الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
5573 - وعنه ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم : " إذا كان يوم القيامة ماج الناس بعضهم في بعض ، فيأتون آدم فيقولون : اشفع إلى ربك . فيقول : لست لها ولكن عليكم بإبراهيم فإنه خليل الرحمن ، فيأتون إبراهيم ، فيقول : لست لها ، ولكن عليكم بموسى فإنه كليم الله ، فيأتون موسى - عليه السلام - فيقول : لست لها ، ولكن عليكم بعيسى فإنه روح الله وكلمته ، فيأتون عيسى ، فيقول : لست لها ، ولكن عليكم بمحمد ، فيأتوني فأقول : أنا لها فأستأذن على ربي ، فيؤذن لي ، ويلهمني محامد أحمده بها لا تحضرني الآن ، فأحمده بتلك المحامد ، وأخر له ساجدا ، فيقال يا محمد ! ارفع رأسك ، وقل تسمع ، وسل تعطه ، واشفع تشفع ، فأقول يا رب ! أمتي أمتي . فيقال : انطلق ، فأخرج من كان في قلبه مثقال شعيرة من إيمان ، فأنطلق فأفعل ، ثم أعود فأحمده بتلك المحامد ، ثم أخر له ساجدا ، فيقال : يا محمد ! ارفع رأسك ، وقل تسمع ، وسل تعطه ، واشفع تشفع ، فأقول : يا رب ! أمتي أمتي . فيقال : انطلق فأخرج من كان في قلبه مثقال ذرة أو خردلة من إيمان ، فأنطلق فأفعل ، ثم أعود فأحمده بتلك المحامد ، ثم أخر له ساجدا ، فيقال : يا محمد ! ارفع رأسك ، وقل تسمع ، وسل تعطه ، واشفع تشفع ، فأقول : يا رب ! أمتي أمتي ، فيقال : انطلق فأخرج من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال حبة خردلة من إيمان ، فأخرجه من النار ، فأنطلق فأفعل ، ثم أعود الرابعة فأحمده بتلك المحامد ، ثم أخر له ساجدا ، فيقال : يا محمد ! ارفع رأسك ، وقل تسمع ، وسل تعطه ، واشفع تشفع ، فأقول : يا رب ! ائذن لي فيمن قال : لا إله إلا الله . قال : ليس ذلك لك ، ولكن وعزتي وجلالي وكبريائي وعظمتي لأخرجن منها من قال : لا إله إلا الله . متفق عليه .

التالي السابق


5573 - ( وعنه ) أي : عن أنس ( قال : قال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم : إذا كان يوم القيامة ماج ) أي : اختلط واضطرب ( الناس بعضهم في بعض ) أي : داخلين فيهم أي مقبلين مدبرين متحيرين فيما بينهم ( فيأتون آدم ) - عليه السلام - ( فيقولون اشفع ) أي : لنا ( إلى ربك ) ; ليأمر بالحساب ، ثم يجازي بالثواب أو العقاب ( فيقول : لست لها ) أي : لست كائنا للشفاعة ولا مختصا بها . قال الطيبي - رحمه الله : اللام فيه مثلها في قوله تعالى : ( امتحن الله قلوبهم للتقوى ) الكشاف : اللام متعلقة بمحذوف واللام هي التي في قوله : أنت لهذا الأمر ، أي : كائن له ومختص به ، قال :

أنت لها أحمد من بين البشر

وفي قوله : أنا لها ، وقوله : ليس ذلك لك ، ( ولكن عليكم بإبراهيم ) أي : الزموه فالباء زائدة ، أو المعنى تشفعوا وتوسلوا به ; ( فإنه خليل الرحمن ، فيأتون إبراهيم ، فيقول ) أي : بعد قولهم اشفع إلى ربك ، فاختصر للعلم به ، أو قبل أن يذكروا هذا الأمر بناء على كشف القضية عنه ، ( لست لها ، ولكن عليكم بموسى فإنه كليم الله ) أي : ويناسبه الكلام في مرام هذه المقام ( فيأتون موسى - عليه السلام - فيقول : لست لها ، ولكن عليكم بعيسى فإنه روح الله وكلمته ) أي : فإنه روحه مستطابة ، وكلمته مستجابة ( فيأتون عيسى ، فيقول : لست لها ، ولكن عليكم بمحمد ) - عليه السلام - أي : فإنه خاتم النبيين وسيد المرسلين ( فيأتون ) : بتشديد النون ويخفف ( فأقول : أنا لها فأستأذن على ربي ) أي : على كلامه أو على دخول داره ( فيؤذن لي ، ويلهمني محامد أحمده بها ) أي : حينئذ ( لا تحضرني الآن ، فأحمده بتلك المحامد ) : وهي جمع حمد على غير قياس كمحاسن جمع حسن أو جمع محمدة ( وأخر ) : بكسر الخاء المعجمة وتشديد الراء أي : أسقط ( له ) أي : لله تعالى أو لشكره ( ساجدا ) : حال ( فيقول : يا محمد ارفع رأسك ، [ ص: 3544 ] وقل تسمع ، وسل تعطه ، واشفع تشفع ، فأقول ) أي : بعد رفع الرأس ، أو في حال السجود ( يا رب أمتي أمتي ) أي : ارحمهم واغفر لهم يوم القيامة ، وتفضل عليهم بالكرامة ، وكرره للتأكيد ، أو أريد بهم السابقون واللاحقون ، ( فيقال : انطلق ) أي : اذهب ( فأخرج من كان في قلبه مثقال شعيرة ) أي : وزنها . قال النووي - رحمه الله : والله تعالى أعلم بقدرها ، ( من إيمان ) ، ثم المثقال ما يوزن به ، من الثقل بفتحتين وهو اسم لكل سنج ، واختلف العلماء في تأويله حسب اختلافهم في أصل الإيمان ، والتأويل المستقيم هو أن يراد بالأمر المقدر بالشعير والذرة ، والحبة والخردلة ، غير الشيء الذي هو حقيقة إيمان من الخيرات ، وهو ما يوجد في القلوب من ثمرات الإيمان ، ولمحات الإيقان ، ولمعان العرفان ; لأن حقيقة الإيمان الذي هو التصديق الخاص القلبي ، وكذا الإقرار المقرر اللساني لا يدخلها التجزيء والتبعيض ، ولا الزيادة ولا النقصان على ما عليه المحققون ، وحملوا ما قاله غيرهم على الاختلاف اللفظي والنزاع الصوري ، ( فأنطلق ) أي : فأذهب ( فأفعل ) أي : ما أذن لي بالإخراج ممن عين وبين لي ( ثم أعود فأحمده بتلك المحامد ، ثم أخر له ساجدا ، فيقال : يا محمد ارفع رأسك ، وقل تسمع ، وسل تعطه ، واشفع تشفع ، فأقول : يا رب ! أمتي أمتي ، فيقال : انطلق فأخرج من كان في قلبه مثقال ذرة ) : وهي أقل الأشياء الموزونة ، وقيل : هي الهباء الذي يظهر في شعاع الشمس كرءوس الإبر ، وقيل النملة الصغيرة ( أو خردلة من إيمان ) : يحتمل أن يكون أو للتخيير أو للتنويع أو الشك ( فأنطلق فأفعل ، ثم أعود فأحمده بتلك المحامد ، ثم أخر له ساجدا ، فيقال : يا محمد ارفع رأسك ، وقل تسمع ، وسل تعطه ، واشفع تشفع ، فأقول : يا رب ! أمتي أمتي ، فيقال : انطلق فأخرج من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال حبة خردلة من إيمان ) : وكرر أدنى ثلاثا للمبالغة في القلة ( فأخرجه من النار ، فأنطلق فأفعل ، ثم أعود الرابعة فأحمده بتلك المحامد ، ثم أخر له ساجدا ، فيقال : يا محمد ارفع رأسك ، وقل تسمع ، وسل تعطه ، واشفع تشفع ، فأقول : يا رب ائذن لي فيمن قال : لا إله إلا الله ) أي : ولو في عمره مرة بعد إقراره السابق ; فإنه من جلة عمله اللاحق ، وإن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا ; ولإطلاق حديث : ( من قال لا إله إلا الله دخل الجنة ) ، فإنه يشمل دخوله أولا وآخرا .

قال الطيبي - رحمه الله : هذا يؤذن بأن ما قدر قبل ذلك بمثقال شعيرة ، ثم بمثقال حبة أو خردل ، غير الإيمان الذي يعبر به عن التصديق ، وهو ما يوجد في القلوب من ثمرة الإيمان ، وهو على وجهين : أن يراد بالثمرة ازدياد اليقين ، وطمأنينة النفس ; لأن ظاهر الأدلة أقوى للمدلول عليه وأثبت لقوته ، وأن يراد بها العمل ، وأن الإيمان يزيد وينقص بالعمل ، وينصر هذا الوجه حديث أبي سعيد بعد هذا ، يعني قوله : ( ولم يبق إلا أرحم الراحمين ، فيقبض قبضة من نار فيخرج منها قوما لم يعملوا خيرا قط ) .

( قال ) أي : الله تعالى ( ليس ذلك لك ، ولكن وعزتي وجلالي وكبريائي وعظمتي لأخرجن منها من قال لا إله إلا الله ) ، قال القاضي - رحمه الله : ليس هذا لك ، وإنما أفعل ذلك تعظيما لاسمي وإجلالا لتوحيدي ، وهو مخصوص بعموم قوله - صلى الله تعالى عليه وسلم - في حديث أبي هريرة : ( أسعد الناس بشفاعتي ) الحديث على ما سيأتي ، ويحتمل أن يجرى على عمومه ، ويحمل على حال ومقام آخر . قال الطيبي - رحمه الله : إذا فسرنا ما يختص بالله تعالى بالتصديق المجرد عن الثمرة ، وذكرنا أن ما يختص به رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - هو الإيمان مع الثمرة من ازدياد اليقين أو العمل ; فلا اختلاف . وقال شارح من علمائنا المحققين : المعنى ليس إخراج من قال : لا إله إلا الله من النار لك ، أي : إليك ، يعني مفوضا إليك ، وإن كان لك فيهم مكان شفاعة ، أو لسنا نفعل ذلك لأجلك ، بل لأنا أحقاء بأنا نفعله كرما وتفضلا ، ثم إنه بين بهذا الحديث أن الأمر في إخراج من لم يعمل خيرا قط من النار خارج عن حد الشفاعة ، بل هو منسوب إلى محض الكرام ، موكل إليه ، والتوفيق بين هذا الحديث وحديث أبي هريرة : أسعد الناس إلخ ، أما على الأول فظاهر ; لأنه أخرجهم الله بشفاعته - صلى الله تعالى عليه وسلم - وأما على المعنى الثاني ، فهو أن المراد بمن قال : لا إله إلا الله في الحديث الأول هم الأمم الذين آمنوا بأنبيائهم لكنهم استوجبوا النار ، وفي الثاني هم من أمته - صلى الله تعالى عليه وسلم - ممن خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا . ( متفق عليه ) .

[ ص: 3545 ]



الخدمات العلمية