الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الحديث الخامس عشر أن رسول الله نهى عن الشغار

جزء التالي صفحة
السابق

1134 [ ص: 70 ] حديث خامس عشر لنافع عن ابن عمر

مالك ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الشغار .

التالي السابق


هكذا رواه جملة أصحاب مالك ، وقال فيه ابن وهب ، عن مالك ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : نهى عن نكاح الشغار ، وكلهم ذكر عن مالك في تفسير الشغار - أنه الرجل يزوج ابنته أو وليته من رجل على أن يزوج ذلك الرجل منه ابنته أيضا ، أو وليته ، ويكون بضع كل واحدة منهما ; صداقا للأخرى دون صداق [ ص: 71 ] وهذا ما لا خلاف بين العلماء فيه أنه الشغار المنهي عنه في هذا الحديث ، وللشغار في اللغة معنى لا مدخل له هاهنا ، وذلك أنه مأخوذ عندهم من شغر الكلب إذا رفع رجله للبول ، وذلك زعموا لا يكون منه إلا بعد مفارقة حال الصغر إلى حال يمكن فيها طلب الوثوب للنسل ، وهو عندهم للكلب إذا فعله علامة بلوغه إلى حال الاحتلام من الرجال ، ولا يرفع رجله للبول إلا وهو قد بلغ ذلك المبلغ ، يقال منه شغر الكلب يشغر شغرا ، إذا رفع رجله فبال ، أو لم يبل ، ويقال شغرت بالمرأة أشغرها شغرا إذا رفعت رجليها للنكاح ، فهذا معنى الشغار في اللغة ; وأما معناه في الشريعة ، فأن ينكح الرجل رجلا وليته على أن ينكحه الآخر وليته بلا صداق بينهما - على ما قاله مالك ، وجماعة الفقهاء ; وكذلك ذكره خليل في كتابه أيضا . [ ص: 72 ] وأجمع العلماء على أن نكاح الشغار مكروه لا يجوز ، واختلفوا فيه إذا وقع ( هل يصح ) بمهر المثل أم لا ، فقال مالك : لا يصح النكاح في الشغار ، دخل بها أو لم يدخل ، ويفسخ أبدا ; قال : وكذلك لو قال أزوجك ابنتي على أن تزوجني ابنتك بمائة دينار ، ولا خير في ذلك ; قال ابن القاسم : لا يفسخ النكاح في هذا إن دخل ، ويثبت بمهر المثل ، ويفسخ في الأول دخل أو لم يدخل ، على ما قال مالك . وقال الشافعي : إذا لم يسم لواحدة منهما مهرا - وشرط أن يزوجه ابنته على أن يزوجه الآخر ابنته ، وهو يلي أمرها على أن صداق كل واحدة منهما بضع الأخرى ، ولم يسم صداقا فهذا الشغار ، ولا يصح ويفسخ . قال : ولو سمي لإحداهما ، أو لهما صداقا ، فالنكاح ثابت بمهر المثل ، والمهر فاسد ولكل واحدة منهما مهر مثلها إن كان دخل بها ، ونصف مهر مثلها إن كان طلقها قبل الدخول . وقال أبو حنيفة : إذا قال أزوجك ابنتي ، أو أختي ، على أن تزوجني ابنتك ، فتكون كل واحدة منهما مهر الأخرى ، فهو الشغار ، ويصح النكاح بمهر المثل ، وهو قول الليث بن سعد ، وبه قال الطبري . [ ص: 73 ]

قال أبو عمر : حجة من قال هذا القول ، أن الشريعة قد نهت عن صداق الخمر ، والخنزير ، والغرر ، والمجهول ، والنكاح في ذلك كله يصح بمهر المثل . والأصل عندهم أن التزويج مضمن بنفسه ، لا يبدله ، وليس بمفتقر في العقد إلى الصداق .

لأن القرآن قد ورد بجواز العقد في النكاح دون صداق ، بقوله : ( لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ) يريد ما لم تمسوهن وما لم تفرضوا لهن فريضة يعني : صداقا ، فسماه نكاحا ، وجعل فيه الطلاق ، ولم يكن فيه ذكر الصداق .

وحجة مالك ، والشافعي ، ومن أبطل نكاح الشغار ، أنه نكاح طابق النهي ففسد - امتثالا لنهيه - صلى الله عليه وسلم - ، لقوله عز وجل : ( وما نهاكم عنه فانتهوا ) وقال - صلى الله عليه وسلم - : كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد يعني مردودا .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث