الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

684 - وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - ، قال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قفل من غزوة خيبر ، سار ليلة ، حتى إذا أدركه الكرى عرس ، وقال لبلال : ( اكلأ لنا الليل . فصلى بلال ما قدر له ، ونام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه .

فلما تقارب الفجر استند بلال إلى راحلته مواجه الفجر ، فغلبت بلالا عيناه ، وهو مستند إلى راحلته ، فلم يستيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا بلال ، ولا أحد من أصحابه حتى ضربتهم الشمس ، فكان رسول الله صلى الله وسلم أولهم استيقاظا ، ففزع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ( أي بلال ! ) . فقال بلال : أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك . قال ( اقتادوا ) فاقتادوا رواحلهم شيئا ، ثم توضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأمر بلالا فأقام الصلاة ، فصلى بهم الصبح . فلما قضى الصلاة ، قال : ( من نسي الصلاة فليصلها إذا ذكرها ; فإن الله تعالى قال : وأقم الصلاة لذكري
) . رواه مسلم .

التالي السابق


684 - ( وعن أبي هريرة قال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قفل ) أي : رجع إلى المدينة ، ومنه تسمية القافلة للسيارة مرجعا ومآلا ، أو مطلقا تفاؤلا ( من غزوة خيبر ) في المحرم سنة سبع ، أقام - عليه السلام - يحاصرها بضع عشرة ليلة إلى أن فتح الله عليه ، وهي من المدينة على ثلاثة أبراد ( سار ليلة ، حتى إذا أدركه الكرى ) بفتحتين هو النعاس ، وقيل : النوم ( عرس ) من التعريس أي : نزل آخر الليل للاستراحة ( وقال لبلال : اكلأ ) أي : احفظ واحرس ( لنا الليل ) أي : آخره لإدراك الصبح ( فصلى بلال ما قدر له ) من الجمع بين العبادتين الصلاة والحراسة ، أو ما تيسر له من التهجد ( ونام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ) قال ابن الملك : عطف على الضمير المرفوع

[ ص: 576 ] المتصل في " نام " ، وفي نسخة : نام ونام أصحابه اهـ . وهذا إعراب لفظ المصابيح ، إذ لفظه : ونام أصحابه ، وأما على ما في المشكاة ، أو عطف على رسول الله ، ويجوز نصبه على المفعول معه ( فلما تقارب الفجر ، استند بلال إلى راحلته ) لغلبة ضعف السهر وكثرة الصلاة ( مواجه الفجر ) أي : ليرقبه حتى يوقظهم عقب طلوعه وهو بكسر الجيم على أنه فعل لازم ، ولذا قال الطيبي : أي متوجه الفجر يعني موضعه ، وفي نسخة : بفتح الجيم على أن الفعل متعد ، والموجه هو الله تعالى ولكل وجهة ( فغلبت بلالا عيناه ) : قال الطيبي : هذا عبارة عن النوم ، كأن عينيه غالبتاه فغلبتاه على النوم تم كلامه ، وحاصله أنه نام من غير اختيار ( وهو مستند إلى راحلته ) جملة حالية تفيد عدم اضطجاعه عند غلبة نومه ( فلم يستيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا بلال ، ولا أحد من أصحابه حتى ضربتهم الشمس ) أي : أصابتهم ، ووقع عليهم حرها ( فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أولهم استيقاظا ) قال الطيبي : في استيقاظ رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الناس ، إيماء إلى أن النفوس الزكية وإن غلب عليها في بعض الأحيان شيء من الحجب البشرية ، لكنها عن قريب ستزول ، وأن كل من هو أزكى كان زوال حجبه أسرع . ( ففزع رسول الله صلى الله عليه وسلم ) أي : من استيقاظه وقد فاتته الصبح . قال الطيبي : أي هب وانتبه كأنه من الفزع والخوف ; لأن من يتنبه لا يخلو عن فزع ما ( فقال : ( أي بلال ) والعتاب محذوف ومقدر أي : لم نمت حتى فاتتنا الصلاة ; ( فقال بلال ) أي : متعذرا ( أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك ) أي : كما توفاك في النوم توفاني . نقله ميرك عن الطيبي ، وقال : وفيه أي تأمل أو نظر ، والظاهر أن يقال معناه غلب على نفسي ما غلب على نفسك من النوم ، أي : كان نومي بطريق الاضطرار دون الاختيار ليصح الاعتذار ، وليس فيه احتجاج بالقدر كما توهمه بعضهم ، وفي كلامالطيبي إشارة إلى قوله تعالى : الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها الآية ( قال : ( اقتادوا ) أمر من الاقتياد . يقال : قاد البعير واقتاده إذا جر حبله أي : سوقوا رواحلكم من هذا الموضع . ( فاقتادوا ) ماض أي : ساقوا ( رواحلهم شيئا ) يسيرا من الزمان أو اقتيادا قليلا من المكان يعني قال : أذهبوا رواحلكم ، فذهبوا بها من ثمة مسافة قليلة ، ولم يقض الصلاة في ذلك المكان ; لأنه موضع غلب عليهم الشيطان ، أو لأن به شيطانا كما في رواية : " تحولوا بنا عن هذا الوادي فإن به شيطانا " ، وقيل : أخر ليخرج وقت الكراهة ، وبه قال أبو حنيفة ، ومن جوز قضاء الفائتة في الوقت المنهي وهم الأكثرون قالوا : أراد أن يتحول عن المكان الذي أصابتهم فيه هذه الغفلة ، وقد ورد أنه عليه السلام قال : " تحولوا عن مكانكم الذي أصابتكم فيه هذه الغفلة " ، وفي رواية : " ليأخذ كل واحد رأس راحلته ، فإن هذا منزل حضرنا فيه الشيطان " ، كذا ذكره ابن الملك . وهو كذا في شرح السنة .

ثم قال الطيبي : قال النووي : فإن قيل : كيف ذهل النبي صلى الله وسلم ونام عنها ; مع قوله - عليه السلام - في جواب عائشة ، يا رسول الله ، أتنام قبل أن توتر ؟ : إن عيني تنامان ولا ينام قلبي . قلنا : فيه وجهان . أصحهما أنه لا منافاة بينهما لأن القلب إنما يدرك الأمور الباطنة كاللذة والألم ونحوها ، ولا يدرك الحسيات مثل طلوع الفجر وغيره ، وإنما يدرك ذلك بالعين ، والعين نائمة والقلب يقظان ، والثاني أنه كان له حالان : ينام القلب تارة وهي نادرة ، وأخرى لا ينام ، فصادف بهذا الموضع حالة النوم وهو ضعيف . قال ابن حجر : وإن انتصر له الشارح بما لا يجدي .

قال السيد نقلا عن الطيبي ، أقول : ولعل الوجه الثاني أولى لما ورد أنه عليه السلام اضطجع فنام حتى نفخ فآذنه بلال بالصلاة فصلى ولم يتوضأ ، وعللوه بقوله عليه السلام ( تنام عيني ولا ينام قلبي ) قلت : يريد الطيبي أنه عليه

[ ص: 577 ] السلام في هذه القضية توضأ ، فدل على أن نومه تارة يكون ناقضا ، وأخرى لا بحسب الحالين . وفيه أنه يمكن أن وضوءه كان للتجديد ، أو لناقض غير النوم ، ومع الاحتمال يندفع الاستدلال والله أعلم بالحال .

ثم قال الطيبي : والحديث مؤول بأنه نسي ليسن ; يعني الحكمة في نومه - عليه السلام ذهوله بالحضرة الباطنية عن الطاعة الظاهرية ، ليعرف حكم القضاء بالدليل الفعلي الذي هو أقوى من الدليل القولي ، على ما هو مقتضى القاعدة الشافعية أن المؤيد للدليل القولي على قواعد الحنفية ، وأما قول من قال : إن قلبه كان يقظان ، وعلم خروج الوقت وسكت عليه لمصلحة التشريع - فباطل مردود .

وقال ابن العربي : هو عليه السلام كيفما اختلف حاله من نوم أو يقظة في حق وتحقيق ، ومع الملائكة المقربين في كل طريق وفج عميق إن نسي فبآكد من المنسي اشتغل ، وإن نام فبقلبه ونفسه على الله أقبل ، ولهذا قال الصحابة : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا نام لا نوقظه حتى يستيقظ بنفسه لأنا لا ندري ما هو فيه عن الصلاة ، أو نسيانه لشيء منها لم يكن عن الله ، وإنما كان بالتصرف من حالة إلى حالة مثلها ليكون لنا سنة .

( ثم توضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر بلالا فأقام الصلاة ) أي لها ، قال ابن الملك : وإنما لم يؤذن لأن القوم حضور . قلت : هنا خلاف المذهب من أن القوم ولو كانوا حضورا فالأفضل إتيان الإقامة ، فالأولى أن يحمل على بيان الجواز مع أنه لا دلالة فيه على نفي الأذان ، بل في الحديث الآتي في أول الفصل الثالث ، أنه جمع بينهما ، فالمعنى : فأقام الصلاة بعد الأذان . قال ابن حجر : ظاهره أن الفائتة لا يؤذن لها وهو مذهب الشافعي في الجديد ، . لكن المعتمد عند أصحابه هو مذهبه القديم أنه يؤذن لها لما في حديث الصحيحين في هذه القضية ، ثم أذن بلال بالصلاة فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين ، ثم صلى صلاة الغدوة ، فصنع كما كان يصنع كل يوم ، ولقوله : صلى ركعتين إلخ . إذ الإقامة لا يفصل بينها وبين الفرض بشيء . وقوله : كما كان إلخ . مع رواية أبي داود ، عن عمرو بن أمية ، وعمران بن حصين : أنه جمع بين الأذان والإقامة - يدفع احتمال أن يراد الأذان فيه الإقامة ، فاقتصار مسلم عليها وخبر : أنه - عليه السلام - لما حبس عن الصلاة يوم الخندق أمر بلالا فأقام لتلك الفوائت ، لا يعارض ما مر لأنه أصح منه ومتأخر عنه ، ومعه زيادة علم على أن في رواية : أنه عليه السلام في قضية الخندق أمر بلالا فأذن ثم أقام ، ولا يضر انقطاعها لأن المنقطع يصلح للتقوية اهـ .

ويمكن الجمع بين الروايتين في فوائت الخندق . أن الجمع بين الأذان والإقامة كان في أولى الفوائت ، والاقتصار على الإقامة في البقية كما ذكره علماؤنا . ( فصلى بهم الصبح ) أي : قضاء ( فلما قضى الصلاة ) أي : فرغ منها ( قال ( من نسي الصلاة ) وفي معنى النسيان النوم ، أو من تركها بنوم أو نسيان ، ولذا ضم إليه في رواية سبقت ، " أو نام عنها " وهي المناسبة هنا ، وعلى حذفها فاكتفى بالنسيان عن النوم ; لأنه مثله بجامع ما في كل من الغفلة وعدم التقصير ( فليصلها إذا ذكرها ) فإن في التأخير آفات ، وظاهر هذا الحديث يوجب الترتيب بين الفائتة والأدائية كما قاله علماؤنا ( فإن الله تعالى قال : وأقم الصلاة لذكري ) قال ابن الملك : من إضافة المصدر إلى المفعول ، واللام بمعنى الوقت أي : إذا ذكرت صلاتي بعد النسيان ( رواه مسلم ) .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث