الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

6003 - وعن أبي نوفل ، معاوية بن مسلم ، قال : رأيت عبد الله بن الزبير على عقبة المدينة ، قال : فجعلت قريش تمر عليه والناس ، حتى مر عليه عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - فوقف عليه ، قال : السلام عليك أبا خبيب ! السلام عليك أبا خبيب ! السلام عليك أبا خبيب . أما والله لقد كنت أنهاك عن هذا ، أما والله لقد كنت أنهاك عن هذا ، أما والله لقد كنت أنهاك عن هذا ، أما والله إن كنت ما علمت صواما قواما وصولا للرحم ، أما والله لأمة أنت شرها لأمة سوء - وفي رواية لأمة خير - ثم نفذ عبد الله بن عمر ، فبلغ الحجاج موقف عبد الله وقوله ، فأرسل إليه ، فأنزل عن جذعه ، فألقي في قبور اليهود ، ثم أرسل إلى أمه أسماء بنت أبي بكر ، فأبت أن تأتيه ، فأعاد عليها الرسول لتأتيني أو لأبعثن إليك من يسحبك بقرونك ، قال : فأبت وقالت : والله لا آتيك حتى تبعث إلي من يسحبني بقروني وقال : فقال : أروني سبتي ، فأخذ نعليه ، ثم انطلق يتوذف حتى دخل عليها ، فقال : كيف رأيتني صنعت بعدو الله ؟ قالت : رأيتك أفسدت عليه دنياه وأفسد عليك آخرتك ، بلغني أنك تقول له : يا ابن ذات النطاقين ! أنا والله ذات النطاقين ، أما أحدهما : فكنت أرفع به طعام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وطعام أبي بكر من الدواب ، وأما الآخر : فنطاق المرأة التي لا تستغني عنه ، أما إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حدثنا : ( إن في ثقيف كذابا ومبيرا ) ، فأما الكذاب فرأيناه وأما المبير فلا إخالك إلا إياه قال : فقام عنها فلم يراجعها . رواه مسلم .

التالي السابق


6003 - ( وعن أبي نوفل معاوية بن مسلم ) : قال المؤلف : سمع ابن عباس وابن عمر ، وروى عنه شعبة ، وابن جريج . ( قال : رأيت عبد الله بن الزبير على عقبة المدينة ) : يريد على عقبة مكة واقعة في طريق أهل المدينة حين ينزلون مكة ، وكان عبد الله بن الزبير مصلوبا هناك . ولذا جعل له قبر في الحجون قريب العقبة ، لكنه غير ثابت ، وكذا سائر قبور الصحابة في مقبرة مكة ليس لها محل معين على وجه الصحة حتى تربة خديجة - رضي الله عنها - أيضا ، وإنما بنى عليها اعتمادا على رؤيا بعض الأولياء والله أعلم . ( قال ) أي : أبو نوفل ( فجعلت قريش تمر عليه ) أي : على ابن الزبير ( والناس ) أي : وسائر الناس يمرون عليه أيضا ( حتى مر عليه عبد الله بن عمر فوقف عليه قال : السلام عليك أبا خبيب ) ، بضم الخاء المعجمة وفتح الموحدة الأولى بعدها تحتية ساكنة ، كنية ابن الزبير كني بابنه خبيب أكبر أولاده ، ( السلام عليك أبا خبيب ، السلام عليك أبا خبيب ) ، فيه استحباب تثليث السلام على الميت ولو قبل الدفن . ( لقد كنت أنهاك عن هذا ، لقد كنت أنهاك عن هذا ، لقد كنت أنهاك عن هذا ) . المشار إليه بهذا صلبه ، والمعنى كنت أنهاك عما يؤدي إلى ما أراك فيه . قال الطيبي فعلى هذا هو من وادي قوله تعالى : إنما يأكلون في بطونهم نارا يعني من جهة مجاز الأول نحو قوله : أعصر خمرا ( أما ) : بالتخفيف للتنبيه ( والله إن كنت ) : إن هي المخففة من المثقلة وضمير الشأن محذوف وقوله ( ما ) : زائدة ( علمت ) أي : علمتك ( صواما ) أي : كثير الصيام في النهار ( قواما ) : كثير القيام في الليل ( وصولا ) : بفتح الواو أي : مبالغا في الصلة ( للرحم ) أي : للقرابة وفي ( شرح مسلم ) قال القاضي عياض : هذا أصح من قول بعض الأخباريين ووصفه بالإمساك ، وقد عده صاحب كتاب ( الأجواد ) فيهم ، وهو المعروف من أحواله انتهى .

وقد أراد ابن عمر بهذا القول براءة ابن الزبير مما نسب إليه الحجاج من قول عدو الله وظالم ونحوه ، وإعلام الناس بمحاسنه ، وأن ابن الزبير كان مظلوما ومرجوما وعاش سعيدا ومات شهيدا أما كرره تأكيدا ، ( والله لأمة ) أي : لجماعة ( أنت شرها ) أي : بزعمهم ( لأمة سوء ) : بفتح السين وتضم أي : لفساد فهمهم وسوء اعتقادهم . قوله : لأمة مبتدأ . وأنت شرها صفتها أي : ولأمة أنت أكثر من وصل إليه شر الناس لأمة سوء ، فالحكم فرضي وتقديري ، أوزعمي وادعائي على طريق الإنكاري .

( وفي رواية : لأمة خير ) . فهو سبيل تهكمي واستهزائي وهو نظير ما قال بعضهم حين إخراج أبي يزيد البسطامي من بلده بلد أبو يزيد شر أهلها نعم البلد . وفي ( شرح مسلم ) للنووي : هكذا هو مروي عن مشيختنا ، وكذا نقله القاضي عن جمهور رواة ( صحيح مسلم ) ، ونقله القاضي عن رواة السمرقندي : لأمة سوء . قال : وهو خطأ وتصحيف أي : سهو وتحريف ، لكن حيث صحت الرواية وطابقت الدراية فلا معنى للتخطية . ( ثم نفذ ) : بفتح النون والفاء والذال المعجمة أي : ذهب ( ومضى عبد الله بن عمر ، فبلغ الحجاج ) أي : الظالم ( موقف عبد الله ، وقوله ) أي : خبر وقوفه عليه ، وقوله في حقه لديه ( فأرسل ) أي : الحجاج ( إلى ) أي : إلى ابن الزبير ( فأنزل ) : بصيغة المجهول ( عن جذعه ) أي : المصلوب عليه ( فألقي ) : بصيغة المجهول أي : فطرح ( في قبور اليهود ) أي : في موضع قبورهم من سكان مكة ، أو من واديها من غير أهلها ، وهذا لا ينافي ما سبق من أنه مدفون في أعلى المعلى ; لأنه حمل بعد ذلك من ذلك المحل الأدنى ودفن في الموضع الأول . ( ثم أرسل أي : الحجاج ( إلى أمه أسماء بنت أبي بكر ) أي : يطلبها ( فأبت أن تأتيه ) أي : فامتنعت من الإتيان إليه ، والوقوف لديه والسلام عليه ، ( فأعاد عليها الرسول ) أي : قائدا على لسانه ( لتأتيني ) : بتشديد النون على صيغة الخطاب لقوله : ( أو لأبعثن إليك ) ، أي : لأرسلن إلى إتيانك إلي ( من يسحبك ) : بفتح الحاء أي : يجرك ( بقرونك ) أي : بضفائر شعرك .

( قال ) أي : أبو نوفل ( فأبت ، وقالت : والله لا آتيك ) : . بمد الهمزة أي : لا أجيئك ( حتى تبعث إلي من يسحبني بقروني . قال ) ، أي : أبو نوفل ( فقال ) أي : الحجاج ( أروني سبتي ) : بكسر السين المهملة وسكون الموحدة .

[ ص: 3873 ] وفتح الفوقية وتشديد التحتية أي : نعلي وكذا ضبطه النووي وقال : هي النعل التي لا شعر عليها . وفي نسخة صحيحة سبتيتي بكسر فسكون فكسر فوقية فتشديد تحتية ففتح فوقية فتحتية مشددة ، ففي النهاية : السبت بالكسر الجلود المدبوغة بالقرظ ، وهو بالتحريك ورق السلم يتخذ منها النعال أي : السبتية سميت بذلك لأن شعرها قد سبت عنها أي : حلق وأزيل . وقيل : لأنها انسبتت بالدباغ أي : لانت ، ويقال للنعل المتخذ منها سبت اتساعا ، ومنه : يا صاحب السبتين ، ويروى السبتيتين على النسب ، وقال أبو داود : منسوب إلى موضع يقال له : سوق السبت ، وفي المشارق قوله : أروني سبتيتي ، ويا صاحب السبتيتين بيائين ، وذكر الهروي بياء واحدة مخففة تثنية سبت انتهى .

والمعنى ائتوني بهما أو قدموهما لي ( فأخذ نعليه ) أي : فلبسهما ( ثم انطلق يتوذف ) : بالواو والذال المعجمة المشددة قال أبو عبيد : معناه يسرع ، وقيل : يتبختر ( حتى دخل عليها ) أي : على أسماء ( فقال : كيف رأيتني ) : بكسر التاء ، وفي نسخة بإشباع كسرتها ياء أي : كيف وجدتني ( صنعت بعدو الله ) ؟ أراد به ابنها على زعمه الفاسد ، واعتقاده الكاسد ( قالت : رأيتك أفسدت عليه دنياه ، وأفسد عليك آخرتك ) . والإسناد سببي فيهما ( ثم قالت : بلغني أنك تقول له ) أي : في حياته أو بعد مماته ( يا ابن ذات النطاقين ) : بكسر النون وهو ما تشد به المرأة وسطها عند معاناة الأشغال ، لترفع به ثوبها ، وسميت بذلك لأنها قطعت نطاقها نصفين عند مهاجرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وشدت بأحدهما قربته ، وبالآخر سفرته ، فسماها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يومئذ ذات النطاقين ، وقيل : شدت بأحدهما سفرته ، وبالآخر وسطها للشغل ، وكان الحجاج من خبثه حمل قوله - صلى الله عليه وسلم - في حقها ذات النطاقين على الذم ، وأنها خدامة وخراجة ولاجة تشد نطاقها للخدمة ، فكأنها سلمت أنها ذات نطاقين ، ولكن نطاق ليس هذا شأنه ، وإليه الإشارة بقولها : ( أنا والله ذات النطاقين : أما أحدهما ، فكنت أرفع به طعام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وطعام أبي بكر من الدواب ) : متعلق بأرفع أي : أربط به سفرة طعامهما ، وأعلقها مرفوعة خشية من الدواب كالفأرة والذرة ونحوهما . ( وأما الآخر ، فنطاق المرأة التي لا تستغني عنه ) . إما لخدمتها المتعارفة في بيتها الممدوحة في حقها ، وإما لربطها في وسطها إبقاء لحالها خشية أن تصير بطونية ، كما هو الآن عادة العرب من الحزام ، المصنوع من الجلد للفقراء ، وألحقوا به المصنوع من الذهب والفضة للأغنياء . قال الطيبي : وهو نظير قوله تعالى : ويقولون هو أذن قل أذن خير لكم يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين كأنه قيل : نعم هو أذن كما قلتم إلا أنه أذن خير لا أذن شر ، فسلم لهم قولهم فيه : إلا أنه فسر . بما هو مدح وإن كانوا قصدوا بذلك المذمة . ( أما ) : بالتخفيف للتنبيه ( أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حدثنا أن ) : بالفتح وجوز الكسر على أنه من جملة المحدث ( في ثقيف كذابا ومبيرا ) ، أي : مفسدا ( فأما الكذاب فرأيناه ) . تعني المختار ( وأما المبير فلا إخالك ) : بكسر الهمز وتفتح أي : فلا أظنك ( إلا إياه ) أي : ذلك المبير .

قال الطيبي : الظاهر أن يقال : لا إخاله إلا إياك فقدم ثاني مفعوليه اهتماما ، وأن المحكوم عليه بهذا الحكم هو لا أن المبير من هو فهو ينظر إلى قوله : وجعلوا لله شركاء الجن قدم شركاء وهو المفعول الثاني على الأول ، وهو الجن ، وقدم أيضا لله عليهما اهتماما ومزيدا للإنكار . قال النووي : في سلام ابن عمر عليه وهو مصلوب استحباب السلام على الميت وتكريره ، وفيه الثناء على الموتى بجميل صفاتهم المعروفة ، وفيه منقبة عظيمة لابن عمر لقوله الحق في الملأ وعدم اكتراثه بالحجاج ; لأنه يعلم أن مقامه وثناءه عليه يبلغه ، فلم يمنعه ذلك أن يقول الحق ، ويشهد لابن الزبير بما يعلمه فيه من الخير ، وبطلان ما أشاع عنه الحجاج من قوله : عدو الله وظالم ونحوه ، فأراد ابن عمر - رضي الله عنهما - براءة ابن الزبير من الذي نسب إليه الحجاج ، وإعلام الناس بمحاسنه ، ومذهبنا أن ابن الزبير كان مظلوما انتهى .

ولا أظن أن فيه خلافا في مذهب من المذاهب إلا عند الخوارج ( قال ) أي : أبو نوفل ( فقام عنها ) أي : الحجاج ( فلم يراجعها ) أي : فلم يردها في الكلام ، ثم إنها ماتت بعد قتل ابنها بعشرة أيام ، ولها مائة سنة ولم يقع لها سن . ( رواه مسلم ) .

[ ص: 3874 ]

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث