الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الحديث الثالث والعشرون إنما مثل صاحب القرآن كمثل صاحب الإبل المعقلة

جزء التالي صفحة
السابق

473 [ ص: 131 ] حديث ثالث وعشرون لنافع عن ابن عمر

مالك ، عن نافع ، عن ( عبد الله ) بن عمر ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : إنما مثل صاحب القرآن كمثل صاحب الإبل المعقلة ، إن عاهد عليها أمسكها ، وإن أطلقها ذهبت .

التالي السابق


في هذا الحديث التعاهد للقرآن ودرسه والقيام به وفيه الإخبار أنه يذهب عن صاحبه وينساه - إن لم يتعاهد عليه ويقرأه ويدمن تلاوته ، وقد جاء عنه - صلى الله عليه وسلم - وعيد شديد فيمن حفظ القرآن ثم نسيه . كل ذلك حض منه على حفظه والقيام به ، حدثنا عبد الوارث بن سفيان ، وسعيد بن نصر ، قالا حدثنا قاسم بن أصبغ ، قال حدثنا عبد الله بن روح ، قال حدثنا عثمان بن عمر بن فارس ، أخبرنا شعبة ، عن يزيد بن أبي [ ص: 132 ] زياد ، قال : سمعت رجلا من أهل الجزيرة يقال له عيسى يحدث ، عن سعد بن عبادة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : من تعلم القرآن ثم نسيه لقي الله يوم القيامة وهو أجذم . معناه عندي منقطع الحجة - والله أعلم - وذكره ابن أبي شيبة ، عن ابن فضل ، عن يزيد ، عن أبي زياد ، عن عيسى بن فائد ، قال حدثني فلان ، عن سعد بن عبادة سمعه من النبي - صلى الله عليه وسلم .

وقال ابن عيينة : في معنى حديث سعد بن عبادة هذا ، وما كان مثله ، إن ذلك في ترك القرآن وترك العمل بما فيه ، وإن النسيان أريد به هاهنا الترك نحو قوله ( اليوم ننساكم كما نسيتم لقاء يومكم هذا ) قال : وليس من اشتهى حفظه وتفلت منه بناس له ، إذا كان يحل حلاله ، ويحرم حرامه ، لأن هذا ليس بناس له ، قال ولو كان كذلك ما نسي النبي عليه السلام منه شيئا وقد نسي ، وقال : ذكرني هذا آية نسيتها . وقال الله عز وجل : ( سنقرئك فلا تنسى إلا ما شاء الله ) فلم يكن الله لينسي نبيه - عليه السلام ، والناس كما يقول هؤلاء الجهال : حدثنا إبراهيم بن شاكر ، وسعيد بن نصر ، قال [ ص: 133 ] حدثنا عبد الله بن عثمان ، حدثنا سعيد بن معاذ ، حدثنا ابن أبي مريم ، حدثنا نعيم بن حماد ، عن ابن عيينة فذكره .

وكان الصحابة - رضي الله عنهم - وهم الذين خوطبوا بهذا الخطاب ، لم يكن منهم من يحفظ القرآن كله ويكمله على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا قليل ، منهم : أبي بن كعب ، وزيد بن ثابت ، ومعاذ بن جبل ، وأبو زيد الأنصاري ، وعبد الله بن مسعود ، وكلهم كان يقف على معانيه ومعاني ما حفظ منه ، ويعرف تأويله ، ويحفظ أحكامه ، وربما عرف العارف منهم أحكاما من القرآن كثيرة ، وهو لم يحفظ سورها ; قال حذيفة بن اليمان : تعلمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرآن ، وسيأتي قوم في آخر الزمان يتعلمون القرآن قبل الإيمان . ولا خلاف بين العلماء في تأويل قول الله عز وجل ( يتلونه حق تلاوته ) أي يعملون به حق عمله ويتبعونه حق اتباعه ; قال عكرمة ألم تستمع إلى قول الله عز وجل : ( والقمر إذا تلاها ) أي تبعها .

وفي هذا الحديث دليل على أن من لم يتعاهد علمه ، ذهب عنه ، أيا من كان ; لأن علمهم كان ذلك الوقت القرآن لا غير ، وإذا كان القرآن الميسر للذكر يذهب إن لم يتعاهد ، فما ظنك [ ص: 134 ] بغيره من العلوم المعهودة ، وخير العلوم ما ضبط أصله واستذكر فرعه ، وقاد إلى الله تعالى ، ودل على ما يرضاه ، حدثنا أحمد بن قاسم ، وعبد الوارث بن سفيان ، قالا حدثنا قاسم بن أصبغ ، قال حدثنا الحارث بن أبي أسامة ، قال حدثنا يزيد بن هارون ، قال أخبرنا هشام ، عن قتادة ، عن زرارة بن أوفى ، عن سعد بن هشام ، عن عائشة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : الماهر بالقرآن مع السفرة ، الكرام البررة ; والذي يقرأه يشق عليه له أجره مرتين .

حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله ، قال : حدثنا تميم بن محمد ، قال حدثنا عيسى بن مسكين ، قال حدثنا سحنون ; وأخبرنا عبد الوارث ، قال حدثنا قاسم بن أصبغ ، قال حدثنا ابن وضاح ، قال حدثنا أبو الطاهر ، قالا حدثنا ابن وهب ، قال أخبرنا يحيى بن أيوب ، عن زياد بن فائد ، عن سهل بن معاذ الجهني ، عن أبيه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : من قرأ [ ص: 135 ] القرآن ، وعمل بما فيه ، ألبس والداه يوم القيامة تاجا ، ضوؤه أحسن من ضوء الشمس الدنيا لو كانت فيه ، فما ظنكم من عمل بهذا .

حدثنا سعيد بن نصر ، وعبد الوارث ، قالا حدثنا قاسم بن أصبغ ، قال حدثنا محمد بن إسماعيل ، قال حدثنا الحميدي ، قال حدثنا سفيان ، قال أخبرني منصور ، عن أبي وائل قال : سمعت عبد الله بن مسعود يقول : تعاهدوا القرآن فهو أشد تفصيا من صدور الرجال ، من النعم من عقله . وقال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بئسما لأحدكم أن يقول نسيت آية كيت وكيت بل هو نسي

حدثنا عبد الله بن محمد ، قال حدثنا محمد بن بكر ، قال حدثنا أبو داود ، قال حدثنا عبد الوهاب بن عبد الحكم الخزاز ، حدثنا عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد ، عن ابن جريج ، عن المطلب بن عبد الله بن حنطب ، عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم : عرضت علي أجور أمتي [ ص: 136 ] حتى القذاة يخرجها الرجل من المسجد ، وعرضت علي ذنوب أمتي ، فلم أر ذنبا أعظم من سورة من القرآن أو آية من القرآن أوتيها رجل ثم أنسيها . وليس هذا الحديث مما يحتج به لضعفه . وبالله التوفيق .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث