الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

5385 - وعن أبي بكرة - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم : " إنها ستكون فتن ، ألا ثم تكون فتن ، ألا ثم تكون فتنة ، القاعد فيها خير من الماشي فيها ، والماشي فيها خير من الساعي إليها ، ألا فإذا وقعت فمن كان له إبل فيلحق بإبله ، ومن كان له غنم فيلحق بغنمه ، ومن كانت له أرض فيلحق بأرضه " ، فقال رجل : يا رسول الله ! أرأيت من لم يكن له إبل ولا غنم ولا أرض ؟ قال : " يعمد إلى سيفه فيدق على حده بحجر ، ثم لينج إن استطاع النجاء ، اللهم هل بلغت ؟ " ثلاثا ، فقال رجل : يا رسول الله ! أرأيت إن أكرهت حتى ينطلق بي إلى أحد الصفين ، فضربني رجل بسيفه أو يجيء سهم فيقتلني ؟ قال " يبوء بإثمه وإثمك ، ويكون من أصحاب النار " . رواه مسلم .

التالي السابق


5385 - ( وعن أبي بكرة ) أي : الثقفي ( قال : قال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم : " إنها " ) أي : القصة ( ستكون ) أي : ستوجد وتحدث وتقع ( فتن ، ألا ) : للتنبيه ( " ثم تكون فتنة " ) أي : عظيمة ، وفي بعض النسخ المصححة : ألا ثم تكون فتن بصيغة الجمع ثم بعده : ألا ثم تكون فتنة بصيغة الوحدة . قال الطيبي - رحمه الله : فيه ثلاث مبالغات ، أقحم حرف التنبيه بين المعطوف والمعطوف عليه ; لمزيد التنبيه لها ، وعطف بثم ; لتراخي مرتبة هذه الفتنة الخاصة تنبيها على عظمها ، وهو لها على أنه من عطف الخاص على العام ; لاختصاصها بما يفارقها من سائر أشكالها ، وأنها كالداهية الدهباء ، نسأل الله العافية منها بفضله وعميم طوله . ( " القاعد فيها خير من الماشي ، والماشي فيها خير من الساعي إليها " ) أي : يجعلها غاية سعيه ومنتهى غرضه لا يرى مطلبا غيرها و ( لام ) الغرض و ( إلى ) الغاية متقاربان معنى ، فحينئذ يستقيم التدرج والترقي من الماشي فيها إلى الساعي إليها .

[ ص: 3385 ] ( " ألا " ) : للتنبيه زيادة للتأكيد ( " فإذا وقعت " ) أي : الفتن أو تلك الفتنة ( " فمن كان له إبل " ) أي : في البرية ( " فليلحق بإبله ، ومن كان له غنم فليلحق بغنمه ، ومن كانت له أرض " ) أي : عقار أو مزرعة بعيدة عن الخلق ( " فيلحق بأرضه " ) فإن الاعتزال والاشتغال بخويصة الحال حينئذ واجب ; لوقوع عموم الفتنة العمياء بين الرجال ، كما قال الشاعر :


إن السلامة من ليلى لا وجارتها أن لا تمر على حال بواديها



( فقال رجل : يا رسول الله ! أرأيت ) أي : أخبرني ( من لم تكن له إبل ولا غنم ولا أرض ؟ ) أي : فأين يذهب أو كيف يفعل ؟ ( قال : " يعمد " ) بكسر الميم أي : يقصد ( " إلى سيفه " ) أي : إن كان له ( " فيدق على حده " ) أي : فيضرب على جانب سيفه الحاد ( " بحجر " ) ، والمعنى : فليكسر سلاحه كيلا يذهب به إلى الحرب ; لأن تلك الحروب بين المسلمين فلا يجوز حضورها ، ( " ثم لينج " ) بكسر اللام ويسكن وبفتح الياء وسكون النون وضم الجيم ، أي : ليفر ويسرع هربا حتى لا تصيبه الفتنة ، ( " إن استطاع النجاة " ) بفتح النون والمد ، أي : الإسراع . قال الطيبي - رحمه الله - قوله : يعمد إلخ عبارة عن تجرده تجردا تاما ، كأنه قيل : من لم يكن له ما يشتغل به من مهامه فلينج برأسه اهـ .

والظاهر أن حمل قوله : فلينج على أنه أمر من النجاة وليس كذلك ، كما يدل عليه قوله : إن استطاع النجاء ، حيث لم يقل إن استطاع النجاة اللهم إلا أن يراد به حاصل المعنى من قطع النظر عن المادة والمبنى ، والله تعالى أعلم . ( " اللهم " ) أي : قال - صلى الله تعالى عليه وسلم - بعد ذكر هذه الفتن والتحذير عن الوقوع في محن ذلك الزمن ، اللهم أي : يا الله ( " هل بلغت ؟ " ) أي : قد بلغت إلى عبادك ما أمرتني به أن أبلغه إياهم ( ثلاثا ) : مصدر للفعل المقدر أي : قاله ثلاث مرات ( فقال رجل : يا رسول الله ! أرأيت ) أي : أخبرني ( إن أكرهت ) أي : أخذت بالكره وأجبرت ( حتى ينطلق ) بصيغة المجهول أي : يذهب ( بي إلى أحد الصفين ) أي : صفي المتخاصمين ( فضربني رجل بسيفه أو ) للتنويع ( يجيء سهم ) بصيغة المضارع عطفا على الماضي ( فيقتلني ؟ ) : الظاهر أنه تفريع على الأخير والإسناد مجازي ، ويحتمل أن يشتمل أيضا على الأول ، فتأمل ، والمعنى : فما حكم القاتل والمقتول ؟ ( قال : يبوء ) أي : يرجع القاتل ، وقيل : المكره ( بإثمه ) أي : بعقوبة ما فعله من قبل عموما ( وإثمك ) أي : وبعقوبة قتله إياك خصوصا ، أو المراد بإثمه قصده القتل وبإثمك لو مددت يدك إليه ، أو المراد بإثمك سيئاتك التي فعلتها بأن توضع في رقبة القاتل بعد فقد حسناته على ما ورد ( ويكون ) أي : هو ( " من أصحاب النار " ) ، قال تعالى : وذلك جزاء الظالمين وإنما لم يقل : وأنت من أصحاب الجنة ، وإن كان هذا هو المفهوم منه ، وترك للاكتفاء احتياطا لتبادر الفهم إلى الخطاب المعين ، لا المفروض المقدر المراد به الخطاب العام على طريق الإبهام ، ثم الحكم مقتبس من قوله تعالى : واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إلخ . وقد قال - صلى الله تعالى عليه وسلم : " كن خير ابني آدم " ، وفي رواية : " كن عبد الله المقتول ولا تكن عبد الله القاتل " . قال الطيبي - رحمه الله : قوله يبوء إلخ ، فيه وجهان . أحدهما : أراد بمثل إثمك على الاتساع ، أي : يرجع بإثمه ومثل إثمك المقدر لو قتلته ، وثانيهما : أراد بمثل قتلك ، على حذف المضاف ، وإثمه السابق على القتل . ( رواه مسلم ) .

[ ص: 3386 ]


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث