الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الحديث الثالث عشر المتبايعان كل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا إلا بيع الخيار

جزء التالي صفحة
السابق

1374 [ ص: 7 ] حديث ثالث عشر لنافع عن ابن عمر

مالك عن نافع ، عن عبد الله بن عمر ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : المتبايعان كل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا إلا بيع الخيار

التالي السابق


لا خلاف عن مالك في لفظ هذا الحديث بهذا الإسناد ، ورواه أيوب عن نافع ، عن ابن عمر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : البيعان بالخيار ما لم يتفرقا أو يقول أحدهما لصاحبه اختر هكذا قال حماد بن زيد عن أيوب .

ورواه شعبة ، وسعيد بن أبي عروبة عن أيوب بإسناده ، بلفظ حديث مالك ومعناه ; ورواه ابن علية ، عن أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر ، مثله : البيعان بالخيار حتى يتفرقا أو يكون بيع خيار قال وربما قال نافع : أو يقول أحدهما لصاحبه اختر . ورواه [ ص: 8 ] عبيد الله بن عمر عن نافع ، عن ابن عمر ، عن النبي عليه السلام فقال فيه : ما لم يتفرقا أو يكون خيار .

ولفظ عبد الله بن دينار عن ابن عمر ، عن النبي عليه السلام : كل بيعين فلا بيع بينهما حتى يتفرقا قال : إلا بيع الخيار وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا . من وجوه كثيرة : من حديث سمرة بن جندب ، وأبي برزة الأسلمي ، وعبد الله بن عمرو بن العاص ، وأبي هريرة ، وحكيم بن حزام ، وغيرهم .

وأجمع العلماء على أن هذا الحديث ثابت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وأنه من أثبت ما نقل الآحاد العدول . واختلفوا في القول به والعمل بما دل عليه : فطائفة استعملته وجعلته أصلا من أصول الدين في البيوع ، وطائفة ردته ; فاختلف الذين ردوه في تأويل ما ردوه به ، وفي الوجوه التي بها دفعوا العمل به .

فأما الذين ردوه : فمالك ، وأبو حنيفة وأصحابهما ، لا أعلم أحدا رده غير هؤلاء ، إلا شيء روي عن إبراهيم النخعي ; [ ص: 9 ] فأما مالك - رحمه الله - ( فإنه ) قال في موطئه لما ذكر هذا الحديث : وليس لهذا عندنا حد معروف ، ولا أمر معمول به . واختلف المتأخرون من المالكيين في تخريج وجوه قول مالك هذا ، فقال بعضهم : دفعه مالك - رحمه الله - بإجماع أهل المدينة على ترك العمل به ، وإجماعهم حجة فيما أجمعوا عليه ، ومثل هذا يصح فيه العمل ، لأنه مما يقع متواترا ولا يقع نادرا فيجهل ; فإذا أجمع أهل المدينة على ترك العمل به ، وراثة بعضهم عن بعض ، فمعلوم أن هذا توقيف أقوى من خبر الواحد ، والأقوى أولى أن يتبع

وقال بعضهم لا يصح دعوى إجماع أهل المدينة في هذه المسألة ، لأن سعيد بن المسيب وابن شهاب ، وهما أجل فقهاء أهل المدينة ، روي عنهما منصوصا ( العمل به ) ، ولم يرو عن أحد من أهل المدينة - نصا - ترك العمل به إلا عن مالك ، وربيعة ، وقد اختلف فيه عن ربيعة ; وقد كان ابن أبي ذئب - وهو من فقهاء أهل المدينة في عصر مالك - [ ص: 10 ] ينكر على مالك اختياره ترك العمل به ; حتى جرى منه لذلك في مالك قول خشن ، حمله عليه الغضب ، ولم يستحسن مثله منه ; فكيف يصح لأحد أن يدعي إجماع أهل المدينة في هذه المسألة ؟ هذا ما لا يصح القول به ; وقال هذا القائل في معنى قول مالك : وليس لهذا عندنا حد معروف ، ولا أمر معمول به ، إنما أراد الخيار ، لأنه قال ذلك بإثر قوله : إلا بيع الخيار ، وأراد مالك بقوله هذا ليس عندنا في المدينة في الخيار حد معروف ، ولا أمر معمول به فيه - إنكارا لقول أهل العراق وغيرهم القائلين بأن الخيار لا يكون في جميع السلع - إلا ثلاثة أيام ، والخيار عند مالك ، وأهل المدينة ، يكون ثلاثا وأكثر ، وأقل - على حسب اختلاف حال المبيع ، وليس الخيار عنده في الحيوان ، كهو في الثياب ، ولا هو في الثياب كهو في العقار ، وليس لشيء من ذلك حد بالمدينة لا يتجاوز - كما زعم المخالف ; قال : فهذا معنى ما أراد مالك - رحمه الله - بقوله : وليس لهذا عندنا حد معروف ، ولا أمر معمول به ، أي ليس للخيار واشتراطه عندنا حد لا يتجاوز في العمل به سنة ، كما زعم من خالفنا ; قال وأما حديث البيعان بالخيار ما لم يتفرقا فإنما رده اعتبارا ونظرا واختيارا ، مال فيه إلى بعض أهل بلده كما صنع في سائر مذهبه . [ ص: 11 ]

قال أبو عمر : قد أكثر المتأخرون من المالكيين والحنفيين من الاحتجاج لمذهبهما في رد هذا الحديث بما يطول ذكره ، وأكثره تشغيب ، لا يحصل منه على شيء لازم لا مدفع له ; ومن جملة ذلك أنهم نزعوا بالظواهر ، وليس ذلك من أصل مذهبهم ، فاحتجوا بعموم قول الله عز وجل ( أوفوا بالعقود ) قالوا : وهذان قد تعاقدا وفي هذا الحديث إبطال الوفاء بالعقد ; وبعموم قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يستوفيه . قالوا فقد أطلق بيعه إذا استوفاه قبل التفريق وبعده . وبأحاديث كثيرة مثل هذا فيها إطلاق البيع دون ذكر التفرق ، وهذه ظواهر وعموم لا يعترض بمثلها على الخصوص والنصوص . وبالله التوفيق .

واحتجوا أيضا بلفظة رواها عمرو بن شعيب عن أبيه ، عن جده ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : البيعان بالخيار ما لم يتفرقا ولا يحل له أن يفارق صاحبه خشية أن يستقيله . [ ص: 12 ] قالوا : فهذا يدل على أنه قد تم البيع بينهما قبل الافتراق ، لأن الإقالة لا تصح إلا فيما قد تم من البيوع .

وقالوا قد يكون التفرق بالكلام ، كعقد النكاح وشبهه ، وكوقوع الطلاق الذي قد سماه الله فراقا ; والتفرق في لسان العرب معروف أيضا ، كما هو بالأبدان ; واعتلوا بقول الله عز وجل ( وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته ) وقوله ( ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا ) وبقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : تفترق أمتي لم يرد بأبدانهم ، قالوا ولما كان الاجتماع بالأبدان لا يؤثر في البيع ; كذلك الافتراق لا يؤثر في البيع ; وقالوا إنما أراد بقوله - صلى الله عليه وسلم - : المتبايعان بالخيار المتساومين قال : ولا يقال لهما متبايعان ، إلا ما داما في حال فعل التبايع ، فإذا وجب البيع لم يسميا متبايعين ، وإنما يقال كانا متبايعين ، مثل ذلك المصلي ، [ ص: 13 ] والآكل ، والشارب ، والصائم ، فإذا انقضى فعله ذلك ، قيل وكان آكلا ، ومصليا ، وشاربا ; ولم يقل إنه صائم ، أو مصل ، أو آكل ، أو شارب - إلا مجازا ، أو تقريبا واتساعا ، وهذا لا وجه له في الأحكام ، قالوا فهذا يدل على أنه أراد بقوله البيعان بالخيار ما لم يفترقا والمتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا - المتساومين . وعن أبي يوسف القاضي ، أنه قال : هما المتساومان . قال فإذا قال : بعتك بعشرة ، فللمشتري الخيار في القبول في المجلس قبل الافتراق ، وللبائع خيار الرجوع في قوله قبل قبول المشتري ; وعن عيسى بن أبان نحوه أيضا . وقال محمد بن الحسن : معنى قوله في الحديث البيعان بالخيار ما لم يتفرقا أن البائع إذا قال قد بعتك ، فله أن يرجع ما لم يقل المشتري قد قبلت ; وهو قول أبي حنيفة وقد روي عن أبي حنيفة أنه كان يرد هذا الخبر باعتباره إياه على أصوله كسائر فعله في أخبار الآحاد ، كان يعرضها على الأصول المجتمع عليها عنده ، ويجتهد في قبولها أو ردها ; فهذا أصله في أخبار الآحاد ، وروي عنه أنه كان يقول في رد هذا الحديث : أرأيت إن كانا في سفينة ، أرأيت إن كانا في سجن ، أو قيد كيف يفترقان ؟ إذن فلا يصح بين هؤلاء بيع أبدا . وهذا مما عيب به أبو حنيفة وهو أكبر عيوبه ، وأشد ذنوبه ، عند أهل الحديث الناقلين لمثالبه ، [ ص: 14 ] باعتراضه الآثار الصحاح ، ورده لها برأيه ; وأما الإرجاء المنسوب إليه ، فقد كان غيره فيه أدخل ، وبه أقول ; لم يشتغل أهل الحديث من نقل مثالبه ، ورواية سقطاته ، مثل ما اشتغلوا به من مثالب أبي حنيفة ; والعلة في ذلك ما ذكرت لك لا غير ; وذلك ما وجدوا له من ترك السنن . وردها برأيه ; أعني السنن المنقولة بأخبار العدول الآحاد الثقات . والله المستعان .

وقال مالك لا خيار للمتبايعين - إذا عقد البيع بكلام وإن لم يفترقا . وذكر ابن خواز منداد عن مالك في معنى البائعين بالخيار ما لم يفترقا . نص ما ذكرناه عن محمد بن الحسن ، وأبي حنيفة ; كان إبراهيم النخعي يرى البيع جائزا ، وإن لم يفترقا . وقال سفيان الثوري ، وسفيان بن عيينة ، وابن أبي ذئب ، والليث بن سعد ، وعبد الله بن الحسن العنبري قاضي البصرة ، وسوار القاضي ، والشافعي وأصحابه ، وعبد الله بن المبارك : إذا عقد المتبايعان بيعهما ، فهما جميعا بالخيار في إتمامه وفسخه ما داما في مجلسهما ، ولم يفترقا بأبدانهما ، والتفرق في ذلك كالتفرق في الصرف سواء . [ ص: 15 ] وهو قول أحمد بن حنبل ، وإسحاق بن راهويه ، وأبي ثور ، وأبي عبيد ، وداود بن علي ، والطبري ; وروي ذلك عن عبد الله بن عمر ، وأبي برزة الأسلمي ، وسعيد بن المسيب ، وشريح القاضي ، والشعبي ، والحسن البصري ، وعطاء ، وطاوس والزهري ، وابن جريج ، ومعمر ، ومسلم بن خالد الزنجي ، والأوزاعي ، ويحيى القطان ، وعبد الرحمن بن مهدي ، وقال الأوزاعي : هما بالخيار ما لم يفترقا إلا بيوع ثلاثة : بيع السلطان للغنائم ، والشركة في الميراث ، والشركة في التجارة ; فإذا صافقه في هذه الثلاثة ، فقد وجب البيع وليسا فيه بالخيار . قال : وحد الفرقة ; أن يتوارى كل واحد منهما عن صاحبه ، وهو قول أهل الشام . وقال الليث : التفرق أن يقوم أحدهما .

قال أبو عمر : قد أكثر الشافعيون في بطلان ما اعتل به المالكيون والحنفيون في هذه المسألة ، فمن جملة ذلك أنهم قالوا : لا حجة فيما نزع به المخالف من قول الله عز وجل : ( أوفوا بالعقود ) ، لأن هذا عموم تعترضه ضروب من التخصيص ، وإن ما يجب أن توفي به من العقود ما كان عقدا صحيحا في الكتاب والسنة ، أو في أحدهما ; وما لم يكن كذلك فليس يجب الوفاء به ; ألا ترى أنهما لو عقدا بيعا في الطعام قبل أن يستوفى ، أو عقد بيع على شيء من الربا ، أو على شيء [ ص: 16 ] من البيوع المنهي عنها المكروهة ، التي وردت السنة بإبطالها - هل كان يجب الوفاء بشيء من ذلك ؟ قال - صلى الله عليه وسلم - : كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد ولا طاعة إلا في المعروف

وأما ما اعتلوا به من ظواهرالآثار فغير لازم ، لأن البيع لا يتم إلا بالافتراق ، فلا وجه لما قالوه ; وأما اعتلالهم بقوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده : ولا يحل له أن يفارقه خشية أن يستقيله فإن هذا معناه إن صح على الندب ; بدليل قوله - صلى الله عليه وسلم - : من أقال مسلما أقال الله عثرته وبإجماع المسلمين على أن ذلك يحل لفاعله على ظاهر الحديث ، وقد كان ابن عمر - وهو الذي روى حديث البيعان بالخيار ما لم يفترقا - إذا بايع أحدا وأحب أن ينفذ البيع مشى قليلا ثم رجع ، وفي حديث عمرو بن شعيب أيضا ما يدل على أنه لا بيع بينهما ، وأن كل واحد منهما بالخيار على صاحبه ما لم يفترقا . [ ص: 17 ] حدثنا عبد الوارث بن سفيان ، قال حدثنا قاسم بن أصبغ ، قال حدثنا مطلب بن شعيب ، قال حدثنا أبو صالح ، وأخبرنا عبد الله بن محمد ، قال حدثنا محمد بن بكر ، قال حدثنا أبو داود ، قال حدثنا قتيبة بن عجلان عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن عبد الله بن عمرو بن العاص ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : المتبايعان بالخيار ما لم يفترقا إلا أن تكون صفقة خيار ولا يحل له أن يفارق صاحبه خشية أن يستقيله .

وأخبرنا سعيد بن نصر ، وعبد الوارث بن سفيان ، قالا حدثنا قاسم بن أصبغ ، قال حدثنا إسماعيل بن إسحاق ، قال حدثنا إسحاق بن محمد القروي ، قال حدثنا مالك عن سمي بن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : من أقال نادما في بيع أو قال بيعته أقاله الله يوم القيامة وروى عبد الرزاق عن معمر ، عن محمد [ ص: 18 ] ابن واسع ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ( بمثله ) . فهذا يدل على أن ذلك ندب . وقوله لا يحل لفظة منكرة ، فإن صحت فليست على ظاهرها ، لإجماع المسلمين أنه جائز له أن يفارقه لينفذ بيعه ولا يقيله إلا أن يشاء ، وفيما أجمعوا عليه من ذلك رد لرواية من روى : ولا يحل له أن يفارقه خشية أن يستقيله .

فإن لم يكن وجه هذا الخبر الندب ، وإلا فهو باطل بإجماع ; وأما ما اعتلوا به من أن الافتراق قد يكون بالكلام ، وأنه جائز أن يكون أريد بذكر الافتراق في هذا الحديث - الافتراق بالكلام ، فيقال لهم خبرونا عن الكلام الذي وقع به الاجتماع ، وتم به البيع ، أهو الكلام الذي أريد به الافتراق أم غيره ؟ فإن قالوا هو غيره ، فقد أحالوا وجاءوا بما لا يعقل ولأنه ليس ثم ذلك وإن قالوا هو ذلك الكلام بعينه ، قيل لهم كيف يجوز أن يكون الكلام الذي به اجتمعا وتم بيعهما ، به افترقا ، وبه انفسخ بيعهما ، هذا ما لا يفهم ولا يعقل ، والاجتماع ضد [ ص: 19 ] الافتراق ، فكيف يجوز أن يكون الكلام الذي اجتمعا به ، افترقا به نفسه ، هذا عين المحال والفاسد من المقال .

وأما قولهم المتساومان في معنى المتبايعين ، فلا وجه له ، لأنه لا تكون حينئذ في الكلام فائدة ; ومعلوم أن المتساومين بالخيار كل واحد منهما على صاحبه ، ما لم يقع الإيجاب بالبيع والعقد والتراضي ، فكيف يرد الخبر بما لا يفيد فائدة ، وهذا ما لا يظنه ذو لب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

وأما اعتلالهم بتسمية الفاعل بفعله الدائم ما دام يفعله ، كالمصلي والآكل ، وشبه ذلك ; فيدخل عليهم أن هذا لا يصح إلا في الأفعال المتعلقة بواحد كالصوم ، والصلاة ، والأكل ، والشرب ، وما أشبه ذلك ; أما الأفعال التي لا تتم إلا من اثنين كالمبايعة ، والمقاتة ، والمبارزة ، وما أشبه ذلك ; فلا يجوز أن يتم الاسم إلا وهو موجود منهما جميعا ، ويدخل عليهم أيضا أن السارق ، والزاني ، وما أشبههما ; لا يقع عليهما الاسم إلا بعد تمام الفعل الموجب للحد ، وما دام الاسم موجودا ، فالحد واجب ، إن لم يقم حتى يقام .

وأما قولهم لما لم يكن لاجتماع الأبدان تأثير في البيع ، فكذلك الافتراق بالأبدان لا يؤثر في البيع ، فيدخل عليهم أن [ ص: 20 ] التبايع لما لم يكن فيه بد من الكلام ، ثم ذكر عقبه التفريق ، علم أنه أريد به غير الكلام ; ويدل على ذلك فعل ابن عمر الذي روى الحديث ، وعلم مخرجه والمراد من معناه ; ومثل هذا قول عمر بن الخطاب لطلحة بن عبيد الله في الصرف لا تفارقه ولا إلى أن يلج بيته . وهو المفهوم من لسان العرب ، والمعروف من مرادها في مخاطباتها بالافتراق افتراق الأبدان ، وغير ذلك مجاز وتقريب واتساع . وبالله التوفيق .

حدثنا عبد الوارث بن سفيان ، قال حدثنا قاسم بن أصبغ ، قال حدثنا أحمد بن زهير ، قال حدثنا أبي ، قال حدثنا إسماعيل بن علية ، عن أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : البيعان بالخيار ما لم يتفرقا أو يكون بيع خيار قال وربما قال نافع أو يقول أحدهما اختر .

وحدثنا عبد الوارث ، قال حدثنا قاسم ، قال حدثنا محمد بن عبد السلام ، قال حدثنا محمد بن بشار ، وحدثنا عبد الوارث أيضا ، قال حدثنا قاسم ، قال حدثنا بكر بن حماد ، قال حدثنا [ ص: 21 ] مسدد ، قال حميد ، حدثنا يحيى بن عبيد الله ، قال أخبرني نافع عن ابن عمر ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : كل بيعين أحدهما على صاحبه بالخيار ما لم يتفرقا أو يكون خيارا .

وقرأت على عبد الوارث أيضا ، أن قاسم بن أصبغ حدثهم ، قال حدثنا أحمد بن زهير ، قال حدثنا أبي ، قال حدثنا ابن عيينة ، عن ابن جريج ، قال أملى علي نافع ، سمع عبد الله بن عمر يقول : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إذا تبايع المتبايعان فكل واحد منهما بالخيار من بيعه ما لم يتفرقا أو يكون بيعهما عن خيار ( فإن كان بيعهما عن خيار ) فقد وجب .

وحدثنا عبد الوارث ، قال حدثنا قاسم ، قال حدثنا أحمد بن زهير ، قال حدثنا موسى بن داود ، حدثنا الليث بن سعد عن نافع ، عن ابن عمر ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : إذا تبايع [ ص: 22 ] الرجلان ، فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا ، وكانا جميعا أو يخير أحدهما الآخر . فإن خير أحدهما الآخر فتبايعا على ذلك فقد وجب البيع ، وإن تفرقا بعد أن تبايعا ولم يترك واحد منهما البيع فقد وجب البيع .

وحدثنا أحمد بن قاسم بن عبد الرحمن ، وعبد الوارث بن سفيان ، قالا حدثنا قاسم بن أصبغ ، قال حدثنا الحارث بن أبي أسامة ، قال حدثنا أبو نعيم ، قال حدثنا سفيان عن عبد الله بن دينار ، عن ابن عمر ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : كل بيعين لا بيع بينهما حتى يتفرقا إلا بيع الخيار

وأما حديث حكيم بن حزام ، فرواه شعبة عن قتادة ، أنه سمعه من أبي الخليل ، عن عبيد الله بن الحارث ، عنه ، أخبرنا عبد الله بن محمد ، قال حدثنا محمد بن بكر ، قال حدثنا أبو الوليد الطيالسي ، قال حدثنا شعبة ، عن قتادة ، عن أبي الخليل ، عن عبيد الله بن الحارث ، عن حكيم بن حزام ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : البيعان بالخيار ما لم يفترقا ، فإن [ ص: 23 ] صدقا وبينا ، بورك لهما في بيعهما ، وإن كتما وكذبا ، محقت البركة من بيعهما .

وأما حديث سمرة فرواه شعبة ، وهشام الدستوائي ، وسعيد بن أبي عروبة ، وهمام ، وحماد بن سلمة ، وغيرهم ، عن قتادة ، عن الحسن ، عن سمرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : البيعان بالخيار ما لم يتفرقا وبعضهم يزيد فيه ، أو يكون بيعهما على خيار .

واختلف العلماء في معنى قوله : - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث : إلا بيع الخيار وقوله أو يكون بيعهما عن خيار فقال قائلون : هذا الخيار المشترط من كل واحد منهما على حسب ما يجوز من ذلك ، كالرجل يشترط الخيار ثلاثة أيام أو نحوها ، ( فإن المسلمين على شروطهم ) ; وهذا قول الشافعي ، وأبي ثور ، وجماعة ، وقال آخرون : معنى قوله إلا بيع الخيار ، وقوله إلا أن يكون بيعهما عن خيار ونحو هذا ، هو أن يقول أحدهما بعد تمام البيع لصاحبه : اختر إنفاذ البيع أو فسخه ، فإن اختار إمضاء البيع ، تم البيع بينهما ، وإن لم يتفرقا ; هذا قول الثوري ، والليث بن سعد ، والأوزاعي ، وابن عيينة ، [ ص: 24 ] وعبيد الله بن الحسن ، وإسحاق بن راهويه ، وروي ذلك أيضا عن الشافعي ، وكان أحمد بن حنبل يقول : هما بالخيار أبدا ، قالا هذا القول أو لم يقولاه حتى يفترقا بأبدانهما من مكانهما .

حدثنا عبد الله بن محمد ، قال حدثنا محمد بن بكر ، قال حدثنا أبو داود ، قال حدثنا مسدد ، قال حدثنا حماد عن جميل بن مرة ، عن أبي الوضي ، قال : غزونا غزوة فنزلنا منزلا ، فباع صاحب لنا فرسا بغلام ، ثم أقاما بقية يومهما وليلتهما ، فلما أصبحا من الغد وحضر الرجل ، قام إلى فرسه ليسرجه فندم ، فأتى صاحبه فقال : بيني وبينك أبو برزة صاحب النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فأتيا أبا برزة في ناحية العسكر ، فقصا عليه القصة ، فقال : أترضيان أن أقضي بينكما بقضاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : البيعان بالخيار ما لم [ ص: 25 ] يفترقا قال هشام بن حسان : وحدث جميل أنه قال : ما أراكما افترقتما .

قال أبو عمر : جميل بن مرة يكنى أبا الوسمي ، بصري ، ثقة ، عند أحمد بن حنبل ، وغيره ، روى عنه حماد بن زيد ، وجماعة ، وأبو الوضي السحتني ، قال أحمد بن صالح تابعي ، ثقة ، سمع أبا برزة ، والحسن بن علي ، وغيرهما ، روى عنه هشام بن حسان ، وجميل بن مرة ، وقال الطحاوي : حديث أبي برزة هذا قال فيه جميل بن مرة ، عن أبي الوضي : باع صاحب لنا فرسا ، وقال فيه : أقمنا يومنا وليلتنا ، فلما كان من الغد ، قال هشام بن حسان ، عن أبي الوضي ، أنهم اختصموا إلى أبي برزة في جارية - وفيه : فبات المشتري مع [ ص: 26 ] البائع ، فلما أصبح قال لا أرضاها ، وبعضهم يقول فيه فقام معها ، قال أبو جعفر : ولا شك إذا كانا قد أقاما بعد تبايعهما يوما وليلة أنهما قد قاما إلى غائط ، أو بول ، أو صلاة ، أو قام إلى إسراج الفرس ، وقد قام معها في قصة الجارية ، وهذا عند الجميع تفرق ; قال : فمعنى قول أبي برزة في التفرق هاهنا التفرق بالبيع . لأن أحدهما أدى البيع والآخر جحده .

قال أبو عمر : الصحيح في حديث أبي برزة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : البيعان بالخيار ما لم يتفرقا وغير ذلك تأويل أبي برزة ، والمراد من الحديث قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وقد جاء عن ابن عمر في تأويله غير ما ذهب إليه أبو برزة ، وابن عمر أفقه من أبي برزة وروايته أصح ، وحديثه أثبت ، وهو الذي عول عليه أكثر الفقهاء في هذا الباب ; قرأت على عبد الوارث بن سفيان ، قال حدثنا قاسم بن أصبغ ، قال حدثنا مطلب بن شعيب ، قراءة عليه ، قال : حدثنا عبد الله بن صالح ، قال حدثني الليث ، قال حدثني يونس ، عن ابن شهاب ، عن سالم بن عبد الله قال : قال ابن عمر : كنا إذا تبايعنا كان [ ص: 27 ] كل واحد منا بالخيار ما لم يفترق المتبايعان ، قال فتبايعت أنا وعثمان مالا لي بالوادي بمال كثير ( بخيبر ) قال فلما بايعته طفقت على عقبي القهقرى ، خشية أن يرد لي عثمان البيع قبل أن أفارقه .

وأما قوله في حديث مالك ، عن نافع ، عن ابن عمر المذكور : إلا بيع الخيار ، فقد مضى ما للعلماء في تأويل هذه اللفظة ; واختلفوا في شرط الخيار ومدته ، فقال مالك : يجوز شرط الخيار شهرا أو أكثر ، هكذا حكى ابن خواز منداد عنه ، وهو قول ابن أبي ليلى ، وأبي يوسف ، ومحمد بن الحسن ، والأوزاعي ، كلهم يقول بجواز اشتراط الخيار شهرا أو أكثر والشرط لازم إلى الوقت الذي يشترط فيه الخيار ، وهو قول أحمد بن حنبل ، وأبي ثور ، وإسحاق ، ولم يفرقوا بين أجناس المبيعات ; وذكر ابن القاسم ، وغيره ، عن مالك قال : يجوز شرط الخيار في بيع الثوب - اليوم ، واليومين ، وما أشبه ذلك ; وما كان أكثر من ذلك فلا خير فيه ، وفي الجارية يكون أبعد من ذلك قليلا : الخمسة أيام ، والجمعة ، ونحو ذلك ; وفي الدابة اليوم ، وما أشبهه ، يركبها ليعرف ويختبر ويستشير [ ص: 28 ] فيها ، وما بعد من أجل الخيار فلا خير فيه ، ولا فرق بين شرط الخيار للبائع والمشتري ; وقال الليث بن سعد : يجوز الخيار اليوم واليومين والثلاثة ، قال : وما بلغنا فيه وقت إلا أنا نحب أن يكون ذلك قريبا إلى ثلاثة أيام ، قال الشافعي ، وأبو حنيفة ، وأصحابهما : يجوز البيع في الأشياء بشرط الخيار للبائع والمشتري ثلاثة أيام ، إلا فيما يجب تعجيله في المجلس ، نحو الصرف ، والسلم .

وقال أبو حنيفة ، وزفر ، والشافعي : لا يجوز اشتراط الخيار أكثر من ثلاث في شيء من الأشياء ، فإن فعل فسد البيع ; قال الشافعي : ولولا الخبر ما جازت الثلاثة ولا غيرها في الخيار ، وقال ابن شبرمة والثوري : لا يجوز اشتراط الخيار للبائع بحال ، قال الثوري : إن اشترط البائع الخيار فالبيع فاسد ; قال ويجوز شرط الخيار للمشتري عشرة أيام وأكثر . وقال الحسن بن حي : إذا اشترى الرجل الشيء فقال له البائع اذهب فأنت فيه بالخيار ، فهو فيه بالخيار أبدا ، حتى يقول قد رضيت ، وقال : ما أدري ما الثلاث إذا باعه فقد رضي ؟ وإن كانت جارية بكرا فوطئها فقد رضي ، وقال عبيد الله بن الحسن : [ ص: 29 ] لا يعجبني طول الخيار ، وكان يقول للمشتري الخيار ما رضي البائع ، ولا يجوز عند مالك النقد في بيع الخيار ، فإن اشترط النقد في بيع الخيار فالبيع فاسد ، وفي مذهب أبي حنيفة أيضا ، لا يجب نقد الثمن مع بقاء الخيار ، فإن اشترط نقد الثمن مع بقاء الخيار ، فالشرط فاسد ، والبيع صحيح .

قال أبو عمر : أما الخبر الذي يزعم الشافعي أنه لولاه ما جاز اشتراط الخيار للبائع أصلا ، ولا للمشتري ، وإنما أجازه ثلاثا من أجله ; فحديث سفيان بن عيينة ، رواه الشافعي والناس عنه ، عن محمد بن إسحاق ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أن منقذا شج في رأسه مأمومة في الجاهلية ، فحبلت لسانه ، فكان مخدعا في البيع ، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : بع وقل ولا خلابة ، ثم أنت بالخيار ، ثلاثا من بيعك .

وحديث أيوب وهشام بن حسان ، عن محمد بن سيرين ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : من ابتاع مصراة فهو بالخيار ثلاثة أيام . وروى عبيد الله بن عمر ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - [ ص: 30 ] - مثله ، وسنذكر المصراة والحكم فيها ، وما للعلماء في ذلك ، في باب أبي الزناد من كتابنا هذا - إن شاء الله . وجماعة الفقهاء بالحجاز ، والعراق ، يقولون : إن مدة الخيار إذا انقضت قبل أن يفسخ من له الخيار البيع ، تم البيع ولزم ; وبه قال المتأخرون من الفقهاء أيضا : أبو ثور ، وغيره ، إلا أن مالكا قال : إذا اشترط المشتري الخيار لنفسه ثلاثا ، فأتى به بعد مغيب الشمس من آخر أيام الخيار ، أو من الغد ، أو قرب ذلك ، فله أن يرد ، وإن تباعد ذلك لم يرد ; وهو رأي ابن القاسم . قال مالك : إن اشترط أنه إن غابت الشمس من آخر أيام الخيار فلم يأت بالثوب ، لزم البيع ، فلا خبر في هذا البيع ، وهذا مما انفرد به أيضا رحمه الله ; وحجة من أجاز الخيار واشترطه أكثر من ثلاث ; قوله - صلى الله عليه وسلم - : المسلمون على شروطهم .

قال أبو عمر : ومن هذا الباب أيضا اختلافهم في لفظ الإيجاب والقبول ، فقال مالك : إذا قال بعني سلعتك بعشرة ، فقال بعتك ، صح البيع ، ولا يحتاج الأول أن يقول : قد قبلت . وهو قول الشافعي في البيوع ، إلا أنه قال : في النكاح إذا [ ص: 31 ] قال له : قد زوجتك ، وقال قد قبلت . لم يصح حتى يقول المتزوج زوجني ابنتك ، ويقول الآخر قد زوجتكها ; ويقول المتزوج : قد قبلت نكاحها .

وقال أبو حنيفة وأصحابه : إذا قال بعني سلعتك بكذا ، فقال الآخر قد بعتك لم يصح ، إلا أن يقول الأول قد قبلت ، وهو قول ابن القاسم ، وذكر الطحاوي عن أبي حنيفة وأصحابه ، إذا قال زوجني ، فقال قد زوجتكها ، كان تزويجا ; ولا يحتاج إلى قبول الزواج بعد ذلك ، قال : فرقوا بين البيع والنكاح .

وحكي عن الشافعي أن قوله في البيوع أيضا مثل قوله في النكاح ، ولم يختلف قوله في النكاح .

وقال الحسن بن حي : إذا قال أبيعك هذا الثوب بثمن - ذكره ، فقال المشتري : قد قبلت ، فالبائع بالخيار إن شاء ألزمه ، وإن شاء لم يلزمه .

وعن مالك في هذا الباب مسألة يخالفه فيها الجماعة الفقهاء فيما ذكر الطحاوي ، قال مالك فيما ذكر ابن القاسم عنه : إذا قال بكم سلعتك ؟ فيقول مائة دينار ، فيقول الرجل أخذتها ، فيقول : [ ص: 32 ] لا أبيعك . وقد كان أوقفها للبيع ، فإنه يحلف بالله ما ساومه على الإيجاب في البيع ، ولا على الركون ، وإنما ساومه وهو يريد غير الركون ، فإن حلف كان القول قوله ، وإن لم يحلف لزمه .

قال أبو جعفر الطحاوي : ما ذكر ابن القاسم عن مالك ; بأنه يصدق أنه لم يرد به عقد بيع في الخطاب الذي ظاهره البيع ، فإذا لم نعلم أحدا من أهل العلم قاله غيره ، وجاز الخيار عند مالك وأصحابه ( إلى غير مدة معلومة ) ، إذا جعل الخيار بغير مدة معلومة ، ويجعل السلطان له في ذلك من الخيار ما يكون في مثل تلك السلعة .

وقال أبو حنيفة وأصحابه : إذا جعل الخيار بغير مدة معلومة ، فسد البيع كالأجل الفاسد سواء ; فإن أجازه في الثلاث ، جاز عند أبي حنيفة ، وإن لم يجزه حتى مضت الثلاث ، لم يكن له أن يجيز .

وقال أبو يوسف ، ومحمد : له بعد الثلاث . وقياس قول الشافعي عندي في هذه المسألة ; أن يكون البيع فاسدا ، ولا يجوز وإن أجازه في الثلاث . [ ص: 33 ] وقالت طائفة ، منهم الحسن بن حي ، وغيره : جائز اشتراط الخيار بغير مدة ، ويكون الخيار أبدا .

وقال الطبري : إذا لم يضرب للخيار وقتا معلوما كان البيع صحيحا والثمن حالا ، وكان له الخيار في الوقت ; إن شاء أمضى ، وإن شاء رد ; وعند مالك ، والشافعي ، وعبيد الله بن الحسن : يورث الخيار ، ويقوم ورثة الذي له الخيار مقامه إن مات في أيام الخيار .

وقال الثوري ، وأبو حنيفة : يبطل الخيار بموت من له الخيار ويتم البيع ، وعند مالك ، والليث بن سعد ، والأوزاعي : هلاك المبيع في أيام الخيار من البائع منه مصيبة ، والمشتري أمين ، وهو قول ابن أبي ليلى : إذا كان الخيار للبائع خاصة ، وقال الثوري : إذا كان الخيار للمشتري فعليه الثمن .

وقال أبو حنيفة : إن كان الخيار للبائع فالمشتري ضامن للقيمة ، وإن كان الخيار للمشتري فعليه الثمن ، وقد تم البيع ، على كل حال بالهلاك ; وحكى الربيع مثل ذلك عن الشافعي ، وقال الشافعي : فيما حكى المازني عنه : لأيهما كان الخيار ، فالمشتري ضامن للقيمة إذا هلك في يده بعد قبضه [ ص: 34 ] له ، وهذا كله على أصولهم في هلاك المبيع بعد القبض عند المشتري على ما تقدم عنهم ذكره في الباب قبل هذا ، فهذه أمهات مسائل الخيار وأصوله ، وأما الفروع في ذلك فلا تكاد تحصى ، وليس في مثل كتابنا تتقصى .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث