الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب معرفة المرسل والمسند والمنقطع والمتصل والموقوف ومعنى التدليس

[ ص: 15 ] وأما التدليس : فهو أن يحدث الرجل عن الرجل قد لقيه ، وأدرك زمانه ، وأخذ عنه ، وسمع منه ، وحدث عنه بما لم يسمع منه ، وإنما سمعه من غيره عنه ، ممن ترضى حاله ، أو لا ترضى ، على أن الأغلب في ذلك أن لو كانت حاله مرضية لذكره ، وقد يكون لأنه استصغره .

هذا هو التدليس عند جماعتهم ، لا اختلاف بينهم في ذلك .

وسنبين معنى التدليس بالإخبار عن العلماء في الباب بعد هذا إن شاء الله .

واختلفوا في حديث الرجل عمن لم يلقه ، مثل مالك عن سعيد بن المسيب ، والثوري عن إبراهيم النخعي ، وما أشبه هذا ; فقالت فرقة : هذا تدليس ; لأنهما لو شاءا لسميا من حدثهما ، كما فعلا في الكثير مما بلغهما عنهما ، قالوا : وسكوت المحدث عن ذكر من حدثه مع علمه به دلسة .

قال أبو عمر : فإن كان هذا تدليسا ، فما أعلم أحدا من العلماء سلم منه في قديم الدهر ، ولا في حديثه ، اللهم إلا شعبة بن الحجاج ، ويحيى بن سعيد القطان ، فإن هذين ليس يوجد لهما شيء من هذا ، لا سيما شعبة ; فهو القائل : لأن أزني أحب إلي من أن أدلس .

[ ص: 16 ] حدثنا عبد الوارث بن سفيان ، حدثنا قاسم بن أصبغ ، حدثنا محمد بن عبد السلام الخشني ، حدثنا بندار ، حدثنا غندر ، قال : سمعت شعبة يقول : التدليس في الحديث أشد من الزنا ، ولأن أسقط من السماء إلى الأرض أحب إلي من أن أدلس .

وقال أبو نعيم : سمعت شعبة يقول : لأن أزني أحب إلي من أن أدلس .

وقال أبو الوليد الطيالسي : سمعت شعبة يقول : لأن أخر من السماء إلى الأرض أحب إلي من أن أقول : زعم فلان ، ولم أسمع ذلك الحديث منه .

وقالت طائفة من أهل الحديث : ليس ما ذكرنا يجري عليه لقب التدليس ، وإنما هو إرسال ، قالوا : وكما جاز أن يرسل سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وعن أبي بكر وعمر ، وهو لم يسمع منهما ، ولم يسم أحد من أهل العلم ذلك تدليسا ، كذلك مالك عن سعيد بن المسيب .

[ ص: 17 ] والإرسال قد تبعث عليه أمور لا تضيره .

مثل أن يكون الرجل سمع ذلك الخبر من جماعة عن المعزي إليه الخبر ، وصح عنده ، ووقر في نفسه ; فأرسله عن ذلك المعزي إليه علما بصحة ما أرسله .

وقد يكون المرسل للحديث نسي من حدثه به ، وعرف المعزي إليه الحديث ، فذكره عنه فهذا أيضا لا يضر ، إذا كان أصل مذهبه أن لا يأخذ إلا عن ثقة كمالك وشعبة .

أو تكون مذاكرة فربما ثقل معها الإسناد ، وخف الإرسال إما لمعرفة المخطابين بذلك الحديث ، واشتهاره عندهم ، أو لغير ذلك من الأسباب الكائنة في معنى ما ذكرناه .

والأصل في هذا الباب : اعتبار حال المحدث ، فإن كان لا يأخذ إلا عن ثقة ، وهو في نفسه ثقة ، وجب قبول حديثه مرسله ومسنده ، وإن كان يأخذ عن الضعفاء ، ويسامح نفسه في ذلك ، وجب التوقف عما أرسله حتى يسمي من الذي أخبره .

وكذلك من عرف بالتدليس المجتمع عليه ، وكان من المسامحين في الأخذ عن كل أحد ، لم يحتج بشيء مما رواه حتى يقول : أخبرنا ، أو سمعت .

هذا إذا كان عدلا ثقة في نفسه ، وإن كان ممن لا يروي إلا عن ثقة استغني عن توقيفه ، ولم يسأل عن تدليسه .

وعلى ما ذكرته لك أكثر أئمة الحديث ، قال يعقوب بن شيبة : سألت يحيى بن معين عن التدليس ; فكرهه وعابه ، [ ص: 18 ] قلت له : فيكون المدلس حجة فيما روى حتى يقول : حدثنا ، أو أخبرنا ؟ فقال : لا يكون حجة فيما دلس فيه .

قال يعقوب : وسألت علي بن المديني عن الرجل يدلس ، أيكون حجة فيما لم يقل : حدثنا ؟ فقال : إذا كان الغالب عليه التدليس فلا ، حتى يقول : حدثنا .

قال علي : والناس يحتاجون في صحيح حديث سفيان إلى يحيى القطان ، يعني علي أن سفيان كان يدلس ، وأن القطان كان يوقفه على ما سمع ، وما لم يسمع .

وسترى في الباب الذي بعد هذا ما يدلك على ذلك ، ويكشف لك المذهب والمراد فيه إن شاء الله .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث