الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الحديث الخامس عشر الشهر تسع وعشرون فلا تصوموا حتى تروا الهلال

جزء التالي صفحة
السابق

634 [ ص: 79 ] حديث خامس عشر لعبد الله بن دينار ، عن ابن عمر

مالك ، عن عبد الله بن دينار ، عن عبد الله بن عمر : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : الشهر تسع وعشرون ، فلا تصوموا حتى تروا الهلال ، ولا تفطروا حتى تروه ، فإن غم عليكم فاقدروا له .

التالي السابق


هكذا هو عند جماعة الرواة عن مالك ، حدثنا خلف بن قاسم ، حدثنا أحمد بن محمد بن الحسين العسكري ، حدثنا إسماعيل بن يحيى المزني ، حدثنا الشافعي ، حدثنا مالك ، عن عبد الله بن دينار ، عن عبد الله بن عمر : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : الشهر تسع وعشرون لا تصوموا حتى تروا الهلال ، ولا تفطروا حتى تروه ، فإن غم عليكم فاقدروا له .

[ ص: 80 ] أما قوله : " الشهر تسع وعشرون " ، فإنه يحتمل وجهين لا ثالث لهما في النظر ، أحدهما : أن يكون الألف واللام اللذان في الشهر إشارة إلى شهر بعينه ، وهو الشهر - والله أعلم - الذي آلى فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أزواجه ، فكأنه قال - عليه السلام - : هذا الشهر تسع وعشرون ، أو تكون إشارة إلى رمضان بعينه كأنه ، قال : شهرنا هذا تسع وعشرون .

ومعلوم أن من الشهور ما يكون تسعا وعشرين ، ومنها ما يكون ثلاثين فأعلم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أصحابه أن ذلك الشهر تسع وعشرون ، والوجه الآخر أن يكون أراد بقوله : " الشهر تسع وعشرون " أي أن الشهر قد يكون تسعا وعشرين ، فلا تكون حينئذ إشارة إلى معهود ، ولا يجوز أن يكون أراد بقوله : " الشهر تسع وعشرون " أن الشهور كلها تسع وعشرون ، وليس التعريف في الشهر هاهنا إشارة إلى جنس الشهور ، ولكن المعنى ما ذكرنا ، والأمر في ذلك بين لا تنازع فيه ، والحمد لله .

حدثنا عبد الوارث بن سفيان ، قال : حدثنا قاسم بن أصبغ ، قال : حدثنا الحارث بن أبي أسامة ، قال : حدثنا روح بن عبادة [ ص: 81 ] قال : حدثنا ابن جريج ، قال : أخبرنا أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول : اعتزل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نساءه شهرا فخرج صبح تسعة وعشرين ، فقال النبي - عليه السلام - : إن الشهر تسع وعشرون ، ثم صفق النبي - صلى الله عليه وسلم - بيديه ثلاثا ، مرتين الأصابع كلها ، والثالثة بتسع منها .

وعند ابن جريج في هذا المعنى حديث أم سلمة أيضا ، حدثنا أحمد بن قاسم ، حدثنا قاسم ، حدثنا الحارث بن أبي أسامة ، حدثنا روح ، حدثنا ابن جريج ، قال : أخبرني يحيى بن محمد بن صيفي أن يحيى بن عبد الرحمن أخبره أن أم سلمة أخبرته أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حلف أن لا يدخل على بعض أهله شهرا ، فلما مضى تسعة وعشرون يوما غدا عليهن أو راح ، فقيل له : حلفت يا نبي الله لا تدخل عليهن شهرا ، فقال : إن الشهر تسعة وعشرون يوما .

وروى شعبة قال : أنبأني سلمة بن كهيل ، قال : سمعت أبا الحكم السلمي يحدث ، عن ابن عباس : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - آلى من نسائه شهرا فأتاه جبريل - عليه السلام - ، فقال : يا محمد الشهر تسع وعشرون .

[ ص: 82 ] وروى هذا المعنى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - جماعة ، منهم : أنس بن مالك ، وأم سلمة ، وابن عباس ، وعمر بن الخطاب ، وأبو هريرة ، وغيرهم بمعنى حديث جابر هذا .

وحدثنا سعيد بن نصر ، قال : حدثنا قاسم بن أصبغ ، قال : حدثنا محمد بن وضاح ، قال : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، قال : حدثنا أبو أسامة ، قال : حدثنا عبيد الله ، عن نافع ، عن ابن عمر : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذكر رمضان فضرب بيده ، وقال : الشهر هكذا وهكذا وهكذا ، ثم عقف إبهامه الثالثة : صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته ، فإن غمي عليكم فاقدروا له .

قال أبو عمر : لم يختلف عن نافع في هذا الحديث في قوله : " فاقدروا له " ، وكذلك روى سالم ، عن ابن عمر ورواه الدراوردي ، عن عبد الله بن دينار ، فقال فيه : فإن غم عليكم فأحصوا العدة وقد مضى القول مستوعبا في معنى " فاقدروا له " ، وما للعلماء في ذلك من الوجوه في باب نافع ، عن ابن عمر من كتابنا هذا ، فلا وجه لإعادة شيء من ذلك هاهنا .

قرأت على سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان أن قاسم بن أصبغ حدثهم ، قال : حدثنا جعفر بن محمد ، قال : حدثنا محمد بن سابق ، قال : حدثنا إبراهيم بن طهمان ، عن عبد [ ص: 83 ] العزيز ، عن عبد الله بن دينار ، عن عبد الله بن عمر أنه سمعه يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الشهر تسع وعشرون ، ولا تصوموا حتى تروه ، ولا تفطروا حتى تروه إلا أن يغم عليكم ، فإن غم عليكم فأحصوا العدة .

وروى هذا الحديث عن ابن عمر جماعة أعني حديث الشهر تسع وعشرون ، منهم : عمرو بن دينار وسعد بن عبيدة وسعيد بن عمرو ، وغيرهم ، ومما يدل على ما ذكرنا في صدر هذا الباب ما حدثناه أحمد بن محمد ، قال : حدثنا وهب بن مسرة . وحدثنا سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان ، قالا : حدثنا قاسم بن أصبغ ، قال : حدثنا ابن وضاح ، قال : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، قال : حدثنا غندر ، عن شعبة ، عن الأسود بن قيس ، قال : سمعت سعيد بن عمرو بن سعيد يحدث أنه سمع ابن عمر يحدث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : إنا أمة أمية لا نكتب ، ولا نحسب ، والشهر هكذا ، وهكذا ، وهكذا - وعقد الإبهام في الثالثة - والشهر هكذا ، وهكذا ، وهكذا يعني تمام ثلاثين .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث