الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

126 - وعن أنس - رضي الله عنه - قال ، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه وإنه ليسمع قرع نعالهم أتاه ملكان فيقعدانه ، فيقولان : ما كنت تقول في هذا الرجل ؟ لمحمد - صلى الله عليه وسلم - : فأما المؤمن فيقول : أشهد أنه عبد الله ورسوله فيقال له : انظر إلى مقعدك من النار ، قد أبدلك الله به مقعدا من الجنة ، فيراهما جميعا . وأما المنافق والكافر فيقال له : ما كنت تقول في هذا الرجل ؟ فيقول : لا أدري كنت أقول ما يقول الناس فيقال لا دريت ولا تليت ويضرب بمطارق من حديد ضربة ، فيصيح صيحة يسمعها من يليه غير الثقلين ) . متفق عليه ، ولفظه للبخاري .

التالي السابق


126 - ( وعن أنس - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( إن العبد ) : المراد به الجنس ( إذا وضع في قبره ) : شرط و " أتاه " جوابه ، والجملة خبر إن ( وتولى ) : أي : أدبر وأعرض ( عنه أصحابه ) : أي : عن قبره ، والعبرة بالأكثر أو عن وضعه ، والمعنى دفنوا والتعبير عنهم بالأصحاب نظرا للغالب ، والأول هو الأظهر لقوله : يسمع قرع نعالهم ( إنه ) : بالكسر وهو إما حال بحذف الواو كما في أحد وجهي قوله تعالى : ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة أي : ووجوههم على أن الرؤية بمعنى الإبصار وهو على حد كلمته : فوه إلى في ، أو يكون أنه جواب الشرط على حذف الفاء فيكون " أتاه " حالا من فاعل يسمع وقد مقدرة ، ويحتمل أن يكون إذا ظرفا محضا ، وقوله : إنه تأكيد لقوله : إن العبد ( ليسمع ) : بفتح اللام للتأكيد ( قرع نعالهم ) : بكسر النون جمع نعل ، قيل أي : يسمع صوتها لو كان حيا فإن جسده قبل أن يأتيه الملك فيقعده ميت لا يحس بشيء وهو ضعيف ، إذ ثبت بالأحاديث أن الميت يعلم من يكفنه ومن يصلي عليه ومن يحمله ومن يدفنه ، وقال ابن الملك : أي صوت دقها ، وفيه دلالة على حياة الميت في القبر لأن الإحساس بدون الحياة ممتنع عادة ، واختلفوا في ذلك فقال بعضهم : يكون بإعادة الروح ، وتوقف أبو حنيفة في ذلك اهـ . ولعل توقف الإمام في أن الإعادة تتعلق بجزء البدن أو كله . قال في " شرح السنة " : يجوز المشي بالنعل في القبور ( أتاه ملكان ) : أي : قبل أن يمضي زمان طويل ( فيقعدانه ) : من الإقعاد ، وقد وقع في بعض الروايات : فيجلسانه من الإجلاس ، وهو أولى لأن القعود عند الفصحاء في مقابلة القيام ، والجلوس في مقابلة الاضطجاع والاستلقاء ، ويؤيده ما حكي أن النضر بن شميل مثل بين يدي المأمون فقال : اجلس ، فقال : يا أمير المؤمنين ! لست مضطجعا فأجلس ، قال : كيف أقول ؟ قال : قل اقعد ، ويحتمل أن يراد بالإقعاد الإيقاظ والتنبيه ، وإنما يسألان عنه بإعادة الروح ، ويمكن أن يقوم من الفزع والخوف والهيبة والدهشة والحيرة فيقعدانه ، قال الطيبي : ولعل من روى فيقعدانه ظن أن اللفظين ينزلان في المعنى منزلة واحدة ، وقد فاته دقة المعنى ، ولهذا نهى كثير من السلف عن رواية الحديث بالمعنى . قال النووي : القعود والجلوس مترادفان ، واستعمال القعود مع القيام والجلوس مع الاضطجاع مناسبة لفظية ، ونحن نقول بموجبه إذا كانا مذكورين ، وأما إذا لم يذكر إلا أحدهما فلم نقل أنه كذلك ، ألا ترى إلى حديث جبريل عليه السلام ( حتى جلس إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ) أقول : صرح في القاموس بأنهما لغتان حيث قال : القعود الجلوس أو هو من القيام ، والجلوس من الضجعة ، ومن السجود اهـ . ويؤيد اللغة الثانية استعمال الفقهاء في أفعال الصلاة القعدة الأولى والقعدة الأخرى ، والله أعلم ، ( فيقولان ) : أي له ( ما كنت تقول ) : أي : أي شيء كنت تقوله ، أي : تعتقد في هذا الرجل ) ، أي : في شأنه ، واللام للعهد الذهني ، وفي الإشارة إيماء إلى تنزيل الحاضر المعنوي منزلة الصوري مبالغة ( لمحمد ) : بيان من الراوي للرجل ، أي : لأجل محمد - صلى الله عليه وسلم - : كذا قاله الطيبي . وشراح المصابيح ، وقال السيد جمال الدين : الأولى أن يقال : لمحمد من جملة قول الرسول ، والتعبير بمحمد دون النبي والرسول يؤذن بذلك اهـ .

قال الطيبي : ودعاؤه بالرجل من كلام الملك ، فعبر بهذه العبارة التي ليس فيها تعظيم امتحانا للمسئول لئلا يتلقن تعظيمه عن عبارة القائل : ثم يثبت الله الذين آمنوا . وفي رواية عند أحمد والطبراني : ما تقول في هذا الرجل ؟ قال : من ؟ قال : محمد ، فيقول إلخ .

[ ص: 205 ] قال ابن حجر : ولا يلزم من الإشارة ما قيل من رفع الحجب بين الميت وبينه - صلى الله عليه وسلم - حتى يراه ويسأل عنه ، لأن مثل ذلك لا يثبت بالاحتمال على أنه مقام امتحان ، وعدم رؤية شخصه الكريم أقوى في الامتحان . قلت : وعلى تقدير صحته يحتمل أن يكون مفيدا لبعض دون بعض ، والأظهر أن يكون مختصا بمن أدركه في حياته عليه الصلاة والسلام وتشرف برؤية طلعته الشريفة . ( فأما المؤمن فيقول ) : أي في جوابه لهما مع اعترافه بالتوحيد كما مر ( أشهد أنه عبد الله ورسوله ) : لا كما زعمت النصارى من ألوهية نبيهم ، ولا كما زعمت الفرق الضالة أنه ليس برسوله ( فيقال له ) الظاهر أنه على لسانهما تعجيلا لمسرته وتبشيرا لعظيم نعمته ( انظر إلى مقعدك من النار ) : أي : لو لم تكن مؤمنا ولم تجب الملكين ( قد أبدلك الله به ) : أي : بمقعدك هذا ( مقعدا من الجنة ) ، أي : بإيمانك ، والقعود هنا أيضا مستعمل في المعنى الأعم ( فيراهما ) ، أي : المقعدين ( جميعا ) : ليزداد فرحه ( وأما المنافق والكافر ) : تعميم بعد التخصيص ( فيقال له : ما كنت تقول في هذا الرجل ؟ فيقول : لا أدري ) أي : حقيقة أنه نبي أم لا ( كنت أقول ) ، أي : في الدنيا ( ما يقول الناس ) ، أي : المؤمنون ، وهذا قول المنافق لأنه كان يقول في الدنيا لا إله إلا الله محمد رسول الله تقية لا اعتقادا ، وأما الكافر فلا يقول في القبر شيئا أو يقول : لا أدري فقط ، لأنه لم يقل في الدنيا محمد رسول الله ، ويحتمل أن يقول الكافر أيضا دفعا لعذاب القبر عن نفسه . وقال ابن حجر : إن أراد بالناس المسلمين فهو كذب منه حتى في المنافق لأنه ليس المراد مجرد قول اللسان ، بل اعتقاد القلب وإن أراد من هو لصفته فهو جواب غير نافع له اهـ .

والثاني أظهر ، وهو أن يراد بالناس الكفار ومراده بيان الواقع لا الجواب النافع ، وعلى تقدير أن يراد بالناس المسلمون لا محذور أيضا في كذبهم ، إذ هذا دأبهم ، وقد أخبر الله تعالى عنهم - بقوله : يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم ويحسبون أنهم على شيء ألا إنهم هم الكاذبون أي في قولهم : والله ربنا ما كنا مشركين ( فيقال ) ، أي : له كما في نسخة ( لا دريت ) ، أي : لا علمت ما هو الحق والصواب ( ولا تليت ) أي : لا تبعت الناجين يعني ما وقع منك التحقيق والتسديد ولا صدر منك المتابعة والتقليد ، وقيل : دعاء عليه وهو بعيد . قال السيد جمال الدين ، أي : لا قرأت ، فأصله تلوت قلبت الواو ياء لازدواج دريت أي : ما علمت بالنظر والاستدلال ، أي : العقلي أنه رسول ، وما قرأت كتاب الله لتعلمه منه ، أي : بالدليل النقلي ، وينبئه قوله عليه الصلاة والسلام في الفصل الثالث : ( إن المؤمن يقول : هو رسول الله فيقولان : ما يدريك فيقول : قرأت كتاب الله فآمنت به وصدقت ) . كذا في " الأزهار " ، وقيل : لا تليت لا اتبعت العلماء بالتقليد اهـ .

وقال ابن الملك قوله : ولا تليت من تلا يتلو إذا قرأ ، أي : ولا قرأت الكتاب دعاء عليه ، أي : بدوام الجهل أو إخبار . وقيل : رواية ولا تليت خطأ ، والصواب : ولا أتليت من أتلاه إذا اتبعه ، فالمعنى ما علمت بالنظر والاستدلال حقيقة نبوته ، ولا اتبعت العلماء بالتقليد فيكون إخبارا . اهـ .

هذا وفي " القاموس " تلوته كدعوته ورميته تبعته والقرآن أو كل كلام قرأته وأتليته إياه اتبعته ، فبهذا يظهر تكلف بعض وخطأ بعض في هذا المقام ، والله أعلم في هذا المقام ، والله أعلم بالمرام . ثم ذكر في " الأزهار " فإن قيل : كيف يكلم الملكان جميع المكلفين ، وكيف يسألانهم في وقت واحد مع كثرتهم في الآفاق والأطراف وبعد المسافة شرقا وغربا ، وأي فائدة من سؤال اثنين من واحد ؟ قيل : يكون لهما أعوان كما لملك الموت ، وقيل : جميع الأرض مكشوف لهما وفي نظرهما كما لملك الموت ، وإن أحدهما يسأل المسلمين ، والآخر الكافرين اهـ .

[ ص: 206 ] وفي قول الأخير نظر ظاهر لأنه مخالف لظواهر الأحاديث ، ويمكن أن يقال : حكمة الاثنين لأنهما بمنزلة الشاهدين أو عوض الملكين الكاتبين ، والله أعلم . ( ويضرب ) : أي الكافر ( بمطارق ) : وفي " المصابيح : بمطرقة وهي آلة الضرب ( من حديد ) : لأنه من بين الفلزات أشد شديد ( ضربة ) ، أي : بين أذنيه ، كذا قاله ابن الملك . قال الطيبي : أفرد الضربة وجمع المطارق على نحو قوله :

معي جياعا ليؤذن بأن كل جزء من تلك المطرقة مطرقة برأسها مبالغة اهـ .

والأظهر أن المطارق على حقيقته من معنى الجمعية سواء يكون أقله اثنان أو ثلاثة ، والمراد من " ضربة " دفعة واحدة من الضرب ، والله أعلم . ثم رأيت ابن حجر قال : كان وجه إفرادها مع جمع المطارق للإشارة إلى أنها تجتمع عليه في وقت واحد ، فصارت كالضربة الواحدة صورة . ثم قال : وفي كلام الطيبي نظر لأن فيه إخراج المطارق عن حقيقته وهي الدلالة على الجمع الذي هو أبلغ في النكال والعذاب من غير داع لذلك ( فيصيح ) ، أي : يرفع صوته بالبكاء من تلك الضربة ( صيحة يسمعها ) ، أي : تلك الصيحة ( من يليه ) ، أي : يقرب منه من الدواب والملائكة ، وعبر بمن تغليبا للملائكة لشرفهم ، ولا يذهب فيه إلى المفهوم من أن من بعد لا يسمع لما ورد في الفصل الثاني في حديث البراء بن عازب من أنه يسمعها ما بين المشرق والمغرب ، والمفهوم لا يعارض المنطوق ( غير الثقلين ) ، أي : الإنس والجن سمي بهما لأنهما ثقلا على الأرض ونصب غير على الاستثناء ، وقيل : بالرفع على البدلية واستثنيا لأنهما بمعزل عن سماع ذلك لئلا يفوت الإيمان بالغيب لأنه يصير الإيمان به لو سمعوه ضروريا ، والإيمان الضروري لا يفيد ثوابا فيرتفع الابتلاء والامتحان ، وقيل : لو سمعوه لأعرضوا عن التدابير والصنائع ونحوهما ، فينقطع المعاش ويختل نظام العالم ، ولذا قيل : لولا الحمقى لخربت الدنيا ، وقيل : الغفلة رحمة ، وقيل : لولا الأمل لاختل العمل . ( متفق عليه ) ، أي : بحسب المعنى ( ولفظه للبخاري ) : قال ميرك شاه : وفيه نظر لأن رواية مسلم انتهت إلى قوله : " فيراهما جميعا " فيحمل الاتفاق على الأكثر فتدبر .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث