الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب بدء الخلق وذكر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام

جزء التالي صفحة
السابق

5725 - عن أبي رزين رضي الله عنه ، قال : قلت : يا رسول الله أين كان ربنا قبل أن يخلق خلقه ؟ قال : " كان في عماء ، ما تحته هواء ، وما فوقه هواء ، وخلق عرشه على الماء " . رواه الترمذي وقال : قال يزيد بن هارون : العماء أي : ليس معه شيء .

التالي السابق


5725 - ( عن أبي رزين ) : قال المؤلف : هو لقيط بن عامر بن صبرة بفتح اللام وسكون القاف ، وصبرة بفتح الصاد المهملة وكسر الموحدة ، عقيلي صحابي مشهور ، عداده في الطائف ، روى عنه ابنه عاصم وابن عمر وغيرهما . قال : ( قلت : يا رسول الله أين كان ربنا قبل أن يخلق خلقه ) ؟ لا شك أن المكان مع الزمان من جملة خلقه معدودان ، فلولا التأويل بحسب الإمكان لأول السؤال وآخره يتعارضان ، وسيجيء بيان كشف المعنى من الشراح الأعيان ( قال : " كان في عماء " ) : بفتح العين ممدودا أي : في غيب هوية الذات بلا ظهور مظاهر الصفات كما عبر عنه بقوله : كنت كنزا مخفيا فأحببت أن أعرف ، فخلقت الخلق لأعرف ، وفي قوله تعالى : وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون إشارة إليه ، ودلالة عليه على تفسير حبر الأمة أي ليعرفون . قال الشيخ علاء الدولة في كتابه ( العروة ) فأثبت تجلي الذات أولا بقوله : كنت كنزا مخفيا ثم تجليه بالصفة الآحدية بقوله : أحببت أن أعرف . ثانيا : ثم تجليه بالصفة الواحدة بقوله : فخلقت الخلق لأعرف . ثالثا : وفي اصطلاحات الصوفية للكاشي العماء هي الحضرة الآحدية عندنا لأنه لا يعرفها أحد غيره ، فهو في حجاب الجلال . أقول : ولعله أراد بالآحدية الجمع ، فإنها بين غيب الغيوب ، وبين آحدية الصوفية ، فإنها بين أحدية الجمع وبين الواحدية ، وهذه البينونة بالنسبة إلى العلو والسفل ، وهذا القول هو الصحيح لأن العماء في اللغة غيم رقيق يحول بين السماء والأرض ، وكذلك الآحدية الصوفية حائلة بين سماء الذات وأرض الكثرة الإجمالية ، ثم قال ، وقيل : هي الحضرة الواحدية التي هي منشأ الأسماء والصفات ، لأن العماء هو الغيم الرقيق ، والغيم هو الحائل بين السماء والأرض ، وهذه الحضرة الواحدية هي الحائلة بين سماء الآحدية الصرفة ، وبين أرض الكثرة الخلقية ، وقد جعل الفارق الجامي شرحا على هذا الحديث الشريف ، فإن كنت تريد التحقيق ، عليك بذلك التصنيف ، فقد علم كل أناس مشربهم ، وتبع كل فريق مذهبهم ، هذا وفي الفائق العماء : هو السحاب الرقيق ، وقيل : السحاب الكثيف المطلق ، وقيل : شبه الدخان يركب رأس الجبال ، وعن الجرمي الضباب ، وفي النهاية العماء بالفتح والمد السحاب . وفي القاموس : هو السحاب المرتفع ، أو الكثيف ، أو المطر الرقيق ، أو الأسود ، أو الأبيض ، أو هو الذي هراق .

[ ص: 3661 ] ماؤه ، ولا شك أن واحدا من هذه المعاني لا يناسب المقام التبياني إلا أن يقال : إن السحاب كناية عن حجاب الجلال ، وهو عبارة عن حجاب الذات الباعث على سر الصفات المتعلقة بالعلويات والسلفيات ، ولذا قال أبو عبيد : لا يدري أحد من العلماء كيف كان ذلك العماء ، وفي رواية : عمى بالقصر ، وهو ذهاب البصر ، فقيل : هو كل أمر لا تداركه عقول بني آدم ، ولا يبلغ كنهه الوصف ، ولا يدركه الفطن . قال الأزهري : نحن نؤمن به ولا نكيفه بصفة أي نجري اللفظ على ما جاء عليه من غير تأويل مع التنزيه عما لا يجوز عليه من الحدوث والتبديل .

( ما تحته هواء ، وما فوقه هواء ) : ما : نافية فيهما ، وفيه إشارة إلى ما سبق في الحديث كان الله ولم يكن معه شيء . قال القاضي : المراد بالعماء ما لا تقبله الأوهام ولا تدركه العقول والأفهام ، عبر عن عدم المكان بما لا يدرك ولا يتوهم ، وعن عدم ما يحويه ويحيط به الهواء ، فإنه يطلق ويراد به الخلاء الذي هو عبارة عن عدم الجسم ، ليكون أقرب إلى فهم السامع ، ويدل عليه أن السؤال كان عما خلق قبل أن يخلق خلقه فلو كان العماء أمرا موجودا لكان مخلوقا ، إذ ما من شيء سواه إلا وهو مخلوق خلقه وأبدعه ، فلم يكن الجواب طبق السؤال ، والله تعالى أعلم بالحال .

وقيل : في الكلام حذف مضاف ، كما في قوله تعالى : هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله ونحوه ، فيكون التقدير أين كان عرش ربنا ؟ ويدل عليه قوله : وكان عرشه على الماء : المطابق لقوله سبحانه : وكان عرشه على الماء لأنه لو لم يكن السؤال عن العرش لما كان حاجة للتعرض إليه .

وقال الطيبي - رحمه الله : لم يفتقر إلى التقدير ، ولا بد لقوله في عماء بالمد من التأويل ، حتى يوافق الرواية الأخرى عمى مقصورا ، وما ورد في الصحاح عن عمران بن حصين : كان الله ولم يكن شيء قبله ، وكان عرشه على الماء ، وذلك أن قوله : " ما تحته هواء وما فوقه هواء " جاء تتميما صونا لما يفهم من قوله : في عماء من المكان ، فإن الغمام المتعارف محال أن يوجد بغير هواء ، فهو نظير قوله : " كلتا يديه يمين " على ما سبق فالجواب من الأسلوب الحكيم سئل عن المكان ؟ فأجاب عن الإمكان ، يعني إن كان هذا مكانا فهو في مكان ، وهو إرشاد له يفي غاية من اللطف .

( رواه الترمذي ، وقال : قال يزيد بن هارون ) : وهو أحد مشايخ شيوخ الترمذي من رواة هذا الحديث ( العماء ) أي : يعني معناه ( ليس معه شيء ) : وفيه إيماء إلى كلام بعض العارفين في هذا الشأن كان الله ولم يكن معه شيء والآن على ما هو عليه كان ، وإشارة إلى قوله تعالى : كل من عليها فان .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث