن عمرو بن حريث .

وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال : حدثنا قاسم بن أصبغ قال : حدثنا محمد بن عبد السلام قال : حدثنا محمد بن بشار قال : أخبرنا محمد بن جعفر قال : حدثنا شعبة ، عن عمرو بن دينار قال : أخبرني من سمع جابر بن عبد الله يقول : تمتعنا إلى النصف من خلافة عمر ، يعني متعة النساء .

وروى مالك ، عن ابن شهاب ، عن عروة بن الزبير ، عن خولة بنت حكيم ، دخلت على ابن الخطاب وقالت : إن ربيعة بن أمية استمتع بامرأة مولدة فحملت منه ، فخرج عمر بن الخطاب فزعا يجر رداءه فقال : هذه المتعة ولو كنت تقدمت فيها لرجمت .

وحدثنا عبد الوارث قال : حدثنا قاسم قال : حدثنا أبو عبيدة قال : حدثنا أبو خالد يزيد بن سنان البصري قال : حدثنا مكي بن [ ص: 113 ] إبراهيم قال : حدثنا مالك بن أنس ، عن نافع ، عن ابن عمر قال : قال عمر : متعتان كانتا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا أنهي عنهما وأعاقب عليهما : متعة النساء ومتعة الحج .

وذكر عبد الرزاق ، عن ابن جريج قال : أخبرني عطاء أنه سمع ابن عباس يراها حلالا حتى الآن ، وأخبرني أنه كان يقرأ " فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى فآتوهن أجورهن " قال : وقال ابن عباس : في حرف أبي : " إلى أجل مسمى " .

قال أبو عمر : وقرأها أيضا هكذا : " : إلى أجل مسمى " علي بن حسين وابنه أبو جعفر محمد بن علي وابنه جعفر بن محمد وسعيد بن جبير ، هكذا كانوا يقرءون .

وذكر عبد الرزاق ، عن ابن جريج ، عن عطاء قال : أول من سمعت منه المتعة صفوان بن يعلى قال : أخبرني يعلى أن معاوية استمتع بامرأة بالطائف ، فأنكرت ذلك عليه فدخلنا على ابن عباس فذكر له بعضنا ذلك فقال : نعم . فلم تقر بي نفسي حتى قدم جابر بن عبد الله . قال : فجئناه في منزله [ ص: 114 ] فسأله القوم عن أشياء ثم ذكروا له المتعة فقال : نعم استمتعنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر حتى إذا كان في آخر خلافة عمر استمتع عمرو بن حريث بامرأة سماها جابر ونسيت اسمها ، فحملت المرأة فبلغ ذلك عمر فدعاها فسألها فقالت له : نعم . قال : من أشهد ؟ قال عطاء : فلا أدري قالت : أمي وابنها أو أخاها وابنها . قال : فهلا غيرهما ؟ فنهى عن ذلك . قال عطاء : وسمعت ابن عباس يقول : يرحم الله عمر ما كانت المتعة إلا رحمة من الله رحم بها أمة محمد ، ولولا نهيه عنها ما احتاج إلى الزنا إلا شقي . قال عطاء : فهي التي في سورة النساء فما استمتعتم به منهن إلى كذا وكذا من الأجل على كذا وكذا ليس بتشاور ، فإن بدا لهما أن يتراضيا بعد الأجل وأن يتفرقا فنعم وليس بنكاح .

قال ابن جريج : وسألت عطاء : أيستمتع الرجل بأكثر من أربع جميعا ؟ وهل الاستمتاع إحصان ؟ وهل يحل استمتاع المرأة لزوجها الذي مضى ؟ قال : ما سمعت فيه بشيء ، وما راجعت فيه أصحابي .

وعن ابن جريج قال : أخبرني عبد الله بن عثمان بن خثيم قال : كانت بمكة امرأة عراقية تتنسك جميلة ، لها ابن يقال له : أبو أمية ، وكان سعيد بن جبير يكثر الدخول عليها ، قال : [ ص: 115 ] قلت : يا أبا عبد الله ما أكثر ما تدخل على المرأة ؟ قال : إنا قد أنكحناها ذلك النكاح للمتعة . قال ابن جريج : وأخبرت أن سعيدا قال : هي أحل من شرب الماء ؛ يعني المتعة .

قال أبو عمر : هذه آثار مكية عن أهل مكة ، قد روي عن ابن عباس خلافها ، وسنذكر ذلك ، وقد كان العلماء قديما وحديثا يحذرون الناس من مذهب المكيين أصحاب ابن عباس ومن سلك سبيلهم في المتعة والصرف ، ويحذرون الناس من مذهب الكوفيين أصحاب ابن مسعود ومن سلك سبيلهم في النبيذ الشديد ، ويحذرون الناس من مذهب أهل المدينة في الغناء .

وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في تحريم نكاح المتعة مما قد ذكرناه ما فيه شفاء ، وليس أحد من خلق الله إلا يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم .

حدثنا عبد الله بن محمد الجهني قال : حدثنا أحمد بن محمد المكي قال : حدثنا علي بن عبد العزيز قال : حدثنا أبو عبيد قال : حدثنا ابن بكير ، عن الليث ، عن بكير بن عبد الله بن الأشج ، عن عمار مولى الشريد قال : سألت ابن عباس ، عن المتعة : أسفاح هي أم نكاح ؟ فقال ابن عباس : لا سفاح [ ص: 116 ] ولا نكاح . قلت : فما هي ؟ قال : هي المتعة كما قال الله . قلت : هل لها من عدة ؟ قال : نعم . قلت : يتوارثان ؟ قال : لا . وأجمعوا أن المتعة نكاح لا إشهاد فيه ولا ولي ، وأنه نكاح إلى أجل تقع فيه الفرقة بلا طلاق ولا ميراث بينهما ، وهذا ليس حكم الزوجات في كتاب الله ولا سنة رسوله صلى الله عليه وسلم .

حدثنا أحمد بن قاسم بن عبد الرحمن قال : حدثنا قاسم بن أصبغ قال : أخبرنا الحارث بن أبي أسامة قال حدثنا بشر بن عمر قال : حدثنا نافع بن عمر ، عن ابن أبي مليكة أن عائشة كانت إذا سئلت عن المتعة قالت : بيني وبينكم كتاب الله ، قال الله عز وجل : والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون قالت : فمن ابتغى غير ما زوجه الله أو ما ملكه فقد عدا .

وذكر عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الزهري ، عن القاسم بن محمد قال : إني لأرى تحريمها في القرآن . قال : قلت : فأين ؟ قال : فقرأ علي هذه الآية والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين [ ص: 117 ] الآية . قال معمر : قال الزهري : ازدادت العلماء لها مقتا حتى قال الشاعر :

( يا صاح هل لك في فتيا ابن عباس ) قال أبو عمر : هما بيتان :


قال المحدث لما طال مجلسه يا صاح هل لك في فتيا ابن عباس     في بضة رخصة الأطراف آنسة
تكون مثواك حتى مرجع الناس

وقد أخبرنا محمد ، حدثنا علي بن عمر ، حدثنا أبو بكر النيسابوري ، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن وهب ، حدثني عمي قال : حدثنا يونس ومالك ( بن أنس ، عن الزهري ، عن عروة بن الزبير قام بمكة فقال : ) إن ناسا أعمى الله قلوبهم كما أعمى أبصارهم ، يفتون بالمتعة . يعرض برجل فناداه فقال : ( إنك ) جلف جاف ، لعمري لقد كانت المتعة تعمل في عهد إمام المتقين ، يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال ابن [ ص: 118 ] الزبير : فجرب بنفسك والله لئن فعلتها لأرجمنك بأحجارك .

قال الدارقطني هذا حديث غريب ما سمعناه إلا من النيسابوري .

فأما قوله عز وجل فما استمتعتم به منهن فللعلماء في تأويلها قولان خلافا لابن عباس : أحد القولين أنها منسوخة ، روي ذلك ، عن ابن مسعود وعلي بن أبي طالب وسعيد بن المسيب ، وذكر أبو عبيد قال : حدثنا ابن أبي زائدة ، عن حجاج ( ، عن الحكم ) ، عن أصحاب عبد الله ( ، عن عبد الله ) بن مسعود قال : المتعة منسوخة نسخها الطلاق والصداق والعدة والميراث .

وروى أبو إسحاق ، عن الحارث ، عن علي قال : نسخ صوم رمضان كل صوم ، ونسخت الزكاة كل صدقة ، ونسخ الطلاق والعدة والميراث المتعة ونسخت الضحية كل ذبح .

وروى الثوري ، عن داود بن أبي هند ، عن سعيد بن المسيب قال : نسخها الميراث .

والقول الثاني روي عن عمر بن الخطاب والحسن بن أبي الحسن أنهما كانا يتأولان قوله فما استمتعتم به منهن [ ص: 119 ] أنه إذا تمتع بالعقدة ثم طلقها فلها ( نصف الصداق ، وإن وطئ فلها ) الصداق كله ، ولا جناح عليهما فيما تراضيا به من بعد الفريضة . فترك المرأة للزوج الصداق ، وهو قوله : فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا فتعفو المرأة عن صداقها أو يعفو الزوج عن النصف إن طلق قبل أن يطأها ، فيتم لها الصداق . وذهب إلى هذا جماعة من أهل العلم قالوا : فما استمتعتم به منهن بالنكاح والوطء ، فآتوهن أجورهن ، وهو الصداق كاملا ، وإن استمتعتم بالنكاح ولم تطئوا فنصف الصداق ، فإن كنتم قد سميتم ذلك فريضة ( يقول : أجورهن فريضة ) من الله عليكم ، ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة ، مثل قوله : إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح فهذان القولان عليهما أهل العلم إلى اليوم في جميع أمصار المسلمين مخالفين لابن عباس في ذلك .

[ ص: 120 ] على أنه قد روي عن ابن عباس : أخبرنا عبد الوارث بن سفيان ، حدثنا قاسم بن أصبغ قال : حدثنا محمد بن إسماعيل الترمذي وحدثنا خلف بن قاسم قال : حدثنا عمر بن محمد القاسم قال : حدثنا بكر بن سهل الدمياطي قالا : حدثنا عبد الله بن صالح قال : حدثنا معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طالب ، عن ابن عباس في قوله فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن يقول : إذا تزوج أحدكم المرأة ثم نكحها مرة واحدة ، فقد وجب صداقها كله . والاستمتاع هو النكاح وهو قوله وآتوا النساء صدقاتهن نحلة وقوله ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة قال : المتراضي أن يوفيها صداقها ثم يخيرها .

وروى أبو عبيدة ، عن الحجاج ، عن ابن جريج وعثمان بن عطاء ( ، عن عطاء ) الخرساني ، عن ابن عباس في قوله فما استمتعتم به منهن قال : نسختها ياأيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن .

[ ص: 121 ] وروى الحجاج بن أرطاة ، عن المنهال بن عمرو ، عن سعيد بن جبير قال : قلت لابن عباس : هل ( ترى ) ما صنعت ؟ وبما أفتيت سارت بفتياك الركبان وقالت فيه الشعراء . فقال : إنا لله وإنا إليه راجعون لا والله ما بهذا أفتيت ولا هذا أردت ولا أحللت منها إلا ما أحل الله من الميتة والدم ولحم الخنزير .

قال أبو عمر : هذه الآثار كلها عن ابن عباس معلولة لا تجب بها حجة من جهة الإسناد ، ولكن عليها العلماء . والآثار التي رواها المكيون عن ابن عباس صحاح الأسانيد ( عنه ) وعليها أصحاب ابن عباس .

وأما سائر العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من الخالفين وفقهاء المسلمين فعلى تحريم المتعة ، منهم مالك في أهل المدينة ، والثوري وأبو حنيفة في أهل الكوفة ، والشافعي فيمن سلك سبيله من أهل الحديث والفقه والنظر بالاتفاق ، والأوزاعي في أهل الشام والليث بن سعد في أهل مصر ، وسائر أصحاب الآثار .

حدثنا محمد بن عبد الله قال : حدثنا محمد بن معاوية قال : حدثنا أصحاب الفضل بن الحباب قال : حدثنا مسلم بن [ ص: 122 ] إبراهيم قال : حدثنا شعبة ، عن منصور ، عن مجاهد في قوله : فما استمتعتم به منهن قال : النكاح . وروي ، عن عمر بن الخطاب أنه قال : لا أوتي برجل تمتع وهو محصن إلا رجمته ، ولا أوتي برجل تمتع وهو غير محصن إلا جلدته . وعن ابن عمر أنه سئل عن المتعة فقال : هو السفاح .

وروى معمر ، عن الزهري ، عن سالم قال : قيل لابن عمر : إن ابن عباس يقول هذا . قال : بلى والله إنه ليقوله ، أما والله ما كان يقول ذلك في زمن عمر ، وإن كان عمر لينكل في مثل هذا ، وما أظنه إلا السفاح .

واختلف العلماء في معنى المتعة في الرجل يتزوج عشرة أيام أو نحوها إلى أجل : يجوز أن يقول : أتزوجها شهرا ، أو يقول : تمتعيني بنفسك بهذا الدينار شهرا - فقال مالك والثوري وأبو حنيفة وأصحابه والشافعي والأوزاعي ، كلهم يقول : هذا نكاح المتعة وهو باطل دخل أو لم يدخل ، ويفسخ قبل الدخول وبعده ، وهذه المتعة المحظورة المحرمة ، وهو قول أحمد رحمه الله وأهل الحديث . وقال زفر : إذا تزوجها عشرة أيام أو شهرا فالنكاح ثابت والشرط باطل ، وقالوا كلهم ما خلا الأوزاعي : إنه إذا نكح المرأة نكاحا صحيحا بغير شرط ، ولكنه نوى أن لا يحبسها إلا شهرا أو مدة معلومة ، فإنه لا بأس به ولا تضره نيته إذا لم يكن ذلك من شروط نكاحه .

[ ص: 123 ] قال مالك : وليس على الرجل إذا نكح أن ينوي حبس امرأته ، وحبسه إن وافقته وإلا طلقها ، وقال الأوزاعي : لو تزوجها بغير شرط ولكنه ينوي أن لا يحبسها إلا شهرا أو نحوه ويطلقها ، فهو متعة ولا خير فيه .

وأما ( لحم ) الحمر الإنسية فلا خلاف بين علماء المسلمين اليوم في تحريمها ، وعلى ذلك جماعة السلف إلا ابن عباس وعائشة فإنهما كانا لا يريان بأكلها بأسا ، ويتأولان قول الله عز وجل قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه الآية ) على الاختلاف في ذلك عن ابن عباس ، والصحيح فيه ما عليه الناس .

روى عبيد الله بن موسى ، عن الثوري ، عن الأعمش ، عن مجاهد ، عن ابن عباس قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم ( يوم خيبر ) عن لحوم الحمر الأهلية وعن السبايا الحبالى أن يوطأن حتى يضعن ما في بطونهن وعن كل ذي ناب وعن بيع الخمس حتى يقسم .

وحدثنا عبد الوارث بن سفيان ، حدثنا قاسم ، حدثنا الخشني ، حدثنا محمد بن بشار ، حدثنا ابن أبي عدي ، عن سعيد بن أبي عروبة ، عن علي بن الحكم ، عن ميمون بن مهران ، عن سعيد بن [ ص: 124 ] جبير ، عن ابن عباس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن أكل كل ذي مخلب من الطير وعن أكل كل ذي ناب . وهذان الإسنادان عن ( ابن عباس ) يدلان على أنه لا يصح عنه ما روي من قوله في عموم الآية قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه وقد مضى القول في معنى هذه الآية في باب إسماعيل بن أبي حكيم من كتابنا هذا . ثم ذكر نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكل كل ذي ناب فأغنى عن إعادته هاهنا .

حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن ، قال حدثنا محمد بن بكر قال : حدثنا سليمان بن أشعث قال : حدثنا إبراهيم بن الحسن المصيصي قال : حدثنا حجاج ، عن ابن جريج قال : أخبرني عمرو بن دينار قال : أخبرني رجل ، عن جابر قال : نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نأكل لحوم الحمر ، وأمرنا أن نأكل لحوم الخيل . قال عمرو : أخبرت بهذا الحديث أبا الشعشاء [ ص: 125 ] فقال : قد كان الحكم الغفاري فينا يقول هذا وأبى ذلك البحر ؛ يريد ابن عباس .

قال أبو عمر : الرجل الذي روى عنه عمرو هذا الحديث هو أبو جعفر محمد بن علي بن حسين .

حدثنا عبد الله بن محمد بن أسد قال : حدثنا سعيد بن الموطأ قال : حدثنا محمد بن يوسف قال : حدثنا البخاري قال : حدثنا سليمان بن حرب قال : حدثنا حماد بن زيد ، عن عمرو ، عن محمد بن علي ، عن جابر قال : نهى النبي صلى الله عليه وسلم يوم خيبر عن لحوم الحمر ، ورخص في الخيل . وقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم تحريم الحمر الأهلية علي بن أبي طالب وعبد الله بن عمرو بن العاص وجابر بن عبد الله وعبد الله بن عمر والبراء بن عازب وعبد الله بن أبي أوفى وأنس بن مالك وزاهر الأسلمي ، كلهم يروي عن النبي صلى الله عليه وسلم تحريمها بأسانيد صحاح حسن .

وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رخص فيها وقال : إنما نهيتكم ، عن جوال القرية . من حديث رجل من مزينة [ ص: 126 ] وهو حديث لا يصح ، ولا يعرج على مثله مع ما عارضه من الأسانيد الصحاح .

قرأت على عبد الوارث بن سفيان أن قاسم بن أصبغ حدثهم قال : حدثنا بكر بن حماد قال : حدثنا مسدد قال : حدثنا يحيى بن عبيد الله ، عن نافع ، عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن أكل لحوم الحمر الأهلية . وبه عن مسدد قال : حدثنا سفيان ، عن عمرو بن دينار ، عن محمد بن علي ، عن جابر قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية وأذن في لحوم الخيل . وبه عن مسدد قال : حدثنا يحيى ، عن ابن جريج ، عن أبي الزبير ، سمع جابرا يقول : أكلنا زمن خيبر لحوم الخيل ولحوم الوحش ، ونهاني رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحمار الأهلي .

وفي إذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في أكل الخيل وإباحته لذلك يوم خيبر دليل على أن نهيه عن أكل لحوم الحمر يومئذ عبادة لغير علة ؛ لأنه معلوم أن الخيل أرفع من الحمير وأن الخوف على الخيل وعلى فنائها فوق الخوف على الحمير ، وأن الحاجة في الغزو وغيره إلى الخيل أعظم من [ ص: 127 ] الحاجة إلى الحمير ، وبهذا يبين لك أن النهي عن أكل لحوم الحمر لم يكن لحاجة وضرورة إلى الظهر والحمل ، وإنما كان عبادة وشريعة ، ألا ترى إلى حديث أنس بن مالك أن منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم نادى يوم خيبر أن الله ينهاكم ورسوله ، عن لحوم الحمر الأهلية ؟

حدثناه عبد الوارث قال : حدثنا قاسم قال : حدثنا يحيى بن أبي مسرة قال : حدثنا خلاد بن يحيى قال : سمعت سفيان الثوري ، عن هشام بن حسان ، عن محمد بن سيرين ، عن أنس ، فذكره . وأما ما نهى الله عنه ورسوله فلا خيار فيه لأحد ، وكل قول خالف السنة فمردود ، ولا وجه لقول ابن عباس ومن تابعه ؛ لأن الله عز وجل قد أمر في كتابه عند تنازع العلماء وما اختلفوا فيه بالرد إلى الله ورسوله ، وليس في جهل السنة في شيء قد علمها فيه غيره حجة ، وقد تكرر القول في هذا المعنى في كتابنا هذا بما فيه كفاية .

واختلف العلماء في أكل لحوم الخيل ، فذهب مالك وأصحابه إلى أن أكلها مكروه ، وبذلك قال أبو حنيفة والأوزاعي وأبو عبيد ، ومن حجتهم أن الله تبارك وتعالى ذكرها في كتابه للركوب والزينة وذكر الأنعام فقال : لتركبوا منها ومنها تأكلون .

[ ص: 128 ] واحتج أبو حنيفة في هذا بالقياس ؛ لأنه من ذوات الحوافر كالحمار ، وهذا ليس بشيء ؛ لأن الخنزير ذو ظلف ، وقد باين ذوات الأظلاف . ومن حجتهم أيضا حديث خالد بن الوليد ، حدثناه سعيد بن نصر قال : حدثنا قاسم بن أصبغ قال : حدثنا ابن وضاح قال : حدثنا موسى بن معاوية قال : حدثنا بقية قال : حدثني ثور بن يزيد ، عن صالح بن يحيى بن المقدام ، عن أبيه ، عن جده ، عن خالد بن الوليد قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لحوم الخيل والبغال والحمير وعن كل ذي ناب وهذا حديث لا تقوم به حجة لضعف إسناده ، وحديث الإباحة صحيح الإسناد .

وقال الثوري والليث بن سعد والشافعي وأبو ثور : لا بأس بأكل لحوم الخيل . وحجتهم حديث جابر المذكور في هذا الباب . وحدثنا سعيد بن نصر قال : حدثنا قاسم بن أصبغ قال : حدثنا جعفر بن محمد قال : حدثنا محمد بن سابق قال : حدثنا إبراهيم بن طهمان ، عن أبي الزبير ، عن جابر قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية ، وذبح لنا الخيل وأطعمنا لحمها . وحديث أسماء بنت أبي بكر قالت : نحرنا فرسا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم [ ص: 129 ] فأكلناه . حدثنا أحمد بن القاسم ، حدثنا الحارث بن أبي أسامة ، حدثنا يحيى بن هشام ، حدثنا هشام بن عروة ، عن فاطمة بنت المنذر بن الزبير ، عن أسماء بنت أبي بكر قالت : نحرنا فرسا على عهد رسول الله فأكلناه . وحدثنا عبد الوارث ، حدثنا قاسم ، حدثنا أحمد بن هشام بن أبي رميك ، حدثنا أحمد بن عثمان بن هود ، حدثنا عبد الله بن داود ، عن هشام بن عروة ، عن فاطمة ، عن أسماء قالت : أكلنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم لحم فرس .

وزعم القائلون بهذا القول أنه ليس في السكوت عن ذكر الإذن في الخيل دليل على أن ما عدا الركوب والزينة لا يجوز ، ألا ترى أنه لم يذكر البيع والتصرف ، وإنما ذكر الركوب والزينة ، وجائز بيعها والتصرف فيها وفي ثمنها بإجماع . والأشياء على الإباحة حتى يثبت الحظر والمنع ، فلما ثبت المنع من الحمار ، والبغل ابن الحمار فحكمه حكم الحمار بإجماع والدليل الواضح ، وبقي الفرس على أصل إباحته . هذا لم يوجد فيه نص ، فكيف والنص فيه ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم ؟ !

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث