الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

699 ( ابن شهاب ، عن عمرة حديث واحد مرسل في الموطأ ليحيى وحده ، وهو غلط منه )

وهي عمرة بنت عبد الرحمن بن سعد بن زرارة الأنصاري .

مالك ، عن ابن شهاب ، عن عمرة بنت عبد الرحمن : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أراد أن يعتكف ، فلما انصرف إلى المكان الذي أراد أن يعتكف فيه ، وجد أخبية : خباء عائشة ، وخباء حفصة ، وخباء زينب ، فلما رآها سأل عنها فقيل له : هذا خباء عائشة ، وحفصة ، وزينب قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - آلبر تقولون بهن ؟ ثم انصرف فلم يعتكف حتى اعتكف عشرا من شوال .

[ ص: 189 ]

التالي السابق


[ ص: 189 ] هكذا هذا الحديث ليحيى في الموطأ ، عن مالك ، عن ابن شهاب ، وهو غلط ، وخطأ مفرط ، لم يتابعه أحد من رواة الموطأ فيه ، عن ابن شهاب ) ، وإنما هو في الموطأ لمالك ، عن يحيى بن سعيد ، إلا أن رواة الموطأ اختلفوا في قطعه وإسناده ، فمنهم من يرويه ، عن مالك ، عن يحيى بن سعيد : إلا رواة الموطأ اختلفوا في قطعه وإسناده فمنهم من يرويه عن مالك عن يحيى بن سعيد أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يذكر عمرة ، ومنهم من يرويه ، عن مالك ، عن يحيى بن سعيد ، عن عمرة لا يذكر عائشة ، ومنهم من يرويه ، عن مالك ، عن يحيى بن سعيد ، عن عمرة ، عن عائشة يصله بسنده .

وأما رواية يحيى ، عن مالك ، عن ابن شهاب فلم يتابعه أحد على ذلك ، وإنما هذا الحديث لمالك عن يحيى بن سعيد الأنصاري ، عن عمرة لا عن ابن شهاب ، عن عمرة كذلك رواه مالك ، وغيره ، وجماعة عنه ، ولا يعرف هذا الحديث لابن شهاب لا من حديث مالك ، ولا من حديث غيره من أصحاب ابن شهاب ، وهو من حديث يحيى بن سعيد محفوظ صحيح سنده ، وهذا الحديث مما فات يحيى سماعه عن مالك في الموطأ فرواه عن زياد بن عبد الرحمن المعروف بشبطون ، وكان ثقة ، عن مالك ، وكان يحيى بن يحيى قد سمع الموطأ منه بالأندلس ، ومالك [ ص: 190 ] يومئذ حي ثم رحل فسمعه من مالك حاشى ورقة في الاعتكاف لم يسمعها أو شك في سماعها من مالك ، فرواها عن زياد ، عن مالك ، وفيها هذا الحديث ، فلا أدري ممن جاء هذا الغلط في هذا الحديث ، أمن يحيى أم من زياد ؟ ، ومن أيهما كان ذلك ؟ فلم يتابعه أحد عليه ، وهو حديث مسند ثابت من حديث يحيى بن سعيد ذكره البخاري ، عن عبد الله بن يوسف ، عن مالك ، عن يحيى بن سعيد ، عن عمرة ، عن عائشة مسندا قال البخاري : ، وأخبرنا النعمان حدثنا حماد بن زيد حدثنا يحيى بن سعيد ، عن عمرة ، عن عائشة قالت : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يعتكف في العشر الأواخر من رمضان ، وكنت أضرب له خباء فيصلي الصبح ثم يدخله ، فاستأذنت حفصة عائشة أن تضرب خباء ، فأذنت لها ، فضربت خباء ، فلما رأته زينب بنت جحش ضربت خباء آخر ، فلما أصبح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رأى الأخبية فقال : ما هذا ؟ فقال : آلبر تردن بهن فترك الاعتكاف ذلك الشهر ، ثم اعتكف عشرا من شوال .

أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد المومن قال : حدثنا محمد بن بكر بن داسة قال : حدثنا أبو داود قال : حدثنا عثمان بن أبي شيبة قال : حدثنا أبو معاوية ، ويعلى بن عبيد ، عن يحيى بن سعيد ، عن عمرة ، عن عائشة قالت : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أراد أن يعتكف صلى الفجر ، ثم دخل معتكفه ، قالت : فإنه أراد مرة أن يعتكف في العشر [ ص: 191 ] الأواخر من رمضان قال : فأمر ببنائه ، فضرب ، فلما رأيت ذلك أمرت ببنائي فضرب ، قالت : وأمر غيري من أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - ببنائها ، فضرب ، فلما صلى الفجر نظر إلى الأبنية فقال : ما هذا ؟ آلبر تردن ؟ قالت : فأمر ببنائه فقوض ، وأمر أزواجه بأبنيتهن فقوضت ، ثم أخر الاعتكاف إلى العشر الأول من شوال ، ورواه الأوزاعي ، ومحمد بن إسحاق ، عن يحيى بن سعيد مثله ، وحدثنا سعيد بن نصر قال : حدثنا قاسم بن أصبغ قال : حدثنا محمد بن إسماعيل الترمذي قال : حدثنا الحميدي قال : حدثنا سفيان بن عيينة قال : سمعت يحيى بن سعيد يحدث ، عن عمرة ، عن عائشة قالت : أراد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يعتكف العشر الأواخر من رمضان ، فسمعت بذلك ، فاستأذنته ، فأذن لي ، ثم استأذنته حفصة فأذن لها ، ثم استأذنته زينب فأذن لها ، قالت : وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أراد أن يعتكف صلى الصبح ثم دخل معتكفه ، فلما صلى الصبح رأى في المسجد أربعة أبنية ، فقال : لمن هذه ؟ قالوا لعائشة ، وحفصة ، وزينب فقال : النبي - صلى الله عليه وسلم - آلبر تردن بهذا ؟ فلم يعتكف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تلك العشرة ، واعتكف عشرا من شوال .

وربما قال سفيان في هذا الحديث آلبر : تقولون بهن ؟ قال الحميدي : بناء النبي - صلى الله عليه وسلم - هو الرابع ، وذكره عبد الرزاق ، عن ابن عيينة ، عن يحيى بن سعيد ، عن عمرة ، عن عائشة [ ص: 192 ] مثله سواء إلى قوله : فلما صلى إذا هو بأربعة أبنية فقال : ما هذا ؟ قالوا : عائشة ، وحفصة ، وزينب قال : آلبر تقولون بهذا ؟ فرفع بناءه ، قالت : فلم يعتكف العشر الأواخر من رمضان ، واعتكف عشرا من شوال ، وحدثنا قاسم بن محمد قال : حدثنا خالد بن سعد قال : حدثنا أحمد بن عمرو بن منصور ، وأخبرنا محمد بن عبد الملك ، وعبيد بن محمد قالا : حدثنا عبد الله بن مسروق قال : حدثنا عيسى بن مسكين قالا جميعا : حدثنا محمد بن عبد الله بن سنجر الجرجاني قال : حدثنا يعلى بن عبيد قال : حدثنا يحيى بن عبيد قال : أنبأنا يحيى بن سعيد ، عن عمرة ، عن عائشة قالت : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أراد أن يعتكف صلى الصبح ، ثم دخل المكان الذي يريد أن يعتكف فيه ، فأراد أن يعتكف العشر الأواخر من رمضان فضرب له خباء ، وأمرت عائشة فضرب لها خباء ، وأمرت حفصة فضرب لها خباء ، فلما رأت زينب خباءهما أمرت فضرب لها خباء ، فلما رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذلك ، قال : آلبر تردن ؟ فلم يعتكف في رمضان ، واعتكف عشرا في شوال .

هذا الحديث أدخله مالك وغيره من العلماء في باب قضاء الاعتكاف ، وهو أعظم ما يعتمد عليه من فقهه ، ومعنى ذلك عندي - والله أعلم - أن رسول [ ص: 193 ] الله - صلى الله عليه وسلم - كان قد نوى اعتكاف العشر الأواخر من رمضان ، فلما رأى ما كرهه من تنافس زينب ، وحفصة ، وعائشة في ذلك ، وخشي عليهن أن تدخل نيتهن داخلة ، وما الله أعلم به فانصرف ، ثم وفى الله بما نواه من فعل البر ، فاعتكف عشرا من شوال ، وفي ذلك جواز الاعتكاف في غير رمضان .

وأما قوله في حديث مالك : آلبر يقولون بهن ؟ فيحتمل أي أيظنون بهن البر ؟ فأنا أخشى عليهن أن يردن الكون معي ، ولا يردن البر خالصا ، فكره لهن ذلك .

وعلى هذا يخرج قوله في غير حديث مالك : آلبر يردن أو تردن ؟ كأنه تقرير وتوبيخ بلفظ الاستفهام ، أي : ما أظنهن يردن البر أو ليس يردن البر - والله أعلم - .

وقد يجوز أن يكون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كره لأزواجه الاعتكاف لشدة مؤنته ; لأن ليله ونهاره سواء ، قال مالك رحمه الله : لم يبلغني أن أبا بكر ، ولا عمر ، ولا عثمان ، ولا ابن المسيب ، ولا أحدا من سلف هذه الأمة اعتكف إلا أبا بكر بن عبد الرحمن ، وذلك - والله أعلم - لشدة الاعتكاف .

ولو ذهب ذاهب إلى أن الاعتكاف للنساء مكروه بهذا الحديث كان مذهبا ، ولولا أن ابن عيينة ذكر فيه أنهن استأذنه في الاعتكاف ، لقطعت بأن الاعتكاف للنساء في المساجد غير جائز .

وما أظن استيذانهن محفوظا - والله أعلم - ، ولكن ابن عيينة حافظ ، وقد قال في هذا الحديث : سمعت يحيى بن سعيد .

وفي هذا الحديث من الفقه : أن الاعتكاف يلزم بالنية مع الدخول فيه ، وإن لم يكن في حديث مالك ذكر دخوله - صلى الله عليه وسلم - في ذلك الاعتكاف الذي قضاه ; لأن في رواية ابن عيينة ، وغيره لهذا الحديث أن [ ص: 194 ] رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا أراد أن يعتكف صلى الصبح ثم دخل معتكفه ، فلما صلى الصبح يعني في المسجد ، وهو موضع اعتكافه ، نظر فرأى الأخبية ، والاعتكاف إنما هو الإقامة في المسجد فكأنه - والله أعلم - كان قد شرع في اعتكافه لكونه في موضع اعتكافه مع عقد نيته على ذلك ، والنية هي الأصل في الأعمال ، وعليها تقع المجازات ، فمن هنا - والله أعلم - قضى اعتكافه ذلك في شوال - صلى الله عليه وسلم - .

وقد ذكر سنيد قال : حدثنا معمر بن سليمان ، عن كهمس ، عن معبد بن ثابت في قوله ( ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ) الآية قال : إنما كان شيئا نووه في أنفسهم ، ولم يتكلموا به ، ألم تسمع إلى قوله ( أن الله يعلم سرهم ونجواهم وأن الله علام الغيوب ) .

قال : وحدثنا معتمر قال : ركبت البحر فأصابتنا ريح شديدة فنذر قوم معنا نذورا ، ونويت أنا شيئا لم أتكلم به ، فلما قدمت البصرة سألت أبا سليمان التيمي فقال : يا بني فء به ، فغير نكير أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - قضى الاعتكاف من أجل أنه كان قد نوى أن يعمله ، وإن لم يدخل فيه ; لأنه كان أوفى الناس لربه بما عاهده عليه ، وأبدرهم إلى طاعته ; فإن كان دخل فيه فالقضاء واجب عند العلماء لا يختلف في ذلك الفقهاء .

وإن كان لم يدخل فيه فالقضاء مستحب لمن هذه حاله عند أهل العلم ; مندوب إليه أيضا مرغوب فيه .

ومن العلماء من أوجب قضاءه عليه من أجل أنه كان عقد عليه نيته ، والوجه عندنا ما ذكرنا .

[ ص: 195 ] ومن جعل على المعتكف قضاء ما قطعه من اعتكافه قاسه على الحج التطوع يقطعه صاحبه عمدا أو مغلوبا ، وسيأتي القول في حكم قطع الصلاة التطوع ، والصيام التطوع ، وما للعلماء في ذلك من المذاهب في باب مرسل ابن شهاب في هذا الكتاب .

وقد احتج بهذا الحديث بعض من كره للنساء الاعتكاف في المسجد ، ذكر الأثرم قال : سمعت أحمد بن حنبل يسأل عن النساء يعتكفن ؟ قال : نعم قد اعتكف النساء .

واختلف الفقهاء في مكان اعتكاف النساء فقال مالك : تعتكف المرأة في مسجد الجماعة ، ولا يعجبه أن تعتكف في مسجد بيتها .

وقال أبو حنيفة : لا تعتكف المرأة إلا في مسجد بيتها ، ولا تعتكف في مسجد الجماعة .

وقال الثوري : اعتكاف المرأة في بيتها أفضل منه في المسجد ; لأن صلاتها في بيتها أفضل ، وهو قول إبراهيم .

وقال الشافعي : المرأة ، والعبد ، والمسافر يعتكفون حيث شاءوا ; لأنه لا جمعة عليهم .

قال منصور : يعني من المساجد ; لأنه لا اعتكاف عنده إلا في مسجد .

قال أبو عمر :

من حجة من أجاز اعتكاف المرأة في مسجد الجماعة حديث ابن عيينة ، عن يحيى بن سعيد ، عن عمرة ، عن عائشة هذا ; لأن فيه أنهن استأذنه في الاعتكاف فأذن لهن ; فضربن أخبيتهن في [ ص: 196 ] المسجد ، ثم منعهن بعد لغير المعنى الذي أذن لهن من أجله - والله أعلم - .

وقال أصحاب أبي حنيفة : إنما جاز لهن ضرب أخبيتهن في المسجد للاعتكاف ، من أجل أنهن كن مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

وللنساء أن يعتكفن في المسجد مع أزواجهن ، وكما أن للمرأة أن تسافر مع زوجها ، كذلك لها أن تعتكف معه .

وقال : من لم يجز اعتكافهن في المسجد أصلا ، إنما ترك النبي - صلى الله عليه وسلم - الاعتكاف إنكارا عليهن .

قال : ويدل على ذلك قوله : آلبر يردن ؟ قال : وقد قالت عائشة : لو رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما أحدث النساء بعده لمنعهن المسجد .

ولم يختلفوا أن صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في المسجد ، فكذلك الاعتكاف - والله أعلم - .

وأما قولهم في هذا عن يحيى بن سعيد بإسناده : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا أراد أن يعتكف صلى الصبح ، ثم دخل في معتكفه فلا أعلم من فقهاء الأمصار من قال به إلا الأوزاعي .

وقد قال به طائفة من التابعين ، وهو ثابت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .

ذكر الأثرم قال : سمعت أحمد بن حنبل يسأل عن المعتكف في أي وقت يدخل معتكفه فقال : يدخله قبل غروب الشمس ، فيكون يبتدئ ليلته .

[ ص: 197 ] فقيل له : قد روى يحيى بن سعيد ، عن عمرة ، عن عائشة أم المومنين : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي الفجر ثم يدخل معتكفه فسكت .

وروي عن ابن مسعود مثله ، وروي عن عائشة : لا اعتكاف إلا بصوم ، ولم يختلف عنها في ذلك .

واختلف عن علي بن أبي طالب ، وعبد الله بن عباس ، فروي عنهما القولان جميعا ، ولم يختلف عن الشعبي أنه لا اعتكاف إلا بصوم .

واختلف عن النخعي فروي عنه الوجهان أيضا جميعا .

ومن حجة من أجازه بغير صوم : أن اعتكاف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان في رمضان ، ومحال أن يكون صوم رمضان لغير رمضان .

ولو نوى المعتكف في رمضان بصومه التطوع والفرض فسد صومه عند مالك ، وأصحابه .

ومعلوم أن ليل المعتكف يلزمه فيه من اجتناب مباشرة النساء ما يلزمه ، وأن ليله داخل في اعتكافه ، وليس الليل بموضع صوم ، فكذلك نهاره ، وليس بمفتقر إلى الصوم ، فإن صام فحسن .

قال : وسمعته مرة أخرى يسأل عن المعتكف في أي وقت يدخل معتكفه ؟ فقال : قد كنت أحب له أن يدخل معتكفه بالليل حتى يبيت فيه ، ويبتدئ .

ولكن حديث عمرة ، عن عائشة : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يدخل معتكفه إذا صلى الغداة قيل له : فمتى يخرج ؟ قال : يخرج منه إلى المصلى .

[ ص: 198 ] وقد اتفق مالك ، والشافعي ، وأبو حنيفة على خلاف هذا الحديث ، إلا أنهم اختلفوا في وقت دخول المعتكف المسجد ليلا ، فقال مالك ، والشافعي ، وأبو حنيفة ، وأصحابهم : إذا وجب على نفسه اعتكاف شهر دخل المسجد قبل غروب الشمس .

قال مالك : وكذلك من أراد أن يعتكف يوما أو أكثر دخل معتكفه قبل غروب الشمس من ليلة ذلك اليوم .

وقال الشافعي : إذا قال لله علي اعتكاف يوم ، دخل قبل طلوع الفجر ، وخرج قبل غروب الشمس خلاف قوله في الشهر .

وقال زفر بن الهذيل بن سعد : يدخل قبل طلوع الفجر ، والشهر ، واليوم سواء عندهم ، لا يدخل إلا قبل طلوع الفجر ، وروي مثل ذلك عن أبي يوسف .

قال أبو عمر :

الليالي تبع للأيام ، وقال الأوزاعي بظاهر حديث عائشة هذا قال : يصلي في المسجد الصبح ثم يقوم إلى معتكفه .

ولم يذكر مالك رحمه الله في موطئه في حديثه ، عن يحيى بن سعيد ، عن عمرة في هذا الحديث : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا أراد أن يعتكف ، صلى الصبح ثم دخل معتكفه .

وما أظنه تركه - والله أعلم - إلا أنه رأى الناس على خلافه .

وأجمع مالك ، وأصحابه على أن المرأة إذا نذرت اعتكاف شهر فمرضته أنها لا تقضيه ، ولا شيء عليها .

واختلفوا إذا حاضته ، فقال ابن القاسم : تقضيه ، وتصل قضاءها بما اعتكفت قبل ذلك ، فإن لم تفعل استأنفت .

[ ص: 199 ] وقال محمد بن عبدوس : الفرق بين المرض والحيض أن المريضة تمرض الشهر كله ، والحائض لا تحيض الشهر كله ، وأقصى ما تحيض منه خمسة عشر يوما ، فإذا وجب عليها بعضه ، وجب كله .

قال أبو عمر :

هذه حجة من يسامح نفسه ، ويكلم من يقلده ، وفسادها أظهر من أن يحتاج إلى الكلام عليها .

وقد سوى سحنون بين حكم الحيض والمرض ، وقال : إنما عليها إذا طهرت من حيضتها اعتكاف بقية المدة إن بقي منها شيء في المرض والحيض جميعا ، وما مضى فليس عليها قضاؤه ، وهو ظاهر قول مالك في الموطأ .

، وقد قال مالك فيمن نذرت صوم يوم بعينه : إنها إن مرضت أو حاضت فأفطرت لذلك فلا قضاء عليها ، فإن أفطرت لغير عذر ، وهي تقوى على الصيام فعليها القضاء ، فحكم الاعتكاف عندي مثل ذلك .

وهو قول الليث ، والشافعي ، وزفر .

وأما قوله في هذا الحديث : حتى اعتكف عشرا من شوال ، ففيه أن الاعتكاف في غير رمضان جائز كما هو في رمضان ، وهذا ما لا خلاف فيه .

إلا أن العلماء اختلفوا في صوم المعتكف هل هو واجب عليه أم لا ؟ فقال مالك ، والثوري ، والحسن بن حي ، وأبو حنيفة : لا اعتكاف إلا بصوم ، وهو قول الليث .

[ ص: 200 ] وقال الشافعي ، وأحمد بن حنبل ، وداود بن علي ، وابن علية : الاعتكاف جائز بغير صوم ، وهو قول الحسن ، وسعيد بن المسيب ، وعطاء بن أبي رباح ، وعمر بن عبد العزيز كلهم قالوا : ليس على المعتكف صوم إلا أن يوجبه على نفسه .

ومن حجتهم أيضا حديث ابن عمر أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - نذر في الجاهلية أن يعتكف ليلة فأمره النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يفي بنذره .

ومعلوم أن الليل لا صوم فيه رواه عبد الله بن بديل ، عن عمرو بن دينار ، عن ابن عمر : أن عمر جعل على نفسه أن يعتكف في الجاهلية ليلة أو يوما ، فسأل النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال له : اعتكف ، وصم .

والحديث الأول أصح نقلا عند أهل الحديث .

وقال الأثرم : سمعت أحمد بن حنبل يقول : الصوم يجب على المعتكف ، فعاوده السائل فقال : يصوم ، وهو أكثر ما روي فيه .

وقد مضى معنى الاعتكاف ، وسننه ، وكثير من أصول مسائله في باب ابن شهاب ، عن عروة ، والله ، وبالله التوفيق .

وأما وقت خروج المعتكف من اعتكافه فسنذكره ، ونذكر ما للعلماء فيه من الأقاويل في باب يزيد بن الهاد من كتابنا هذا إن شاء الله تعالى .

[ ص: 201 ] وقد روي في هذا الباب ، عن ابن شهاب حديث غريب حدثنا محمد حدثنا علي بن عمر الحافظ حدثنا عمر بن الحسن بن علي الشيباني أخبرنا عبد الله بن إسماعيل القرشي حدثنا محمد بن يوسف بن محمد بن سوقة حدثنا علي بن الربيع بن الركين بن الربيع ، عن عسلة الفزاري حدثنا مالك بن أنس ، عن ابن شهاب ، عن علي بن حسين ، عن صفية بنت حيي : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يجاور في المسجد العشر الأواخر من رمضان .

قال أبو الحسن : هذا حديث صحيح من حديث الزهري ، وهو غريب من حديث مالك ، لم يكتبه مالك إلا بهذا الإسناد .

قال أبو عمر :

لا يصح عن مالك .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث