الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الحديث الثامن والأربعون لا تلبسوا القمص ولا العمائم ولا السراويلات ولا البرانس

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

716 [ ص: 102 ] [ ص: 103 ] حديث ثامن وأربعون لنافع ، عن ابن عمر

مالك ، عن نافع ، عن ابن عمر أن رجلا سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما يلبس المحرم من الثياب ؟ ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لا تلبسوا القمص ، ولا العمائم ، ولا السراويلات ، ولا البرانس ، ولا الخفاف إلا أحد لا يجد نعلين فيلبس الخفين وليقطعهما أسفل من الكعبين ، ولا تلبسوا شيئا من الثياب مسه الزعفران ولا الورس .

التالي السابق


قال أبو عمر : كل ما في هذا الحديث فمجتمع عليه من أهل العلم أنه لا يلبسه المحرم ما دام محرما .

ورواه ابن شهاب ، عن سالم بن عبد الله بن عمر ، عن أبيه ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مثله سواء .

[ ص: 104 ] رواه عن ابن شهاب معمر ، وابن عيينة وإبراهيم بن سعد ، وغيرهم وليس هذا الحديث عند مالك ، عن ابن شهاب ، وفي معنى ما ذكر في هذا الحديث من القمص والسراويلات والبرانس يدخل المخيط كله بأسره ، فلا يجوز لباس شيء منه للمحرم عند جميع أهل العلم ، وأجمعوا أن المراد بهذا الخطاب في اللباس المذكور الرجال دون النساء ، وأنه لا بأس للمرأة بلباس القميص والدرع والسراويل ، والخمر ، والخفاف ، وأجمعوا أن الطيب كله لا يجوز للمحرم أن يقربه متطيبا به زعفرانا كان أو غيره ، وإنما اختلفوا فيمن تطيب قبل إحرامه هل له أن يبقي الطيب على نفسه ، وهو محرم أم لا ، وقد ذكرنا ما للعلماء في ذلك في باب حميد بن قيس من كتابنا هذا - والحمد لله - ، وأجمعوا أن إحرام الرجل في رأسه ، وأنه ليس له أن يغطي رأسه لنهي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المحرم عن لبس البرانس والعمائم ، وهذا ما لا خلاف - والحمد لله - فيه .

وأجمعوا على أن إحرام المرأة في وجهها ، وروي عن النبي - عليه السلام - أنه نهى المرأة الحرام عن النقاب والقفازين .

[ ص: 105 ] أخبرنا محمد بن إبراهيم ، قال : حدثنا محمد بن معاوية ، قال : حدثنا أحمد بن شعيب ، وأخبرنا عبد الله بن محمد ، قال : حدثنا محمد بن بكر ، قال : حدثنا أبو داود قالا : حدثنا قتيبة بن سعيد ، قال : حدثنا الليث ، عن نافع ، عن ابن عمر قال : قام رجل ، فقال : يا رسول الله ، ماذا تأمرنا أن نلبس من الثياب في الحرم ؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لا تلبسوا القميص ، ولا السراويلات ، ولا العمائم ، ولا البرانس ، ولا الخفاف إلا أن يكون أحد ليس له نعلان فليلبس الخفين أسفل من الكعبين ، ولا تلبسوا شيئا من الثياب مسه الزعفران ولا الورس ، ولا تنتقب المرأة الحرام ، ولا تلبس القفازين .

قال أبو داود : روى هذا الحديث حاتم بن إسماعيل ويحيى بن أيوب ، عن موسى بن عقبة ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن النبي - عليه السلام - على ما قال الليث . ورواه أبو قرة موسى بن طارق ، عن موسى بن عقبة ، عن نافع موقوفا ، عن ابن عمر .

[ ص: 106 ] قال أبو عمر : رفعه صحيح عن ابن عمر رواه ابن إسحاق ، عن نافع ، عن ابن عمر مرفوعا ، ورواه ابن المبارك ، عن موسى بن عقبة ، عن نافع ، عن ابن عمر مرفوعا أيضا فهذا يصحح ما رواه الليث وحاتم بن إسماعيل ويحيى بن أيوب .

أخبرنا عبد الله بن محمد ، حدثنا محمد بن بكر ، قال : حدثنا أبو داود ، قال : حدثنا أحمد بن حنبل ، قال : حدثنا يعقوب بن إبراهيم ، قال : حدثني أبي ، عن ابن إسحاق ، قال : حدثني نافع ، عن عبد الله بن عمر أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى النساء في إحرامهن عن القفازين والنقاب ، وما مسه الورس والزعفران من الثياب ولتلبس بعد ذلك ما أحبت من ألوان الثياب من معصفر ، أو خز ، أو حلي ، أو سراويل ، أو قمص ، أو خف .

قال أبو داود : روى هذا الحديث ، عن ابن إسحاق عبدة ومحمد بن سلمة إلى قوله : وما مس الورس والزعفران من الثياب ، ولم يذكرا ما بعده .

[ ص: 107 ] أخبرنا محمد بن إبراهيم ، قال : حدثنا محمد بن معاوية ، قال : أخبرنا أحمد بن شعيب ، أخبرنا سويد بن نصر ، أخبرنا عبد الله ، عن موسى بن عقبة ، عن نافع ، عن ابن عمر أن رجلا قام ، فقال : يا رسول الله ، ماذا تأمرنا أن نلبس من الثياب في الإحرام ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لا تلبسوا القمص ، ولا السراويلات ، ولا الخفاف ، إلا أن يكون رجل ليس له نعلان فليلبس الخفين أسفل من الكعبين ، ولا يلبس شيئا من الثياب مسه الزعفران والورس ، ولا تنتقب المرأة الحرام ، ولا تلبس القفازين . وعلى كراهية النقاب للمرأة جمهور علماء المسلمين من الصحابة ، والتابعين ، ومن بعدهم من فقهاء الأمصار أجمعين لم يختلفوا في كراهية الانتقاب ، والتبرقع للمرأة المحرمة إلا شيء روي عن أسماء بنت أبي بكر أنها كانت تغطي وجهها ، وروي عن عائشة أنها قالت : تغطي المحرمة وجهها إن شاءت ، وقد روي عنها أنها لا تفعل ، وعليه الناس .

وأما القفازان فاختلفوا فيهما أيضا فروي عن سعد بن أبي وقاص أنه كان يلبس بناته وهن محرمات القفازين ، ورخصت [ ص: 108 ] فيهما عائشة أيضا ، وبه قال عطاء والثوري ومحمد بن الحسن ، وهو أحد قولي الشافعي ، وقد يشبه أن يكون مذهب ابن عمر ، لأنه كان يقول إحرام المرأة في وجهها ، وقال مالك : إن لبست المرأة القفازين افتدت وللشافعي قولان في ذلك أحدهما تفتدي والآخر لا شيء عليها .

قال أبو عمر : الصواب - عندي - قول من نهى المرأة عن القفازين وأوجب عليها الفدية لثبوته عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا خلاف بين العلماء بعد ما ذكرنا في أنه جائز للمرأة المحرمة لباس القمص ، والخفاف والسراويلات وسائر الثياب التي لا طيب فيها ، وأنها ليست في ذلك كله كالرجل ، وأجمعوا أن إحرامها في وجهها دون رأسها ، وأنها تخمر رأسها وتستر شعرها .

وأجمعوا أن لها أن تسدل الثوب على وجهها من فوق رأسها سدلا خفيفا تستتر به عن نظر الرجال إليها ، ولم يجيزوا لها تغطية وجهها إلا ما ذكرنا عن أسماء .

روى مالك ، عن هشام بن عروة ، عن فاطمة بنت المنذر أنها قالت : كنا نخمر وجوهنا ونحن محرمات مع أسماء بنت أبي بكر الصديق .

[ ص: 109 ] وقد يحتمل أن يكون ما روي عن أسماء في ذلك كنحو ما روي عن عائشة أنها قالت : كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونحن محرمون ، فإذا مر بنا راكب سدلنا الثوب من قبل رءوسنا وإذا جاوزنا الراكب رفعناه .

وأجمعوا أن الرجل المحرم لا يخمر رأسه على ما تقدم ذكرنا له ، واختلفوا في تخميرة وجهه فروي عن ابن عمر أنه قال : ما فوق الذقن من الرأس على المحرم أن لا يغطيه وإلى هذا ذهب مالك ، وأصحابه ، وبه قال محمد بن الحسن الشيباني ، وروي عن عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف ، وزيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير أنهم كانوا يغطون وجوههم وهم محرمون .

ذكر مالك في موطئه ، عن يحيى بن سعيد ، عن القاسم بن محمد ، قال : أخبرني القرافصة بن عمير الحنفي أنه رأى عثمان بن عفان بالعرج يغطي وجهه ، وهو محرم .

[ ص: 110 ] وعن عبد الله بن أبي بكر ، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة ، قال : رأيت عثمان بن عفان بالعرج ، وهو محرم في يوم صائف قد غطى وجهه بقطيفة أرجوان ثم أتي بلحم صيد ، فقال لأصحابه كلوا ، فقالوا : ولا تأكل ، فقال : إني لست كهيئتكم إنما صيد من أجلي .

وعن سعيد بن أبي وقاص وجابر بن عبد الله والقاسم بن محمد وطاوس أنهم أجازوا للرجل المحرم أن يغطي وجهه .

وبه قال الثوري ، والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه ، وأبو ثور .

وقال ابن القاسم : كره مالك للمحرم أن يغطي وجهه ، وأن يغطي ما فوق ذقنه ، لأن إحرامه عنده في وجهه ورأسه قيل لابن القاسم ، فإن فعل ، قال : لم أسمع من مالك فيه شيئا ، ولا أرى عليه شيئا لما جاء عن عثمان .

وقد روي عن مالك فيمن غطى وجهه ، وهو محرم أنه يفتدي .

وفي موضع آخر من كتاب ابن القاسم قيل أرأيت محرما غطى وجهه ورأسه في قول مالك ؟ قال : قال مالك : إن [ ص: 111 ] نزعه مكانه ، فلا شيء عليه ، وإن تركه ، فلم ينزعه مكانه حتى انتفع بذلك افتدى .

قلت : وكذلك المرأة إذا غطت وجهها ؟ قال : نعم إلا أن مالكا كان يوسع للمرأة أن تسدل رداءها من فوق رأسها على وجهها إذا أرادت سترا ، وإن كانت لا تريد سترا ، فلا تسدل .

وأجمعوا أن للمحرم أن يدخل الخباء والفسطاط ، وإن نزل تحت شجرة أن يرمي عليها ثوبا .

واختلفوا في استظلاله على دابته ، أو على المحمل فروي عن ابن عمر أنه قال : أصح لمن أحرمت له ، وبعضهم يرفعه عنه وكره مالك ، وأصحابه أن يستظل المحرم على محمله ، وبه قال عبد الرحمن بن مهدي وأحمد بن حنبل ، وروي عن عثمان بن عفان أنه كان يستظل ، وهو محرم ، وأنه أجاز ذلك للمحرم ، وبه قال عطاء بن أبي رباح والأسود بن يزيد ، وهو قول ربيعة والثوري ، وابن عيينة ، والشافعي ، وأصحابه ، وقال مالك : إن استظل المحرم في محمله افتدى ، وقال الشافعي ، وأبو حنيفة لا شيء عليه .

[ ص: 112 ] قال : ولا بأس أن يستظل إذا جافى ذلك عن رأسه ، وأجمعوا أن المحرم إذا وجد إزارا لم يجز له لبس السراويل ، واختلفوا فيه إذا لم يجد إزارا هل له لبس السراويل ، وإن لبسها على ذلك هل عليه فدية أم لا .

وفي الموطأ سئل مالك عما ذكر عن النبي - عليه السلام - أنه قال : من لم يجد إزارا فليلبس سراويل ، فقال مالك : لم أسمع بهذا ولا أرى أن يلبس المحرم سراويل ، لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن لبس السراويلات فيما نهى عنه من لبس الثياب التي لا ينبغي للمحرم أن يلبسها ، قال : ولم يستثن فيها كما استثنى في الخفين وقول أبي حنيفة في ذلك كقول مالك ويرون على من لبس السراويل ، وهو محرم الفدية وسواء عند مالك وجد الإزار ، أو لم يجد .

وقال عطاء بن أبي رباح ، والشافعي ، وأصحابه والثوري وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه ، وأبو ثور وداود إذا لم يجد المحرم إزارا لبس السراويل ، ولا شيء عليه ، وحجة [ ص: 113 ] من ذهب إلى هذا ما حدثناه عبد الله بن محمد ، قال : حدثنا محمد بن بكر ، قال : حدثنا أبو داود ، قال : حدثنا سليمان بن حرب ، قال : حدثنا حماد بن زيد ، عن عمرو بن دينار ، عن جابر بن زيد ، عن ابن عباس ، قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : السراويل لمن لم يجد الإزار ، والخف لمن لم يجد النعلين .

وأخبرنا عبد الوارث بن سفيان قال : حدثنا قاسم بن أصبغ ، قال : حدثنا بكر بن حماد ، قال : حدثنا مسدد ، وحدثنا سعيد بن نصر وعبد الوارث قالا : حدثنا قاسم ، قال : حدثنا محمد بن إسماعيل الترمذي ، قال : حدثنا الحميدي ، قال : حدثنا سفيان قال : حدثنا عمرو بن دينار ، قال : أخبرني أبو الشعثاء جابر بن زيد ، قال : سمعت ابن عباس يقول : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وهو يخطب على المنبر يقول : من لم يجد النعلين فليلبس الخفين ، ومن لم يجد إزارا فليلبس سراويل .

[ ص: 114 ] وروى زهير ، عن أبي الزبير ، عن جابر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مثله .

واختلفوا فيمن لم يجد نعلين هل يلبس الخفين ، ولا يقطعهما فذهب عطاء بن أبي رباح ، وسعيد بن سالم القداح ، وطائفة من أهل العلم غيرهما إلى أن من لم يجد نعلين لبس الخفين ، ولم يقطعهما وإلى هذا ذهب أحمد بن حنبل ، قال عطاء : وفي قطعهما فساد ، وقال أكثر أهل العلم : إذا لم يجد المحرم نعلين لبس الخفين وقطعهما أسفل من الكعبين ، وممن قال بهذا : مالك بن أنس ، والشافعي ، والثوري ، وأبو حنيفة وإسحاق ، وأبو ثور وجماعة من التابعين .

وقال الشافعي : ابن عمر قد زاد على ابن عباس شيئا نقصه ابن عباس وحفظه ابن عمر وذلك قوله : وليقطعهما أسفل من الكعبين والمصير إلى رواية ابن عمر ، أولى ، وروى ابن وهب ، عن مالك أن من لبس خفين مقطوعين أو غير مقطوعين إذا كان واجدا للنعلين فعليه الفدية ، وقال أبو حنيفة : لا فدية عليه إذا لبسهما مقطوعين ، وهو واجد [ ص: 115 ] للنعلين ، قال : ومن لبس السراويل افتدى على كل حال وجد إزارا ، أو لم يجد إلا أن يفتق السراويل .

واختلف قول الشافعي فيمن لبس الخفين مقطوعين ، وهو واجد للنعلين فمرة قال : عليه الفدية ، ومرة قال : لا شيء عليه ، وقال مالك : من ابتاع خفين ، وهو محرم فجربهما وقاسهما في رجله فلا شيء عليه ، وإن تركهما حتى منعه ذلك من حر ، أو برد ، أو مطر افتدى .

قال أبو عمر : كان ابن عمر يقطع الخفين حتى للمرأة المحرمة ، وهذا شيء لا يقول به أحد من أهل العلم فيما علمت ، ولا بأس بلباس المحرمة الخفاف عند جميعهم ، وقد روي عن ابن عمر أنه انصرف عن ذلك .

حدثنا عبد الله بن محمد ، قال : حدثنا محمد بن بكر ، قال : حدثنا أبو داود ، قال : حدثنا قتيبة بن سعيد ، قال : حدثنا ابن أبي عدي ، عن محمد بن إسحاق ، عن ابن شهاب ، قال : حدثني سالم أن عبد الله بن عمر كان يقطع الخفين للمرأة المحرمة ، ثم حدثته صفية بنت أبي عبيد أن عائشة حدثتها [ ص: 116 ] أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد كان أرخص للنساء في الخفين فترك ذلك .

قال أبو عمر : هذا إنما كان من ورع ابن عمر وكثرة اتباعه ومع هذا فإنه استعمل ما حفظ على عمومه حتى بلغه فيه الخصوص .

ومما وصفت من ورعه وتوقفه ما حدثناه عبد الله بن محمد ، قال : حدثنا محمد بن بكر ، قال : حدثنا أبو داود ، قال : حدثنا موسى بن إسماعيل ، قال : حدثنا حماد ، عن أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر أنه وجد القر ، فقال : يا نافع ألق علي ثوبا ، قال : فألقيت عليه برنسا ، فقال : أتلقي علي هذا وقد نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يلبسه المحرم ؟ ألا ترى أنه كره أن يلقى عليه البرنس ؟ وسائر أهل العلم إنما يكرهون الدخول فيه ولكنه - رحمه الله - استعمل العموم في اللباس ، لأن التغطية والامتهان قد يسمى لباسا ألم تسمع إلى قول أنس ؟ فقمت إلى حصير لنا قد اسود من طول ما لبس .

قال أسد ، وأبو ثابت وسحنون ، وأبو زيد قلت لابن القاسم : هل كان مالك يكره للمحرم أن يدخل منكبه في [ ص: 117 ] القباء من غير أن يدخل يديه في كميه ، ولا يزره عليه ؟ قال : نعم قلت : فكان يكره له أن يطرح قميصه على ظهره يتردى به من غير أن يدخل فيه ، قال : لا ، قيل له : فلم كره أن يدخل منكبيه في القباء إذا لم يدخل فيه ، ولم يزره ؟ قال : لأن ذلك دخول في القباء ولباس له فلذلك كرهه .

قال أبو عمر : كان أبو حنيفة ، وأصحابه ، وأبو ثور يقولون : لا بأس أن يدخل منكبيه في القباء ، وهو قول إبراهيم النخعي وكره ذلك الثوري ، والليث بن سعد ، والشافعي ، وقال عطاء : لا بأس أن يتردى به .

وجملة قول مالك ، وأصحابه أن المحرم إذا أدخل كتفيه في قباء افتدى ، وإن لم يدخل كتفيه ، فلا شيء عليه ، وهو قول زفر وقول الشافعي .

وقال أبو حنيفة : لا فدية عليه إلا أن يدخل فيه يديه ، وقال مالك : إن عقد إزاره على عنقه افتدى ، وقال الشافعي ، وأبو حنيفة لا شيء عليه .

[ ص: 118 ] قال أبو عمر : روي عن ابن عمر أنه كره الهميان والمنطقة للمحرم ، وروي عن ابن عباس أنه أجاز ذلك للمحرم ، وكذلك روي عن عائشة أنها قالت : أوثق عليك نفقتك وأجاز ذلك جماعة فقهاء الأمصار متقدموهم ومتأخروهم وعن جماعة من التابعين بالحجاز والعراق مثل ذلك وقال إسحاق بن راهويه ليس له أن يعقد السيور ولكن يدخل بعضها في بعض .

وقال مالك : أحب ما سمعت إلي في ذلك ما حدثني يحيى بن سعيد ، عن سعيد بن المسيب أنه كان يقول في المنطقة يلبسها المحرم تحت ثيابه إنه لا بأس بذلك إذا جعل في طرفيها جميعا سيورا يعقد بعضها إلى بعض .

وقال ابن علية : قد أجمعوا على أن المحرم ليس له أن يعقد الهميان والإزار على وسطه والمنطقة مثل ذلك .

واختلفوا في المحرم يعصب رأسه وجسده عن ضرورة ، فقال مالك : لا يفعل ذلك أحد إلا من ضرورة ، فإن فعل ذلك من غير ضرورة فعليه الفدية وسواء في ذلك عنده الرأس والجسد .

[ ص: 119 ] وقال أبو حنيفة ، وأصحابه إن عصب رأسه يوما إلى الليل فعليه صدقة ، وإن عصب بعض جسده ، فلا شيء عليه ، وقال الشافعي : من عصب رأسه فعليه الفدية ، وكذلك إذا شد السير على رأسه ، أو حمل خرجه على رأسه ، قال : ولا بأس أن يضع يده على رأسه .

وقال مالك : لا بأس أن يحمل المحرم خرجه وجرابه على رأسه إذا كان فيه زاده ، واحتاج إلى ذلك كما أرخص له في حل منطقة نفسه ، قال : وأما لو تطوع بحمله ، أو آجر نفسه على ذلك لكان عليه الفدية ، قال : والأطباق والغراير والأحرجة في ذلك سواء .

وجملة قول مالك أنه سواء في المحرم لبس ناسيا ، أو عامدا ، أو تطيب ، أو حلق ناسيا ، أو عامدا لضرورة أو غير ضرورة عليه في ذلك كله الكفارة ، وهو مخير فيها إن شاء صام ثلاثة أيام ، وإن شاء أطعم ستة مساكين مدين مدين لكل مسكين ، وإن شاء ذبح شاة ، قال مالك : وإنما يكون الصيام والطعام مكان الهدي في فدية الأذى وجزاء الصيد ، قال : وأما دم المتعة ، أو الهدي الواجب على [ ص: 120 ] من عجز ، عن المشي ، أو وطئ أهله ، أو فاته الحج ، أو رجل ترك شيئا من الحج فجبره بالدم ، أي شيء كان المتروك من حجه ، فإن هذا كله إذا لم يجد الهدي فيه من وجب عليه صام فقط وليس في شيء من ذلك إطعام .

قال ابن القاسم : والصوم في هذا كله كصوم المتمتع ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع هذا كله إذا لم يجد الهدي .

وقال الشافعي ، وأبو حنيفة ، وأصحابهما كل من لبس عامدا ، أو تطيب عامدا ، فليس بمخير في الكفارة ، وإنما عليه الدم قالوا : فإن كان ذلك من ضرورة ، فهو مخير على حسبما تقدم عن مالك إن شاء صام ، وإن شاء نسك بشاة ، وإن شاء أطعم ستة مساكين مدين مدين على حديث كعب بن عجرة وللشافعي فيمن لبس ، أو تطيب ناسيا قولان أحدهما لا فدية عليه والآخر عليه الفدية .

وقال أبو حنيفة ، والثوري ، والليث بن سعد : الناسي والعامد في وجوب الفدية سواء .

وقال داود : لا فدية عليه إن لبس من ضرورة ، وإنما عليه الفدية إن لبس عامدا وإن حلق رأسه لضرورة فعليه الفدية ، وإن حلق شعر جسده ، فلا فدية عليه لضرورة ، ولا لغير ضرورة .

[ ص: 121 ] قال أبو عمر : من لم ير على اللابس الناسي والجاهل شيئا استدل بحديث يعلى بن أمية في الأعرابي الذي أحرم ، وعليه جبة وصفرة خلوق فأمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بنزع الجبة وغسل الخلوق ، ولم يأمره بفدية ، وقد ذكرنا هذا الخبر وأحكامه في باب حميد بن قيس من كتابنا هذا ومن أوجب الفدية على الناسي ، وغيره فحجته أن الفدية إنما وردت فيمن فعلها من ضرورة وذلك محفوظ في قصة كعب بن عجرة فالضرورة ، وغير الضرورة والنسيان ، وغيره في ذلك سواء ، لأنه إذا وجبت على من فعل ذلك من ضرورة فأحرى أن تجب على من فعل ذلك من غير ضرورة والناسي قياس على المضطر والعامد أحرى بذلك وأولى .

واختلفوا فيمن لبس ، أو تطيب في مواطن ، فقال مالك : إن لبس القميص والسراويل والعمامة والقلنسوة ، وما أشبه ذلك من الثياب في فور واحد وكانت حاجته إلى ذلك كله في فور واحد فعليه كفارة واحدة ، وكذلك إن تطيب مرارا في موطن واحد وفور واحد فعليه فدية واحدة ، وإن كان ذلك في أحوال مختلفة فعليه لكل مرة فدية ، فدية ، وبه قال [ ص: 122 ] أبو حنيفة والثوري ، وهو أحد قولي الشافعي ( ، وقال محمد بن الحسن ، والأوزاعي ، وهو أحد قولي الشافعي ) أيضا ليس عليه إلا كفارة واحدة ما لم يكفر ، فإن كفر ، ثم صنع شيئا من ذلك فعليه كفارة أخرى ، وقد روي عن مالك أنه عليه في كل ما يلبس ، أو يتطيب فدية بعد فدية أبدا ، وأما الثوب المصبوغ بالورس والزعفران ، فلا خلاف بين العلماء أن لباس ذلك لا يجوز للمحرم على ما جاء في حديث ابن عمر هذا فإن غسل ذلك الثوب حتى تذهب ريح الزعفران منه وخرج عنه ، فلا بأس به عند جميعهم أيضا .

وكان مالك فيما ذكر ابن القاسم عنه يكره الثوب الغسيل من الزعفران والورس إذا بقي فيه من لونه شيء ، وقال : لا يلبسه المحرم ، وإن غسله إذا بقي فيه شيء من لونه إلا أن لا يجد غيره ، فإن لم يجد غيره صبغه بالمشق وأحرم فيه ، وقد روى يحيى بن عبد الحميد ، عن أبي معاوية ، عن عبيد الله ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - هذا الحديث ، فقال فيه : ولا تلبسوا ثوبا مسه ورس ، أو زعفران إلا أن يكون غسيلا .

[ ص: 123 ] وقال الطحاوي عن ابن أبي عمران : رأيت يحيى بن معين ، وهو يتعجب من الحماني كيف يحدث بهذا الحديث ، فقال له عبد الرحمن بن مهدي : هذا - عندي - ، ثم وثب من فوره فجاء بأصله فأخرج منه هذا الحديث ، عن أبي معاوية كما قال الحماني : والورس نبات يكون ظاهرا كشبه العصفر صبغه ما بين الصفرة والحمرة ورائحته طيبة .

واختلفوا في العصفر فجملة مذهب مالك ، وأصحابه أن العصفر ليس بطيب ويكرهون للحاج استعمال الثوب الذي ينتفض في جلده ، فإن فعل فقد أساء ، ولا فدية عليه عندهم ، وهو قول الشافعي .

وقال أبو حنيفة ، وأصحابه والثوري : العصفر طيب ، وفيه الفدية على من استعمل شيئا منه في اللباس ، وغيره إذا استعمله ، وهو محرم ، فهذه جمل ما في هذا الحديث من الأحكام - والحمد لله - على عونه لا شريك له .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث