الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الحديث الأول أن أعرابيا بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإسلام

جزء التالي صفحة
السابق

1639 [ ص: 223 ] حديث أول لمحمد بن المنكدر مالك .

مالك عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله ، أن أعرابيا بايع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على الإسلام ، فأصاب الأعرابي وعك بالمدينة ، فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : يا رسول الله ، أقلني بيعتي ، فأبى ، ثم جاءه ، فقال : أقلني بيعتي ، فأبى ، ثم جاءه ، فقال : أقلني بيعتي ، فأبى ، فخرج الأعرابي فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إنما المدينة كالكير تنفي خبثها وينصع طيبها .

[ ص: 224 ]

التالي السابق


[ ص: 224 ] هكذا رواه جماعة الرواة عن مالك فيما علمت بهذا اللفظ إلا عبد الله بن إدريس فإنه قال فيه عن مالك بإسناده : إنها طيبة تنفي الخبث ، وقوله في الحديث " طيبة " غريب لم يقله فيه غيره والله أعلم .

قال أبو عمر : في هذا الحديث من العلم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يبايع الناس على حدود الإسلام ، ومعنى ذلك أنه كان يبايعهم على شروط الإسلام ومعالمه ، وهذا معروف في غير ما حديث ، وكان ذلك الوقت من حدود الإسلام وفرائضه , البيعة على هجرة الأوطان والبقاء مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ولذلك كان قطع الله ولاية المؤمنين المهاجرين ممن لم يهاجر منهم ، فقال : والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا ، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أنا بريء من كل مسلم باق مع مشرك .

[ ص: 225 ] وكان يشترط عليهم السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره ، إلى أشياء كثيرة كان يشترطها قد ورد في الآثار ذكرها ، كبيعته للنساء وغيرها .

وقد ورد بالنص بيعته للنساء ( المهاجرات ) وسكت عن الرجال لدخولهم في المعنى كدخول من أحصن من الرجال في قوله : والذين يرمون المحصنات , ومثل هذا كثير ، وقد ذكر جرير أنه اشترط عليهم النصح لكل مسلم ومعنى هذه المبايعة - والله أعلم - الإعلام بحدود الإسلام وشرائعه وآدابه .

وقال الشافعي - رحمه الله - : أما بيعة النساء فلم يشترط فيها السمع والطاعة ; لأنهن ليس عليهن جهاد كافر ولا باغ ، وإنما كانت بيعتهن على الإسلام وحدوده .

قال أبو عمر : قد كانت البيعة على وجوه ، منها أنها كانت أولا على القتال وعلى أن يمنعوه مما يمنعون منه أنفسهم وأبناءهم ونساءهم ، وعلى نحو ذلك كانت بيعة العقبة [ ص: 226 ] الثانية قبل الهجرة ، ثم لما هاجر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة بايع الناس على الهجرة وقال : أنا بريء من كل مسلم مع مشرك ، فكان على الناس فرضا أن ينتقلوا إلى المدينة إذ لم يكن للإسلام دار ذلك الوقت غيرها ، ويدعوا دار الكفر ، وعلى هذا - والله أعلم - كانت بيعة هذا الأعرابي المذكور في هذا الحديث عن الإسلام والهجرة ، فلما لحقه من الوعك ما لحقه تشاءم بالمدينة وخرج عنها منصرفا إلى وطنه من أهل الكفر ، ولم يكن ممن رسخ الإيمان في قلبه ، وربما كان من جنس الأعراب الذين قال الله - عز وجل - فيهم الأعراب أشد كفرا ونفاقا وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله .

ولما فتحت مكة لم يبايع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحدا على الهجرة ، وإنما كانت البيعة على الإقامة بدار الهجرة قبل أن يفتح الله على رسوله مكة ، وكان المعنى في البيعة على الهجرة الإقامة بدار الهجرة وهي المدينة - عن رسول [ ص: 227 ] الله صلى الله عليه وسلم - في حياته ، حتى يصرفهم فيما يحتاج إليه من غزو الكفار وحفظ المدينة وسائر ما يحتاج إليه ، وكان خروجهم راجعين إلى دار أعرابيتهم حراما عليهم ; لأنهم كانوا يكونون بذلك مرتدين إلى الأعرابية من الهجرة ، ومن فعل ذلك كان ملعونا على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم .

ألا ترى إلى حديث شعبة والثوري عن الأعمش عن عبد الله بن مرة عن الحارث بن عبد الله عن عبد الله بن مسعود قال : آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهداه إذا علموا به والواشمة والمستوشمة للحسن ولاوي الصدقة والمرتد أعرابيا بعد هجرته ملعونون على لسان محمد - صلى الله عليه وسلم - يوم القيامة .

وروي عن عقبة بن عامر الجهني قال : بلغني قدوم النبي - صلى الله عليه وسلم - المدينة وأنا في غنيمة لي فرفضتها ، [ ص: 228 ] ثم أتيته فقلت : جئت أبايعك ، فقال : بيعة أعرابية أو بيعة هجرة ؟ قلت : بيعة هجرة ، قال : فبايعته وأقمت .

قال أبو عمر : ففي قول عقبة في هذا الحديث " فبايعته وأقمت " دليل على أن البيعة على الهجرة توجب الإقامة بالمدينة ، وأن البيعة الأعرابية تخالفها لا توجب الإقامة بالمدينة على أهلها ، ويدلك على ذلك أن مالك بن الحويرث وغيره من الأعراب بايعوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأقاموا عنده أياما ، ثم رجعوا إلى بلادهم ، وقال لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ارجعوا إلى أهليكم فأقيموا فيهم وعلموهم وصلوا كما رأيتموني أصلي .

وهذا الأعرابي المذكور في حديث مالك كان - والله أعلم - ممن بايع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على المقام بدار الهجرة ، فمن هنا أبى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من إقالة بيعته ، وفي إباء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من إقالة البيعة دليل على أن من العقود عقودا إلى المرء عقدها ، وليس له حلها ولا نقضها ، وذلك أن من عقد عقدا يجب عقده ولا يحل نقضه ، لم يجز له أن ينقضه ولم يحل له فسخه ، وإن كان الأمر كان إليه في العقد ، فليس إليه ذلك في النقض .

[ ص: 229 ] وليس كل ما للإنسان عقده له فسخه ، ولم يكن لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يقبله بيعته ; لأن الهجرة كانت مفترضة يومئذ كما لم يكن له أن يبيح له شيئا حظرته عليه الشريعة إذا دخل فيها ولزمته أحكامها إلا بوحي من الله ، وأما من بعده فليس ذلك حكمه بوجه من الوجوه ; لأن الوحي بعده قد انقطع صلى الله عليه وسلم .

وفي هذا الحديث بيان فضل المدينة وأنها بقعة مباركة لا يستوطنها إلا المرضي من الناس ، وهذا عندي إنما كان بالنبي - صلى الله عليه وسلم - منذ نزلها ، وقد كانت قبله كسائر ديار الكفر ، ولما توفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقي فضل قبره ومسجده ، والمدينة لا ينكر فضلها .

وأما قوله : تنفي خبثها وينصع طيبها فمعناه أنها تنفي حثالة الناس ، ولا يبقى فيها إلا الطيب الذي اختاره الله - عز وجل - لصحبة نبيه - صلى الله عليه وسلم - ، والخبث رذالة الحديد ووسخه الذي لا يثبت عند النار .

وأما قوله : " وينصع " فإنه يعني يبقى ويثبت ويظهر ، وأصل النصوع في الألوان البياض ، يقال : أبيض ناصع ويقق ، كما يقال : [ ص: 230 ] أحمر قانئ ، وأسود حالك ، وأصفر فاقع ، والمراد بهذه الكلمات الثبوت والصحة ، والناصع الخالص السالم ، قال النابغة الذبياني :


أتاك بقول هلهل النسج كاذب ولم يأت بالحق الذي هو ناصع



أي : خالص سالم من الاختلاف . وأما الخبث فلا يثبت ، وما لا يثبت فليس ظهوره بظهور ، وشبه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة في ذلك الوقت بالكير والنار الذي لا يبقى على عمله إلا طيبه ويدفع الخبث ، وكذلك كانت المدينة لا يبقى فيها ولا يثبت إلا الطيب من الناس لصحبته - صلى الله عليه وسلم - وللفهم عنه ، فلما مات خرج عنها كثير من جلة أصحابه لنشر علمه والتبليغ لدينه - صلى الله عليه وسلم - ، فإن قيل : إن عمر بن عبد العزيز قد خشي أن يكون ممن نفت المدينة ، وليس ذلك في المعنى الذي ذكرت من صحبة [ ص: 231 ] رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والأخذ عنه ، بل ذلك لفضل المدينة الباقي إلى يوم القيامة .

قيل له : لا ينكر فضل المدينة عالم ، ولكن قوله : تنفي خبثها وينصع طيبها ليس إلا على ما قلنا ، بدليل خروج الفضلاء الصحابة الطيبين منها إلى الشام والعراق ، ولا يجوز أن يقال في واحد منهم إنهم كانوا خبثاء - رضي الله عنهم - ، وقد يقول العالم القول على الإشفاق على نفسه ، فلا يكون في ذلك حجة على غيره .

قال أبو عمر : كان خروج عمر بن عبد العزيز من المدينة حين قال هذا القول فيما ذكر أهل السير في شهر رمضان من سنة ثلاث وتسعين ، وذلك أن الحجاج كتب إلى الوليد - فيما ذكروا - أن عمر بن عبد العزيز بالمدينة كهف للمنافقين ، فجاوبه الوليد إني أعزله ، فعزله وولى عثمان بن حيان المري ، وذلك في شهر رمضان المذكور ، فلما صار عمر بالسويداء قال لمزاحم : يا مزاحم ، أتخاف أن تكون ممن نفت المدينة ؟ وقال ميمون بن مهران : ما رأيت ثلاثة في بيت خيرا من عمر بن عبد العزيز وابنه عبد الملك ومولاه مزاحم .

[ ص: 232 ] حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال : حدثنا قاسم بن أصبغ قال : حدثنا أحمد بن زهير قال : حدثنا هارون بن معروف قال : حدثنا ابن وهب قال : أخبرني عمرو بن الحارث عن أبي شهاب ، أن عمرو بن عبد الرحمن بن أمية حدثه ، أن أباه أخبره أن يعلى بن أمية قال : جئت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأبي أمية يوم فتح ، فقلت يا رسول الله ، بايع أبي على الهجرة ، فقال : أبايعه على الجهاد وقد انقطعت الهجرة .

وأخبرنا عبد الوارث قال : حدثنا قاسم قال : حدثنا أحمد بن زهير قال : حدثنا محمد قال : حدثنا إسماعيل بن زكرياء ، عن عاصم ، عن أبي عثمان قال : حدثني مجاشع بن مسعود قال : أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - لأبايعه على الهجرة قال : قد مضت الهجرة لأهلها ، ولكن على الإسلام والجهاد والخير .

[ ص: 233 ] وذكر البخاري : حدثنا إسحاق بن يزيد ، حدثنا يحيى بن حمزة ، حدثنا الأوزاعي عن عطاء بن أبي رباح قال : زرت عائشة مع عبيد بن عمير ، فسألتها عن الهجرة فقالت : لا هجرة اليوم ، كان المؤمن يفر بدينه إلى الله - عز وجل - وإلى رسوله - صلى الله عليه وسلم - مخافة أن يفتن عليه ، فأما اليوم فقد أظهر الله الإسلام ، فالمؤمن يعبد ربه حيث شاء ، ولكن جهاد ونية .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث