الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 993 ] [ 40 ] باب صلاة التسبيح

1328 - عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للعباس بن عبد المطلب : " يا عباس ! يا عماه ! ألا أعطيك ؟ ألا أمنحك ؟ ألا أخبرك ؟ ألا أفعل بك ؟ عشر خصال إذا أنت فعلت ذلك ، غفر الله لك ذنبك أوله وآخره ، قديمه وحديثه ، خطأه وعمده ، صغيره وكبيره ، سره وعلانيته : أن تصلي أربع ركعات ، تقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب وسورة ، فإذا فرغت من القراءة في أول ركعة وأنت قائم ، قلت : سبحان الله ، والحمد لله ، ولا إله إلا الله ، والله أكبر ، خمس عشرة مرة ، ثم تركع ، فتقولها وأنت راكع عشرا ، ثم ترفع رأسك من الركوع ، فتقولها عشرا ، ثم تهوي ساجدا ، فتقولها وأنت ساجد عشرا ، ثم ترفع رأسك من السجود فتقولها عشرا ، ثم تسجد فتقولها عشرا ، ثم ترفع رأسك فتقولها عشرا ، فذلك خمس وسبعون في كل ركعة ، تفعل ذلك في أربع ركعات ، إن استطعت أن تصليها في كل يوم مرة فافعل ، فإن لم تفعل ، ففي كل جمعة مرة ، فإن لم تفعل ففي كل شهر مرة ، فإن لم تفعل ففي كل سنة مرة ، فإن لم تفعل ففي عمرك مرة " . رواه أبو داود ، وابن ماجه ، والبيهقي في " الدعوات الكبير " .

التالي السابق


[ 40 ] باب صلاة التسبيح

أي : هذا مبحثها أو بيانها .

1328 - ( عن ابن عباس رضي الله عنهما ) : وفي نسخة بالواو ، وحذف صلاة التسبيح . ( أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للعباس بن عبد المطلب : ( يا عباس ) : طلبا لمزيد إقباله ( يا عماه ) : إشارة إلى مزيد استحقاقه ، وهو منادى مضاف إلى ياء المتكلم ، فقلبت ياؤه ألفا ، وألحقت بهاء السكت ، كياغلاماه ، ذكره ابن الملك . ( ألا أعطيك ؟ ) : ألا للتنبيه ، أو الهمزة للاستفهام ، وأجاب بغير جواب لظهور الصواب . ( ألا أمنحك ؟ ) ، أي : ألا أعطيك منحة ، والمراد بالمنحة الدلالة على فعل ما تفيده الخصال العشر ، وهو قريب المعنى من الأول ، وفي المغرب المنح أن يعطي الرجل الرجل شاة أو ناقة ليشرب لبنها ، ثم يردها إذا ذهب درها هذا أصله ، ثم كثر استعماله حتى قيل في كل عطاء . ( ألا أخبرك ؟ ) : وفي الحصن : ألا أحبوك ؟ يقال : حباه كذا وبكذا إذا أعطاه ، والحباء العطية ، كذا في النهاية . ( ألا أفعل بك ؟ ) : وفي بعض نسخ المصابيح : باللام ، قال التوربشتي : الرواية الصحيحة بالباء ، وذكر ابن حجر في قوله : ألا أفعل بك أنه قال : غير واحد ، كذا في نسخ المصابيح ، والصواب : ألا أفعل لك ؟ اهـ

وفيما قالوه نظر ، ولا صواب في ذلك ، بل الذي في الأصول المعتمدة هو الباء ، فهو غفلة عن تحقيق ما قالوه بسبب التحريف والتصحيف الذي وقع في أصله من نسخة المشكاة ، كما تشهد عليه المواضع المتقدمة ، وإنما أضاف - عليه الصلاة والسلام - فعل الخصال إلى نفسه ; لأنه الباعث عليها ، والهادي إليها ، وكرر ألفاظا متقاربة المعنى تقريرا للتأكيد ، وتأييدا للتشويق ، وتوطئة للاستماع إليه لتعظيم هذه الصلاة . ( عشر خصال ) : بالنصب على أنه مفعول للأفعال المتقدمة على سبيل التنازع ، وروي بالرفع على تقدير هي ، قال التوربشتي : الخصلة هي الخلة وهي الاختلال العارض للنفس ، إما لشهوتها الشيء ، أو لحاجتها إليه ، فالخصلة كما تقال للمعاني التي تظهر من نفس الإنسان تقال أيضا لما تقع حاجته إليه ، أي : عشرة أنواع ذنوبك ، والخصال العشر منحصرة في قوله : أوله وآخره ، وقد زادها إيضاحا بقوله : عشر خصال بعد حصر هذه الأقسام ، أي : هذه عشر خصال ، فقد سقط من هذا الحديث ، أي : في المصابيح شيء من موضعين ، الأول بعد قوله : أوله وآخره سقط منه ( قديمه وحديثه ) ، والثاني بعد قوله : ( وعلانيته ) سقط منه عشر خصال ، فالحديث على ما هو في المصابيح غير مستقيم ، كذا حققه التوربشتي وغيره ، وقال : فمن نصب عشرا فالمعنى خذها أو دونك عشر خصال ، وقيل : عدها ، قيل : ومعنى الأخيرة ألا أصيرك ذا عشر خصال ، أو ألا آمرك بما يتسبب عنه أنك إذا فعلته تصير ذا عشر خصال يغفر بها ذنبك ، وفهم مما تقدم أن الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف ، وقال ميرك : منصوب على تنازع الأفعال قبلها ، وهو على حذف مضاف ، أي : مكفر عشر خصال يوضحه قوله : ( إذا أنت فعلت ذلك ) ; لأنه إذا كان المضاف مقدرا وجهت الإشارة إليه اهـ .

وقيل : المعنى إذا فعلت ما أعلمك . ( غفر الله لك ذنبك ) : ثم قال ميرك : فالخصال العشر هي الأقسام العشرة من الذنوب ، ومن أجل خلو أكثر نسخ المصابيح من قديمه وحديثه قال بعضهم : المراد بالعشر الخصال التسبيحات والتحميدات والتهليلات والتكبيرات ، فإنها سوى القيام عشر عشر اهـ . ففيه تغليب ( أوله وآخره ) : بالنصب ، قال التوربشتي ، أي : مبدأه ومنتهاه ، وذلك أن من الذنب ما لا يواقعه الإنسان دفعة واحدة ، وإنما يتأتى منه شيئا فشيئا ، ويحتمل أن يكون معناه ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، ويؤيده أن في رواية ما تقدم وما تأخر ، وفي رواية للطبراني : غفر الله لك كل ذنب كان أو هو كائن . ( قديمه وحديثه ) ، أي : جديده كما في أصل الأصيل ، قال ابن حجر : إثباتهما أشهر من إسقاطهما في نسخ المصابيح اهـ .

[ ص: 994 ] وهو مخالف لما ذكره الشيخ الأجل التوربشتي شارح المصابيح : والله أعلم . ( خطأه ) : بفتحتين وهمزة ( وعمده ) : قيل : يشكل بأن الخطأ لا إثم فيه ، لقوله - عليه الصلاة والسلام : " إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ) . فكيف يجعل من جملة الذنب ؟ وأجيب : بأن المراد بالذنب ما فيه نقص ، وإن لم يكن فيه إثم ، ويؤيده قوله تعالى : ( ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ) ويحتمل أن يراد مغفرة ما يترتب على الخطأ من نحو الإتلاف من ثبوت بدلها في الذمة ، ومعنى المغفرة حينئذ إرضاء الخصوم ، وفك النفس عن مقامها الكريم المشار إليه بقوله - عليه السلام : [ " نفس المؤمن مرهونة حتى يقضى عنه دينه " ] . ( صغيره وكبيره ، سره وعلانيته ) : قال ابن الملك : والضمير في هذه كلها عائد إلى قوله : ذنبك ، وسقط من المشكاة هنا لفظ عشر خصال ، وهو موجود في الأصل على ما يشهد به الحصن وغيره .

قال في الأزهار : فإن قلت : أوله وآخره يندرج تحته ما يليه ، وكذا باقيه فما الحاجة إلى تعدد أنواع الذنوب ؟ قلت : ذكره قطعا لوهم أن ذلك الأول والآخر ربما يكون عمدا أو خطأ ، وعلى هذا في أقرانه ، وأيضا في التنصيص على الأقسام حث للمخاطب على المحثوث عليه بأبلغ الوجوه ، ثم كل من الأقسام أعم مما يليه من وجه ; إذ الأول والآخر قد يكون قديما ، وقد يكون حديثا ، والقديم والحديث قد يكون خطأ وقد يكون عمدا ، والخطأ والعمد قد يكون صغيرا وقد يكون كبيرا ، والصغير والكبير قد يكون سرا وقد يكون علنا ، وعلى هذا من الجانب الأسفل ، فإن السر والعلانية قد يكون صغيرا إلى أوله وآخره . ( أن تصلي ) : قال ابن الملك : " أن " مفسرة لأن التعليم في معنى القول ، أو هي خبر مبتدأ محذوف ، والمقدر عائد إلى ذلك ، أي : هو يعني المأمور به أن تصلي ، وقيل : التقدير هي ، وهي راجعة إلى الخصال العشر على ما تقدم .

قال ابن حجر ، أي تصلي بنية صلاة التسبيح ، ولو في الوقت المكروه فيما يظهر ، قلت : هذا مما لم يظهر ، فإن الأحاديث الواردة الصحيحة الصريحة بالنهي عن الصلاة في الأوقات المكروهة ، مانعة من إرادة الإطلاق المفهوم من هذا الحديث ، قاضية عليه ، والشافعية استثنوا الصلوات التي لها سبب مقدم ، وهذه ليس لها سبب بالإجماع ، فظهر بطلان ما ظهر له ، والله أعلم . ( أربع ركعات ) : ظاهره أنه بتسليم واحد ليلا كان أو نهارا ( تقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب وسورة ) : وسيأتي ما ورد في تعيينها وتعيين أفضل أوقات صلاتها ، وقيل : الأفضل أن يقرأ فيها أربعا من المسبحات : الحديد ، والحشر ، والصف ، والجمعة ، والتغابن للمناسبة بينهن وبينها في الاسم ، ( فإذا فرغت من القراءة في أول ركعة ) ، أي : قبل الركوع ، والجملة حالية . ( وأنت قائم ، قلت : سبحان الله ، والحمد لله ، ولا إله إلا الله ، والله أكبر ) : زاد الغزالي : ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم . ( خمس عشرة مرة ) : بسكون الشين وتكسر .

قال ابن حجر : ما صرح به هذا السياق أن التسبيح بعد القراءة أخذ به أئمتنا ، وأما ما كان يفعله عبد الله بن المبارك من جعله الخمس عشرة قبل القراءة وبعد القراءة عشرا ، ولا يسبح في الاعتدال مخالف لهذا الحديث ، قال بعض أئمتنا : لكن جلالته تقتضي التوقف عن مخالفته ، ووافقه النووي في الأذكار ، فجعل قبل الفاتحة عشرا ، لكنه أسقط في مقابلتها ما يقال في جلسة الاستراحة ، قال بعضهم : وفي رواية عن ابن المبارك أنه كان يقول عشرين في السجدة الثانية ، وهذا ورد في أثر بخلاف ما قبل القراءة . ( ثم تركع ، فتقولها وأنت راكع عشرا ) ، أي : بعد تسبيح الركوع ، كذا في شرح السنة . ( ثم ترفع رأسك من الركوع ، فتقولها عشرا ) ، أي بعد التسميع والتحميد ، ( ثم تهوي ) : في الصحاح : هوى بالفتح يهوي بالكسر هويا إذا سقط إلى أسفل ، ( ساجدا ) : حال ( فتقولها وأنت ساجد عشرا ) : [ ص: 995 ] أي بعد تسبيح السجود ، ( ثم ترفع رأسك من السجود ، فتقولها عشرا ) : من غير زيادة دعاء عندنا ، وظاهر مذهب الشافعي أن يقولها بعد : رب اغفر لي ، ونحوه . ( ثم تسجد ) ، أي ثانيا ( فتقولها عشرا ، ثم ترفع رأسك ) ، أي : من السجدة الثانية ( فتقولها عشرا ) ، أي : قبل أن تقوم على ما في الحصن ، وهو يحتمل جلسة الاستراحة وجلسة التشهد ، ( فذلك ) ، أي : مجموع ما ذكر من التسبيحات ( خمس وسبعون ) ، أي : مرة على ما في الحصن ( في كل ركعة ) ، أي : ثابتة فيها ( تفعل ذلك ) ، أي : ما ذكر في هذه الركعة ( في أربع ركعات ) ، أي : في مجموعها بلا مخالفة بين الأولى والثلاث فتصير ثلاثمائة تسبيحة ( إن استطعت ) : استئناف ، أي : إن قدرت ( أن تصليها ) ، أي : هذه الصلاة ( في كل يوم مرة فافعل ، فإن لم تفعل ) ، أي : في كل يوم لعدم القدرة ، أو مع وجودها لعائق ، ( ففي كل جمعة ) : بضم الميم وتسكن ، أي : في كل أسبوع ، والتعبير بها إشارة إلى أنها أفضل أيام الأسبوع ( مرة ، فإن لم تفعل ) : لما تقدم ( ففي كل شهر مرة ، فإن لم تفعل ففي كل سنة مرة ، فإن لم تفعل ففي عمرك ) : بضم الميم وتسكن ( مرة " . رواه أبو داود ، وابن ماجه ) ، أي : عن ابن عباس ، وروي عن أبي رافع أيضا ( والبيهقي في الدعوات الكبير ) : قال ميرك : ورواه ابن خزيمة في صحيحه وغيرهم من حديث ابن عباس اهـ . ورواه الحاكم وابن حبان ، عن ابن عباس على ما في الحصن .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث