الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

5841 - وعن عائشة رضي الله عنها ، قالت : أول ما بدئ به رسول الله - صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم ، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح ، ثم حبب إليه الخلاء ، وكان يخلو بغار حراء يتحنث فيه - وهو التعبد الليالي ذوات العدد - قبل أن ينزع إلى أهله ، ويتزود لذلك ، ثم يرجع إلى خديجة . فيتزود لمثلها حتى جاءه الحق وهو في غار حراء ، فجاءه الملك فقال : اقرأ . فقال : ( ما أنا بقارئ ) . قال : " فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ، ثم أرسلني ، فقال : اقرأ فقلت : ما أنا بقارئ ، فأخذني فغطني الثانية ، حتى بلغ في الجهد ، ثم أرسلني ، فقال : اقرأ . فقلت : ما أنا بقارئ . فأخذني فغطني الثالثة ، حتى بلغ مني الجهد ، ثم أرسلني ، فقال : اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم ) . فرجع بها رسول الله يرجف فؤاده ، فدخل على خديجة ، فقال : ( زملوني زملوني ) فزملوه حتى ذهب عنه الروع ، فقال لخديجة وأخبرها : ( لقد خشيت على نفسي ) فقالت خديجة : كلا ، والله لا يخزيك الله أبدا ، إنك لتصل الرحم ، وتصدق الحديث ، وتحمل الكل ، وتكسب المعدوم وتقري الضعيف ، وتعين على نوائب الحق ثم انطلقت به خديجة إلى ورقة بن نوفل ، ابن عم خديجة . فقالت له : يا ابن عم اسمع من ابن أخيك . فقال له ورقة : يا ابن أخي ماذا ترى ؟ فأخبره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خبر ما رأى . فقال ورقة : هذا هو الناموس الذي أنزل الله على موسى ، يا ليتني فيها جذعا يا ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم : ( أو مخرجي هم ؟ ) قال : نعم ؛ لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي ، وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا . ثم لم ينشب ورقة أن توفي وفتر الوحي . متفق عليه .

التالي السابق


5841 - ( وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت : أول ما بدئ به رسول الله - صلى الله عليه وسلم ) : قال النووي : هذا الحديث من مراسيل الصحابة فإن عائشة لم تدرك هذه القضية ، فتكون سمعتها من النبي - صلى الله عليه وسلم - أو من صحابي ، ومرسل الصحابي حجة عند جميع العلماء إلا ما انفرد به الأستاذ أبو إسحاق الإسفرايني . قال الطيبي : والظاهر أنها سمعت من النبي - صلى الله عليه وسلم - لقولها : قال : فأخذني فغطني ، فيكون قولها : أول ما بدئ به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حكاية ما تلفظ به - صلى الله عليه وسلم - كقوله تعالى : قل للذين كفروا ستغلبون بالتاء والياء على تأويل أنه - صلى الله عليه وسلم - يؤدي لفظ ما أوحي إليه ، أو معناه فلا يكون الحديث حينئذ من المراسيل . قلت : هذا غريب من الطيبي لأنها لما لم تسند في صدر الحديث أنها سمعت منه - صلى الله عليه وسلم - كان من المراسيل ، إما عنه أو عن صحابي ، ولا ينافيه قولها : قال ، فإنه نقل كلامه - صلى الله عليه وسلم - أو نقل كلام الصحابي ، والتقدير : قال ناقلا عنه عليه الصلاة والسلام والله أعلم بالمرام .

[ ص: 3728 ] ثم الظاهر أن من في قولها : ( من الوحي ) : تبعيضية لا بيانية كما قيل أي : أول ما ابتدئ به من أقسام الوحي ( الرؤيا الصادقة ) : وقوله ( في النوم ) ، إما تأكيد وإما في الرؤيا تجريد ، إذ الرؤيا ما رأيت في منامك على ما في القاموس ، ثم اعلم أن حقيقة الرؤيا الصادقة أن الله يخلق في قلب النائم أو في حراسه الأشياء كما يخلقها في اليقظة ، وهو سبحانه وتعالى يفعل ما يشاء لا يمنعه نوم ولا غيره عنه ، فربما يقع ذلك في اليقظة ، كما رآه في المنام ، وربما يكون ما رآه علما على أمور أخرى يخلقها في ثاني الحال ، أو كان قد خلقها ، فيقع ذلك كما جعل الله تعالى الغيم علامة للمطر كذا حققه العلامة الكرماني ، ( فكان لا يرى رؤيا ) : وفي نسخة الرؤيا ( إلا جاءت ) أي : تلك الرؤيا بمعنى أثرها الدال على تحققها ( مثل فلق الصبح ) ، بفتح الفاء واللام أي : ضوئه إذا انفلق كما في شرح السنة ، والمعنى مشبهة بضيائه أو مجيئا مثله . قال شارح : الفلق بالتحريك الصبح بعينه ، وحسن إضافته إلى الصبح ، وإن كانت باختلاف اللفظين ، لكونه من الألفاظ المشتركة ؛ فإنه يطلق الفلق على الصبح ، وعلى المطمئن من الأرض ، فشبهت ما جاءه في اليقظة موافقا لما رآه في المنام بالفلق لإنارته ، وإضاءته وصحته .

وقال القاضي : شبه ما جاءه في اليقظة ، ووجده في الخارج طبقا لما رآه في المنام بالصبح في إنارته ووضوحه ، والفلق الصبح ، لكن لما كان مستعملا في هذا المعنى وفي غيره كالفلق في قوله : قل أعوذ برب الفلق وغير ذلك أضيف إليه للتخصيص والبيان إضافة العام إلى الخاص ، كقولهم : عين الشيء ونفس الشيء .

وقال الطيبي : للفلق شأن عظيم ، ولذلك جاء وصفا لله تعالى في قوله سبحانه فالق الإصباح وأمر بالاستعاذة برب الفلق لأنه ينبئ عن انشقاق ظلمة عالم الشهادة وطلوع تأثير الصبح بظهور سلطان الشمس وإشراقها الآفاق ، لأن الرؤيا الصالحة مبشرات تنبئ عن وفور أنوار عالم الغيب ، وآثار مطالع الهامات شبه به الرؤيا التي هي جزء يسير من أجزاء النبوة ، وتنبيه من تنبيهاتها لمشتركي العقول على ثبوت النبوة ، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما سمي نبيا لأنه ينبئ عن عالم الغيب الذي لا تستقل العقول بإدراكه . وفي شرح مسلم للنووي قالوا : إنما ابتدأ - صلى الله عليه وسلم - بالرؤيا لئلا يفجأه الملك ، ويأتيه صريح النبوة بغتة فلا يحتملها قوى البشرية فبدئ بتباشير الكرامة وصدق الرؤيا استئناسا . قلت : وهو مقتضى الأمور التدريجية في الأمور الدينية والدنيوية ، وكأن الرؤيا شبهت بالفلق الذي هو الصبح ، وهو مقدمة طلوع الشمس المشبه به إتيان جبريل بالوحي المنزل الذي هو نور وكتاب مبين يهدي الله لنوره من يشاء ، ثم بون بين النور الحسي الآفاقي والنور العلمي الخلاقي .

( ثم حبب إليه الخلاء ) : بالمد أي : الخلوة المناسبة لمرتبة التخلية عن الغير المقدمة على التحلية المتربعة عليها بثبوت نور وجوده وظهور كرمه وجوده . قال النووي : الخلوة شأن الصالحين وعباد الله العارفين . قال الخطابي حبب إليه الخلوة لأن معها فراغ القلب ، وهي معينة على التفكر ، وبها ينقطع عن مألوفات البشر ويخشع قلبه ويجمع همه ، فالمخلص في الخلوة يفتح الله عليه ما يؤنسه في خلوته من تعويض الله تعالى إياه عما تركه لأجله " واستنار قلبه بنور الغيب حين تذهب ظلمة الشمس ، واختيار الخلوة لسلامة الدين وتفقد أحوال النفس وإخلاص العمل اهـ . واختلف في أفضلية الخلوة والجلوة والخلطة والعزلة ، والصحيح أن كل واحدة بشروطها المعتبرة في محلها هي الأفضل والأكمل للمصلحة المترتبة عليها الحكمة الإلهية ، واقتضاء صفة الربوبية . ( وكان يخلو بغار حراء ) ، بكسر الحاء المهملة وتخفيف الراء وبالمد وهو مذكر مصروف على الصحيح ، وقيل : مؤنث غير مصروف ذكره النووي . وقال القاضي الزاهد صاحب الثعلبي والخطابي وغيرهما : العوام يخطئون في حراء في ثلاثة مواضع : يفتحون الحاء وهي مكسورة ، ويكسرون الراء وهي مفتوحة ، ويقصرون الألف وهي ممدودة وهو جبل بينه وبين مكة ثلاثة أميال عن يسار الذاهب من مكة إلى منى ، وقال شارح : هو بالكسر والمد والقصر خطأ يذكر ويؤنث ، فيصرف على الأول ولا يصرف على الثاني . أقول : ولعل وجه التذكير اعتبار الموضع والتأنيث باعتبار البقعة . وقال العسقلاني : حراء هو بالمد وكسر أوله ، وهو الصحيح رواية ، وحكي فيه غير ذلك جوازا لا رواية ، وعند الأصيلي بالفتح

[ ص: 3729 ] والقصر ( فيتحنث فيه ) أي : فيتعبد في ذلك الغار فرارا من الأغيار . وفي سيرة ابن هشام : فيتحنف بالفاء أي : يتبع الحنيفية ، وهي دين إبراهيم ، والفاء تبدل تاء في كثير من كلامهم ذكره السيوطي . ( وهو ) أي : التحنث ( التعبد ) : وكان المتعبد يتحرز عن الحنث بمعنى الإثم ، ويجتنب عنه بعبادته ، وهذا التفسير إما من قول عائشة رضي الله عنها ، أو من قول الزهري ، أدرجه في الحديث ، والتحنث في اللغة : إلقاء الحنث عن نفسه ، وقيل : لم يرد من باب التفعل في معنى إلقاء الشيء عن النفس إلا التحنث والتأثم والتجوب ، كذا ذكره شارح . وقال السيوطي ، قوله : وهو التعبد مدرج في الخبر قطعا . قال العسقلاني : وهو محتمل أن يكون من كلام عروة ، أو من دونه . قال : وجزم الطيبي بأنه من تفسير الزهري ولم يذكر دليله اهـ .

وقال التوربشتي : فسرت التحنث بقولها : وهو التعبد . ويحتمل أن يكون التفسير من قول الزهري أدرجه في الحديث ، وذلك من دأبه قال النووي ، وقوله : ( الليالي ذوات العدد ) . متعلق بيتحنث لا بالتعبد ، ومعناه يتحنث الليالي ولو جعل متعلقا بالتعبد فسد المعنى ، فإن التحنث لا يشترط فيه الليالي ، بل يطلق على القليل والكثير ، وهذا التفسير اعترض بين كلام عائشة رضي الله عنها ، وإنما كلامها فيتحنث فيه الليالي ذوات العدد ، وإنما أطلق الليالي وأريد بها الليالي مع أيامهن على سبيل التغليب ، لأنها أنسب للخلوة ، وقيد بذوات العدد لإرادة التقليل ، كما في قوله تعالى : دراهم معدودة اهـ .

فالمراد بذات العدد القلة ، وقيل : يحتمل الكثرة إذ الكثير يحتاج للعدد لا القليل ، وقيل : إبهام العدد لاختلافه بالنسبة إلى المدة التي يتخللها مجيئه إلى أهله ، وإلا فأصل الخلوة قد عرفت مدتها وهي شهر في كل سنة ، وذلك الشهر كان رمضان . أقول : ويمكن أن يكون المدة أربعين قياسا على ميقات موسى عليه السلام ، ولما فيها من الخواص والأسرار التي تظهر آثارها وأنوارها على الصوفية الأبرار مع ما فيها من مطابقة الأربعينات في الأطوار ، وقد قال - صلى الله عليه وسلم : ( من أخلص لله أربعين صباحا ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه ) . هذا وقال الحافظ العسقلاني : ولم يأت التصريح بصفة تعبده ، لكن في رواية عبيد بن عمير عند ابن إسحاق ، فيطعم من يرد عليه من المشركين ، وجاء عن بعض المشايخ أنه يتعبد بالتفكير ذكره السيوطي في حاشية مسلم ، وفي التحرير للإمام ابن الهمام أن المختار أنه - صلى الله عليه وسلم - قبل مبعثه متعبد ، فقيل بشرع نوح ، وقيل إبراهيم ، وقيل موسى ، وقيل عيسى ، ونفاه المالكية والآمدي ، وتوقف الغزالي أي : في تعبده قبل البعثة بشرع من قبله . وفي شرح التحرير قال إمام الحرمين ، والمازري وغيرهما : لا يظهر لهذه المسألة ثمرة في الأصول ، ولا في الفروع ، بل يجري مجرى التواريخ المنقولة ، ولا يترتب عليها حكم في الشريعة اهـ .

والظاهر أن المراد بالتعبد هنا التجرد للعبودية ، وهو الانقطاع عن الخلق بالكلية والتبتل إلى الحق بحسب ما يقتضيه صفة الربوبية ، والخلو عن المطالب النفسية ، والمآرب الشهوية ، وخلاصته الغيبة عما سواه ، والحضور مع الله المترجم عنه قول : لا إله إلا الله الوارد فيه : أفضل الذكر لا إله إلا الله المعنى بقوله : فاعلم أنه لا إله إلا الله المعبر عنه عند الصوفية بالفناء والبقاء ، والانفصال ، والبينونة والكينونة ، وهو نهاية مراتب العباد وغالب مطالب العباد . ( قبل أن ينزع إلى أهله ) ، يقال : نزع إلى أهله ينزع أي اشتاق ومال ، ولذا قيل : ينزع يرجع زنة ومعنى . قال شارح : والمعنى أنه كان لا يميل عن أهله بالكلية إلى خلوته ، ويدل عليه قوله : ( ويتزود ) : بالرفع أي : فيجيء أهله ويأخذ زاده ( لذلك ) ، أي : لتعبده الليالي ذوات العدد ، أو لما ذكر من الليالي مشتغلا برب العباد ومتهيئا لأمر المعاد إلى فراغ الزاد . ( ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها ) ، أي : لمثل تلك الليالي ، أو لنحو تلك العودة التي فيها الجودة ، وفيه إيماء إلى أن أخذ الزاد لا ينافي التوكل والاعتماد ، والحاصل أنه - صلى الله عليه وسلم - استمر على تلك الحال من الذهاب للآمال والرجوع .

[ ص: 3730 ] لنيل المنال وحسن المآل . ( حتى جاءه الحق ) أي : أمر الحق وهو الوحي ، أو رسول الحق وهو جبريل عليه السلام ، ذكره التوربشتي ، أو معنى تبين له الحق وظهر له الجمال المطلق بلا مراعاة ولا مراء . ( وهو في غار حراء ، فجاءه الملك ) : اللام للعهد وهو جبريل ، وقيل إسرافيل ( قال : اقرأ ) . أي : مطلقا وهو مقتضى الأمر الباهر أو كما أقرأ وهو الظاهر ( قال : ( ما أنا بقارئ ) أي : لا أحسن القراءة ، ولم أتعلم القراءة كما هو المعتاد فيمن يقرأ . ( قال : ( فأخذني فغطني ) : بتشديد الطاء أي : عصرني قبل الغط . في الأصل المقل في الماء ، والتغويص فيه على ما في النهاية وغيره ، ولما كان الغط مما يأخذ بنفس المغطوط استعمل مكان الخنق ، وفي بعض الروايات فخنقني . أقول : الأظهر أن الغط هو العصر إما من جهة البطن أو الظهر ، لكن شدته ربما تضيق النفس ، فيشابه حالة الخنق ، فعبر عنه بالخنق ، وهذا المعنى أولى وأخلق . وفي شرح مسلم قالوا : والحكمة في الغط شغله عن الالتفات والمبالغة في أمره بإحضار قلبه لما يقوله ، وإنما كرره ثلاثا مبالغة في التنبيه ، ففيه أنه ينبغي للمعلم أن يحتاط في تنبيه المتعلم ، ويأمره لإحضار قلبه ، وقيل إنما غط ليختبره ، هل يقول من تلقاء نفسه شيئا ، وحاصل المعنى عصرني عصرا شديدا . ( حتى بلغ مني الجهد ) ، بضم الجيم ويفتح بالرفع وينصب . قال النووي : الجهد يجوز فيه فتح الجيم وضمها ، وهو الغاية والمشقة ، ويجوز نصب الدال ورفعها ، فعلى النصب بلغ جبريل في الجهد ، وعلى الرفع بلغ الجهد مني مبلغه وغايته ، وقد ذكر الوجهين - أعني نصب الدال وفتحها - صاحب التحرير اهـ .

وقال شارح : هو بضم الجيم ورفع الدال وهو بالضم الوسع والطاقة وبالفتح المشقة ، وقيل المبالغة والغاية ، وقيل هما لغتان في الوسع ، وأما المشقة والغاية بالفتح لا غير . وقال التوربشتي : لا أرى الذي يرويه بنصب الدال إلا قد وهم فيه ، أو جوزه من طريق الاحتمال فإنه إذا نصب الدال عاد المعنى إلى أنه غطه حتى استفرغ قوته في ضغطه وجهد جهده ، بحيث لم يبق فيه مزيد ، وهذا قول غير سديد ، فإن البنية البشرية لا تستدعي استيفاء القوة الملكية ، لا سيما في مبدأ الأمر ، وقد دلت القضية على أنه اشمأز من ذلك وتداخله الرعب . قال الطيبي : لا شك أن جبريل في حالة الغط لم يكن على صورته الحقيقية التي تحلى بها عند سدرة المنتهى ، وعندما رآه مستويا على الكرسي ، فيكون استفراغ جهده بحسب الصورة التي تجلى له وغطه ، وإذا صحت الرواية اضمحل الاستبعاد . أقول : لا يلزم من تشكل الملك بصورة الآدمي وتبدله عن أصل هيئة الملك - سلب القوة عنه ، ونفي الغلبة منه فإن الأمر المعنوي لا يتغير بتغير الهيكل الصوري ، فكلام الشيخ في محله وصحة الرواية موقوفة على نقلها لا بمجرد جوازها وذكرها وحملها .

( ثم ) أي : بعدما بلغ بقربه مني الجهد ( أرسلني ) أي : تركني في مقام البعد ، وكأنه نقل من مقام الجمع إلى حال التفرقة ، ومن مرتبة الولاية إلى مرتبة النبوة ترقيا إلى درجة جمع الجمع ( فقال : اقرأ فقلت : ما أنا بقارئ ) الظاهر من صنيع الشراح أن قوله ما أنا بقارئ في كل مرتبة على معنى واحد ، ويمكن أن يقال أن ( ما ) في الأولى نافية ، وفي الثانية استفهامية ، والباء زائدة أو على لغة أهل مصر أي : أي شيء أنا أقرؤه . ( فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ، ثم أرسلني فقال : اقرأ فقلت : ما أنا بقارئ ) . أي : الذي أنا بقارئ ما هو ؟ على أن ما : موصولة مبتدأ وخبره محذوف ، والفرق بينه وبين ما قبله في المعنى المرام أن الأول استفهام الإنكار ، وهذا استفهام الإعلام . ( فأخذني فغطني الثالثة ، حتى بلغ مني الجهد ، ثم أرسلني ، فقال : ( اقرأ باسم ربك ) : قال النووي : هذا دليل صريح في أن أول ما نزل من القرآن : اقرأ ، وهو الصواب الذي عليه الجماهير من السلف والخلف ، وقيل أوله : ياأيها المدثر وليس بشيء . قلت : الظاهر أن اقرأ أوله الحقيقي ويا أيها المدثر أوله الإضافي ، وهو بعد فترة الوحي إلا الإلهي قال : واستدل بهذا الحديث من يقول : ( بسم الله الرحمن الرحيم ) ليست بقرآن في أوائل السور ، لكونها لم تذكر هنا ، وجواب المثبتين لها أنها لم تنزل أولا ، بل نزلت البسملة في وقت آخر ، كما نزلت باقي السور في وقت آخر . فلا تكون البسملة جزءا لجميع أوائل السور لعدم القائل بالفصل ، فثبت مدعي أهل الفضل ، ولعل النووي لما أشعر ضعف الجواب أسنده إليهم تبريا من قولهم والله أعلم بالصواب .

[ ص: 3731 ] قال الطيبي : اقرأ أمر بإيجاد القراءة مطلقا ، وهو لا يختص بمقروء دون مقروء ، فقوله : ( باسم ربك ) حال أي : اقرأ مفتتحا باسم ربك أي قل : ( بسم الله الرحمن الرحيم ) ثم اقرأ ، وهذا يدل على أن البسملة مأمور قراءتها في ابتداء كل قراءة ، فيكون مأمورا قراءتها في هذه السورة أيضا . قلت : لا يخفى بعد ما ذكره على أولي النهى . أما قوله : أمر بإيجاد القراءة ففيه بحث ، فإن الإيجاد والإمداد من أفعال رب العباد على ما هو مقرر في الاعتقاد ، فالأمر إنما توجه بمباشرة القراءة لا بإيجادها ، ثم قوله : وهو لا يختص بمقروء دون مقروء ، ففيه أن لفظ اقرأ هنا أيضا مقروء ، فالظاهر أن الباء للاستعانة أو للإلصاق أو الملابسة ، كما حقق في البسملة أول الفاتحة أي : اقرأ مستعينا باسم ربك ، أو ملصقا به قراءتك ، أو حال كونك متلبسا به وعلى المنزل ، فلا يلزم من الافتتاح باسم الرب أن يؤتى : بسم الله الرحمن الرحيم ، ثم يقرأ كما هو ظاهر ، بل ظاهره خلاف المأمور على أنه يلزم منه أن المقروء بعد قوله : اقرأ باسم ربك والحال أن الأمر ليس كذلك ، فإن مدعى الشافعية أن يثبتوا البسملة قبل قوله : اقرأ باسم ربك ثم قوله : وهذا يدل على أن البسملة مأمور قراءتها في ابتداء كل قراءة ممنوع ومدفوع ، لاتفاق العلماء على استحباب التعوذ ، أو وجوبه قبل القراءة وعلى جواز البسملة كذلك إلا في أول براءة على الصواب ، وفي أثناء سورتها خلاف والمعتمد منعها . ( الذي خلق ) . أي : الأشياء ومن جملتها خلق القدرة على القراءة والقوة على الطاعة ( خلق الإنسان من علق ) : تخصيص بعد تعميم إشعارا بأن الإنسان خلاصة المخلوقات وزبدة الموجودات ، وهو أولى مما اختاره الطيبي من أنه إبهام وتبيين ، ولعل العدول عن قوله : خلق الإنسان من نطفة ، لمراعاة الفواصل وللإشارة إلى تنقله في أطوار الخلقة إلى مرتبة النبوة بالوصول إلى الحق المطلق ، وإلى مقام الرسالة من دعاء الخلق إلى دعوة الحق . ( اقرأ ) : تأكيد للتقرير وتكرير للتكثير ( وربك الأكرم ) أي : من كل كريم ، فإن كرم كل كريم من أثر كرمه ، وذرة من شعاع ظهور شمس نعمه ، وفيه إشارة إلى أن وصفه الأكرم اقتضى بلوغ وصول الأمي إلى حصول مقام الأعلم ، وصيره واسطة إيصال فيض العلم إلى أفراد العالم . ( الذي علم بالقلم ) أي : بواسطته كثيرا من العلوم المتعارف لأفراد بني آدم ( علم الإنسان ) أي : بطريق بيان اللسان وتبيان الجنان ( ما لم يعلم ) ، أي : من الأشياء الحادثة في المكان والزمان ، ويمكن أن يراد بالإنسان هو الكامل في هذا الشأن ، واللام للمعهود في الأذهان ، فيكون فيه إشارة إلى قوله تعالى : وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما فصلوا عليه وسلموا تسليما .

( فرجع بها ) أي : رجع النبي - صلى الله عليه وسلم - بالآيات أي : معها متوجها إلى مكة ( يرجف ) : بضم الجيم أي : يضطرب ( فؤاده ) ، ويتحرك شديدا من الرعب الذي دخل في قلبه ( فدخل على خديجة ) ، قال الطيبي أي : صار بسبب تلك الضغطة يضطرب فؤاده ، ورجع يجيء بمعنى قصد أيضا اهـ . وما قدمناه هو الظاهر كما لا يخفى ( فقال : ( زملوني ) : بتشديد الميم المكسورة أي : غطوني بالثياب ولفوني بها ( زملوني ) : كرره للتأكيد أو زيادة التأبيد . ( فزملوه حتى ذهب عنه الروع ) ، بفتح الراء أي : الخوف والرعب الشديد ( فقال لخديجة وأخبرها الخبر ) أي : خبر ما تقدم والجملة حالية معترضة بين القول ومقوله وهو : ( لقد خشيت ) أي : خفت ( على نفسي ) أي : من الجنون أو الهلاك . وقال شارح : أدهشته هيبته البديهة فخشي على نفسه من تخبط الشيطان ، وفي شرح مسلم للنووي قال القاضي عياض : ليس هو بمعنى الشك فيما آتاه الله تعالى ، لكنه ربما خشي أنه لا يقوى على مقاومة هذا الأمر ، ولا يقدر على حمل أعباء الوحي ، فتزهق نفسه ، أو يكون هذا لأول التباشير في النوم أو اليقظة ، وسمع الصوت قبل لقاء الملك ، وتحقيق رسالة ربه ، فيكون قد خاف أن يكون من الشيطان ، فأما منذ جاءه الملك برسالة ربه سبحانه وتعالى ، فلا يجوز الشك فيه وتسليط الشيطان عليه . قال الشيخ محيي الدين : وهذا الاحتمال ضعيف لأنه تصريح بأن هذا بعد غط الملك وإتيانه : بـ اقرأ باسم ربك . وقال السيوطي ، قيل : خشي الجنون ، وأن

[ ص: 3732 ] يكون ما رآه من جنس الكهانة . قال الإسماعيلي : وذلك قبل حصول العلم الضروري له أن الذي جاءه ملك ، وأنه من عند الله ، وقيل الموت من شدة الرعب ، وقيل المرض ، وقيل العجز عن حمل أعباء النبوة ، وقيل عدم الصبر على أذى قومه ، وقيل أن يقتلوه ، وقيل أن يكذبوه ، وقيل أن يعيروه . ( فقالت خديجة : كلا ) ، هي كلمة ردع أي : لا تظن ذلك ، أو لا تخف أو معناه حقا ، فقولها ( والله ) : للتأكيد وتأييد للتأبيد ، لا يخزيك الله أبدا ) ، قال النووي : هو بضم الياء وبالخاء المعجمة في رواية يونس وعقيل ، وفي رواية معمر بالحاء المهملة والنون ، ويجوز فتح الياء في أوله وضمها ، وكلاهما صحيح أقول : لا يخفى أن فتح الياء إنما يكون مع فتح الزاي بخلاف ضم الياء ، فإنه مع كسر الزاي كما قرئ بها متواترا في قوله تعالى : ولا يحزنك قولهم ونحوه . وأما الرواية الأولى : فمن الإخزاء بمعنى الإفضاح والإهانة ، ومنه قوله تعالى : يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه ( إنك ) : بالكسر استئناف فيه شائبة تعليل ( لتصل الرحم ) ، أي : ولو قطعوك ( وتصدق الحديث ) ، بضم الدال أي : تتكلم بصدق الكلام ولو كذبوك أو كذبوك ( وتحمل ) : بكسر الميم ( الكل ) : بفتح الكاف وتشديد اللام ، وهو ما لا يستقل بأمره وقد يعبر عن الثقيل ، ومنه قوله تعالى : وهو كل على مولاه والمعنى أنك تتحمل مؤنة الكل ، وتقبل محنة الكل ، وإن تركوك ولم يساعدوك ، ويدخل في حمل الكل الإنفاق على الضعيف واليتيم والأرامل والعيال من النساء والرجال . ( وتكسب المعدوم ) ، بفتح التاء هو الصحيح المشهور ، وروي بضمها ذكره النووي ، والمعنى تحصل المال للخير ، أو تعطي المحتاج ، فكأن الفقير معدوم في نفسه ، أو في نظر الغني ، أو لأن الفقر يقتضي الفناء والإسكان ، كما أن الغنى يوجب الظهور والتحرك والطغيان . ( وتقري ) : بفتح التاء وكسر الراء أي : تطعم ( الضعيف ) ، أي : النازل بك ( وتعين على نوائب الحق ) ، أي : الحوادث الجارية على الخلق بتقدير الحق أي : يناب فيها ، وقيل : النوائب جمع النائبة وهي الحادثة ، وإنما أضيفت إلى الحق لأن النائبة قد تكون في الخير ، وقد تكون في الشر . قال لبيد :


نوائب من خير وشر كلاهما فلا الخير ممدود ولا الشر لازب

هذا مجمل المرام في هذا المقام . وأما تفصيل الكلام على ما بينه علماء الأعلام ، فقد قال ثعلب والخطابي وغيرهما : يقال : كسبت الرجل مالا وأكسبته مالا لغتان ، أفحمهما كسبته بحذف الألف ، فمعنى الضم تكسب غيرك المال المعدوم ، أي : تعطيه إياه تبرعا ، فحذف الموصوف ، وأقيم الموصوف به مقامه ، وقيل : المعنى تعطي الناس مالا يجدونه عند غيرك من نفائس الفوائد ومكارم الأخلاق ، أو تصيب منه ما يعجز غيرك عن تحصيله ، وكانت العرب تتمادح بكسب المال ، لا سيما قريش ، وكان - صلى الله عليه وسلم - مغبوطا في تجارته . قال النووي : وهذا القول ضعيف أو غلط ، ويمكن تصحيحه بأن يضم معه زيادة ، فمعناه تكسب المال العظيم الذي يعجز غيري عنه ، ثم تجود به في وجوه الخير وأبواب المكارم ، كما ذكرت من حمل الكل وصلة الرحم وغيرهما ، وصاحب التحرير جعل المعلوم عبارة عن الرجل المحتاج المعلوم العاجز عن الكسب ، وسماه معلوما لكونه كالمعلوم الميت حيث لم يتصرف في معيشة الحياة اهـ .

وقيل : الصواب وتكسب المعدوم أي تعطي العائل وتمنحه لأن المعدوم لا يدخل تحت الأفعال . قال التوربشتي : المعدوم هي اللفظة الصحيحة بين أهل الرواية ، وأجراها بعضهم على التوسع ، فرأى أنه نزل العائل منزلة المعدوم مبالغة في العجز كقولك للبخيل والجبان : ليس بشيء . قال : ويكسب من كسبت زيدا مالا أو كسبت مالا ، ويجوز بضم التاء من أكسبت زيدا مالا . قال الخطابي : والأفصح كسبته ، فمعنى تكسب إن جعل متعديا إلى واحد أنك تكسب ما لا يكون موجودا ولا حاصلا لنفسك ، وتقري به الضيف ، فيكون المجموع سببا لأن لا يخزيه الله أو تكسب المعدوم ، وهو الفقير سمي معدوما للمبالغة ، كأنه صار من غاية فقره معدوما والمتصدق عليه يكسبه ويجعله ؛ موجودا ، وإن جعل متعديا إلى اثنين فالمحذوف إما المفعول الأول ، أي : تكسب غيرك المعدوم ، أي : يعطيه مالا يكون .

[ ص: 3733 ] موجودا عنده وتوصله إليه أو المفعول الثاني أي : تكسب المعدوم أي : الفقير مالا أي : تعطيه إياه ، وإنما ذكرت لفظ الكسب إرادة أنك لن تزال تسعى في طلب عاجز تنعشه كما يسعى غيرك في طلب مال ينعشه اهـ . وزبدته ، أنها أرادت أنك ممن لا يصيبه مكروه لما جمع الله فيك من مكارم الأخلاق ، ومحاسن الشمائل ، وفيه دلالة على أن مكارم الأخلاق وخصال الخير سبب للسلامة من مصارع السوء ، وفيه مدح الإنسان في وجهه في بعض الأحوال لمصلحة تطرأ ، وفيه تأنيس من حصلت له مخالفة من أمر وتبشيره ، وذكر أسباب السلامة ، وفيه أعظم دليل وأدل حجة على كمال خديجة رضي الله عنها وجزالة رأيها وقوة نفسها وثبات قلبها وعظم فقهها ، وفيه تنبيه على أن فقره - صلى الله عليه وسلم - كان مرضيا اختياريا لا مكروها اضطراريا ، ومنشؤه كمال الكرم والسخاوة ، وعلى أن هذه الصفات المذكورة والنعوت المسطورة كانت له جبلية خلقية قبل بعثته الباعثة لتتميم مكارم الأخلاق .

( ثم انطلقت به خديجة إلى ورقة ) بفتحتين ( بن نوفل ) أي : ابن أسد القرشي ( ابن عم خديجة ) أي : ابنة خويلد بن أسد ، فهو ابن عمها حقيقة ، واختلف في إسلامه ، ذكره صاحب القاموس . ( فقالت لي : يا ابن عم ! اسمع من ابن أخيك ) . وهذا بطريق المجاز كقولهم : يا أخا العرب وقال شارح : إنما قالت ذلك على سبيل التعظيم لا على سبيل الحقيقة . ( فقال له ورقة ) : وقد كان تنصر في الجاهلية ، وقرأ الكتب ، وكان شيخا كبيرا قد عمي ، ذكره المؤلف في فصل الصحابة . ( يا ابن أخي ! ماذا ترى ) ؟ قيل : ذا ، زائدة ، وما استفهامية ، وقيل ذا : موصولة أي : ما الدين تراه ؟ ( خبره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خبر ما رأى ) أي : بخبره ، وأطلعه على ما ظهر عليه من الملك وأثره ، فقال ورقة : هذا ) أي : الملك الذي رأيته ( هو الناموس الذي أنزل ) أي : أنزل الله ( على موسى ) ، قيل : ناموس الرجل صاحب سره الذي يطلعه على باطن أمره ، وأهل الكتاب يسمون جبريل بالناموس ، فقد قال أهل اللغة : الناموس : صاحب سر الخير ، والجاسوس : صاحب سر الشر ، فقيل : سمي بذلك لأن الله تعالى خصصه بالوحي . ( يا ليتني ) أي : كنت كما في نسخة ( فيها ) أي : في أيام النبوة أو مدة الدعوة أو الأزمنة التي تظهر فيها ( جذعا ) : بفتح الجيم والذال المعجمة أي : جلدا شابا قويا حتى أبالغ في نصرتك بمنزلة الجذع من الخيل ، وهو ما دخلت في السنة الثالثة ، فالجذع في الأصل للدواب ، وهنا استعارة ، ونصبه إما بإضمار كنت أو بليت على تأويل تمنيت ، والأصح أنه حال أي : ليتني حاصل فيها جذعا كما هو مذهب البصريين في :


يا ليت أيام الصبا رواجعا

قال الخطابي والمازري وغيرهما : نصب على أنه خبر كان المحذوفة تقديره : ليتني أكون فيها جذعا على مذهب الكوفيين ، وقال القاضي : الظاهر عندي أنه منصوب على الحال ، وخبر ليت قوله : فيها ، والعامل متعلق الظرف ، هذا وفي قوله : يا ليتني المنادى محذوف أي : يا محمد ، وقال ابن مالك : ظن أكثر الناس أن ( يا ) التي يليها ليت حرف نداء ، والمنادى محذوف ، وهو عندي ضعيف ، لأن قائل ليتني قد يكون وحده ، فلا يكون معه منادى كقول مريم : ياليتني مت قبل هذا قلت : يمكن أن يكون التقدير : يا رب أو يا نفسي أو يا ولدي أو أرادت به الخطاب العام المقصود في أوهام الأفهام ، ثم قال : ولأن الشيء إنما يجوز حذفه إذا كان الموضع الذي ادعي فيه حذفه مستعملا فيه ثبوته كحذف المنادى قبل أمر أو دعاء ، فإنه يجوز حذفه لكثرة ثبوته منه ، فمن ثبوته قبل الأمر : يايحيى خذ الكتاب بقوة وقيل الدعاء ياموسى ادع لنا ربك ومن حذفه قبل الأمر ( ألا يا اسجدوا ) في قراءة الكسائي أي : ألا يا هؤلاء ، وقبل الدعاء قوله :


ألا يا اسلمي يا دار مي على البلا

[ ص: 3734 ] أي : ألا يا دار مي اسلمي فحسن حذف المنادى جعلها اعتمادا على ثبوته ، بخلاف ليت ، فإن العرب لم تستعمله ثابتا فادعاء حذفه باطل ، فتعين كون يا هذه لمجرد التنبيه مثل ألا في نحو :


ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة

قلت : لعل وجه حذف المنادى مع ليت كثرة استعماله ، فتارة يكون مفردا مذكرا أو مؤنثا ، وتارة تثنية أو جمعا كذلك ، وتارة يكون محققا وأخرى يكون موهوما ، ولا شك أن كثرة الاستعمال موجبة للحذف والتخفيف ، حتى ربما تجعل الحذف واجبا ، فادعاء حذفه بهذا الاعتبار حق ، بل واجب لا باطل وذاهب ، ثم رأيت في القاموس ذكر جواز الوجهين ، وقدم ما قدمناه حيث قال : وإذا ولي يا ما ليس بمنادى كالفعل في : ألا يا اسجدوا ، والحرف في نحو : ( ياليتني كنت معهم ) ، ويا رب كاسية في الدنيا عارية في العقبى ، والجملة الاسمية نحو :


يا لعنة الله والأقوام كلهم     والصالحين على سمعان من جار

فهي للنداء والمنادى محذوف أو لمجرد التنبيه لئلا يلزم الإجحاف بحذف الجملة كلها اهـ . وتبعه صاحب المغني ، وفيه بحث لا يخفى والله تعالى يعلم السر وأخفى . ( ليتني أكون حيا ) أي : وإن لم أكن قويا ( إذ يخرجك ) : إذ هنا للاستقبال كإذا ، والمعنى حين يتسبب لخروجك من بلدك ( قومك ) أي : أقاربك من كفار قريش ، ( فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم : ( أو مخرجي هم ) ؟ بفتح الواو وتشديد الياء المفتوحة ويجوز كسرها كقوله : مصرخي وهو خبر لقوله : هم ، وأصله مخرجون أضيف إلى ياء الإضافة بكسر الجيم للمناسبة ، فإعرابه تقديري كمسلمي ، والجملة عطف على مقدر ، والاستفهام للاستعلام على وجه التعجب من هذا الإقدام لتأكيد المرام أي : أيكون ما قلت وهو مخرجي ؟ ( فقال : نعم ) . أي : يخرجونك وسببه ( أنه لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به ) أي : من الرسالة ( إلا عودي ) : ماض مجهول من المعاداة ، والاستثناء مفرغ من أعم عام الأحوال ( وإن يدركني يومك ) : شرط جزاؤه ( أنصرك نصرا مؤزرا ) . بتشديد الزاي المفتوحة . قال القاضي : يريد باليوم الزمان الذي أظهر فيه الدعوة ، أو عاداه قومه فيه ، وقصدوا إيذاءه ، وإخراجه ، والمؤزر البالغ في القوة من الأزر ، وهو القوة . قلت : ومنه قوله تعالى : اشدد به أزري . ( ثم لم ينشب ورقة ) : بسكون النون وفتح الشين أي : لم يلبث ولم يبرح ، وحقيقته أنه لم يتعلق بشيء ، لم يشتغل بغير ما هو عليه ، فكنى به عن ذلك وقوله : ( أن توفي ) ، نصب على التمييز أي : من جهة الوفاة أي : لم تلبث وفاته بأن جاءت سريعا . وقال الطيبي : بدل اشتمال من ورقة أي : لم يلبث وفاته ( وفتر الوحي ) أي : انقطع أياما كما سيأتي في الحديث الآتي . ( متفق عليه ) .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث