الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

804 - وعن رفاعة بن رافع رضي الله عنه ، قال : جاء رجل فصلى في المسجد ، ثم جاء فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " أعد صلاتك ، فإنك لم تصل " فقال علمني يا رسول الله كيف أصلي ؟ قال : " إذا توجهت إلى القبلة فكبر ، ثم اقرأ بأم القرآن ، وما شاء الله أن تقرأ ، فإذا ركعت فاجعل راحتيك على ركبتيك ، ومكن ركوعك وامدد ظهرك ، فإذا رفعت فأقم صلبك ، وارفع رأسك حتى ترجع العظام إلى مفاصلها فإذا سجدت فمكن السجود ، فإذا رفعت فاجلس على فخذك اليسرى ، ثم اصنع ذلك في كل ركعة وسجدة حتى تطمئن هذا لفظ المصابيح ، ورواه أبو داود مع تغيير يسير ، وروى الترمذي والنسائي معناه ، وفي رواية للترمذي ، قال : ( إذا قمت إلى الصلاة فتوضأ كما أمرك الله به ، ثم تشهد ، فأقم ، فإن كان معك قرآن فاقرأ ، وإلا فاحمد الله وكبره ، وهلله ، ثم اركع .

التالي السابق


804 - ( وعن رفاعة ) : بكسر الراء ( ابن رافع ) : الأنصاري ( قال : جاء رجل ) : قال ابن حجر : هو أخوه خلاد بن رافع كما مر الكلام عليه أول الباب ، ( فصلى في المسجد ) ، أي : صلاة ناقصة أو فاسدة ( ثم جاء فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم ) : تقديم لحق الخالق على المخلوق ( قال النبي صلى الله عليه وسلم : " أعد صلاتك ، فإنك لم تصل ) : قال ابن الملك : وذلك لعدم كمالها وتفاحش نقصانها ( فقال ) ، أي الرجل ( علمني يا رسول الله كيف أصلي ؟ ) : وهو يحتمل تعدد القصة واتحادها ( قال : إذا توجهت إلى القبلة ) : وهو شرط بلا خلاف ( فكبر ) : فإنه فرض بلا خلاف ، على خلاف في كونه شرطا أو ركنا ( ثم اقرأ بأم القرآن ) ، أي : الفاتحة ( وما شاء الله أن تقرأ ) ، أي : ما رزقك الله من القرآن بعد الفاتحة ، فقراءة آية فرض بالإجماع ، وأما سورة الفاتحة فالجمهور على أنها فرض ، وعندنا واجب ؛ لأنه ثبت بدليل ظني ، وأما ضم السورة وما قام مقامها فعندنا واجب ، وعند الشافعي ومن وافقه سنة ، والحديث حجة عليهم ؛ لأن الأصل في الأمر الوجوب ، والتعليق بالمشيئة إنما هو بالنسبة لقدر المقروء لا لأصله ، قال ابن حجر : وبه قال جمع من الأئمة ، وأوجبوا قراءة ثلاث آيات ، وقال بعض أئمتنا : ودليله قوي إذ لم يحفظ عنه - عليه السلام - النقص عنها ، قال : ويجاب بحمل ذلك على التأكيد لا الوجوب للخبر الصحيح ، وهو قوله عليه السلام : أم القرآن عوض عن غيرها وليس غيرها عوضا عنها اهـ .

[ ص: 665 ] وفيه بحث ؛ لأن معنى الحديث أن الفاتحة تقوم مقام الفرض والواجب جميعا ، وليس غيرها كذلك ؛ لأن غيرها يؤدى به الفرض فقط دون الواجب ، فهو يؤيد مذهبنا واصطلاح أئمتنا ، قال الطيبي : وضع ما شاء الله موضع ما شئت ؛ لأن مشيئته مسبوقة بمشيئة الله ، كما قال تعالى : وما تشاءون إلا أن يشاء الله ، ( فإذا ركعت فاجعل راحتيك ) ، أي : كفيك ( على ركبتيك ) : وهذا الجعل سنة اتفاقا ( ومكن ركوعك ) ، أي : من أعضائك يعني : تمم بجمع أعضائك قاله الطيبي ، وقال ابن الملك : أي اركع ركوعا تاما مع الطمأنينة ، وقال ابن حجر : أي تممه بفعل ما مر في الأعضاء ( وامدد ) ، أي : ابسط ( ظهرك ) : وهذه الكيفية مستحبة أيضا ( فإذا رفعت ) ، أي : رأسك من الركوع ( فأقم صلبك ) : ومر تفسيره ( وارفع رأسك حتى ترجع العظام ) : برفعها وتنصب بناء على أنه لازم ومتعد ، أي : تعود أو ترد أنت ( إلى مفاصلها ) : وتقدم حكمه أيضا ( فإذا سجدت فمكن ) ، أي : يديك قاله الطيبي ، ( للسجود ) : أي اسجد سجودا تاما مع الطمأنينة ، قاله ابن الملك ، ووضع اليدين في السجود سنة عندنا ، وفرض عند الشافعي ، وقال ابن حجر : معناه فمكن جبهتك من مسجدك ، فيجب تمكينها بأن يتحامل عليها بحيث لو كان تحتها قطن انكبس ( فإذا رفعت ) ، رأسك من السجود ( فاجلس على فخذك اليسرى ) ، أي ناصبا قدمك اليمنى ، وهو الافتراش المسنون عندنا في مطلق القعدات ، وقال ابن حجر : أي تنصب رجلك اليمنى كما بينه بقية الأحاديث السابقة ، ومن ثم كان الافتراش بين السجدتين أفضل من الإقعاء المسنون بينهما كما مر ؛ لأن ذلك هو الأكثر من أحواله - عليه السلام - اهـ .

وفيه أن الأولى أن يحمل الأكثر على أنه المسنون ، وغيره إما لعذر أو لبيان الجواز ( ثم اصنع ذلك ) ، أي : جميع ما ذكر ( في كل ركعة وسجدة ) : أي ركوع وسجود .

وقال ابن حجر : ويصح إبقاء الركعة على حقيقتها ، ويكون المراد بالسجدة سجدة التلاوة والشكر ؛ إذ يجب فيهما ما يجب في سجود الصلاة ( حتى تطمئن ) : قال ابن الملك : يريد به الجلوس في آخر الصلاة فإنه موضع الاستقرار يعني : حتى تفرغ ، وقال ابن حجر : راجع إلى جميع ما مر ، فيفيد وجوب الطمأنينة في الركوع ، والاعتدال ، والسجود ، والجلوس بين السجدتين ، وهو مذهبنا كأكثر العلماء ( هذا لفظ المصابيح ، ورواه أبو داود ) ، أي : هذا اللفظ ( مع تغيير يسير ) ، أي : قليل في لفظه ( وروى الترمذي ، والنسائي معناه ) : وقال الترمذي : هذا حديث حسن ، وقال ابن عبد البر : هذا حديث ثابت ، نقله ميرك عن المنذري ( وفي رواية للترمذي ) : قال ميرك : فيه نظر ؟ فإن هذه الرواية ليست مخصوصة بالترمذي ، بل أخرجها أبو داود أيضا قال : ( إذا قمت ) ، أي : أردت القيام ( إلى الصلاة ) : فوضع المسبب موضع السبب ( فتوضأ كما أمرك الله به ) ، أي : في سورة المائدة ( ثم تشهد ) ، أي : قل أشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله ، بعد الوضوء ( فأقم ) ، أي : الصلاة ، قال ابن حجر : وفي رواية : وأقم ، وقيل : معنى تشهد أذن ؛ لأنه مشتمل على كلمتي الشهادة ، ( فأقم ) ، على هذا يراد به الإقامة للصلاة كذا نقله ميرك عن الأزهار ، قال ابن حجر : [ ص: 666 ] وفيه دلالة ظاهرة لمن قال بوجوب الأذان والإقامة على الكفاية ، وقيل : أي أحضر قلبك وانو وكبر فأقم الصلاة أو أحضر قلبك واستقم ، ( فإن كان معك قرآن ) : سواء كان أم القرآن أو غيرها ( فاقرأ ) ، أي : ما تيسر ، وقال ابن حجر : فاقرأ أي بأم القرآن إن حفظتها ، وإلا فسبع آيات بدلها بقدر حروفها متفرقة كانت أو متوالية ، ثم أغرب وقال : وإنما حملناه على هذا التفصيل للحديث السابق : " أم القرآن عوض عن غيرها " وقال : وليس غيرها عوضا عنها اهـ ، فإنه حجة عليه بظاهره فتأمل ، ( وإلا ) ، أي : وإن لم يكن معك قرآن ( فاحمد الله ) ، أي : قل الحمد لله ( وكبره ) : أي قل ( الله أكبر ) ( وهلله ) ، أي : قل لا إله إلا الله ، وسيأتي تحقيق هذا المبحث في الفصل الثاني من باب القراءة في الصلاة ، قال ابن حجر : ومنه أخذ أئمتنا أن من لم يعرف شيئا من القرآن يلزمه الذكر اتفاقا ، ثم اختلفوا هل يجب سبعة أنواع من الذكر بقدر حروف الفاتحة ؟ والأصح نعم ؛ لهذا الخبر ، وليكون كل نوع مكان آية ، وقال جمع : لا لهذا الحديث فإنه كالنص في عدم وجوب سبعة أنواع ؛ ويرد بأن ظاهر الحديث وجوب ثلاثة أنواع ، ولم يقل به أولئك فالحديث إذا ليس فيه تمسك لإحدى المقالتين اهـ .

وهو تقرير عجيب وتحرير غريب ، مشتمل على تدافع وتناقض ، ثم قال : وقد صح عند بعضهم - لكن بين النووي ضعفه - أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إني لا أستطيع أن آخذ من القرآن شيئا ، فعلمني ما يجزئ منه في صلاتي ، فقال : " سبحان الله ، والحمد لله ، ولا إله إلا الله ، والله أكبر ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم " ، وهذا مشتمل على خمسة أنواع ، بل سبعة ، والظاهر أنه كان يحفظ البسملة ، فهو بتقدير صحته دليل للراجح المذكور قلت : وبتقدير وجود السادس أيضا ، ( ثم اركع ) .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث