الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

( باب العطايا )

( الفصل الأول )

3008 - عن ابن عمر أن عمر أصاب أرضا بخيبر فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : يا رسول الله ! إني أصبت أرضا بخيبر لم أصب مالا قط أنفس عندي منه فما تأمرني به ؟ قال : إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها ، فتصدق بها عمر ، إنه لا يباع أصلها ولا يوهب ولا يورث ، وتصدق به في الفقراء وفي القربى وفي الرقاب وفي سبيل الله وابن السبيل والضيف ، لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف أو يطعم غير متمول . قال ابن سيرين : غير متأثل مالا . متفق عليه .

التالي السابق


( باب العطايا )

جمع عطية والمراد عطايا الأمراء وصلاتهم ، قال الغزالي - رحمه الله - في منهاج العابدين : فإن قلت : فما تقول في قبول جوائز السلاطين في هذا الزمان ؟ فاعلم أن العلماء اختلفوا فيه فقال قوم : كل ما لا يتيقن أنه حرام فله أخذه ، وقال الآخرون : الأولى أن لا يؤخذ ما لا يتيقن أنه حلال لأن الأغلب في هذا العصر على أموال السلاطين الحرام ، والحلال في أيديهم معدوم وعزيز . قال قوم : إن صلات السلاطين تحل للغني والفقير إذا لم يتحقق أنها حرام ، وإنما التبعة على المعطي ، قالوا لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل هدية المقوقس ملك الإسكندرية ، واستقرض من اليهود مع قوله تعالى : ( " أكالون للسحت " ) قالوا : وقد أدرك جماعة من الصحابة - رضي الله عنهم - أيام الظلمة ، وأخذوا منهم ، فمنهم : أبو هريرة ، وابن عباس ، وابن عمر ، وغيرهم - رضي الله عنهم - وقال آخرون : لا يحل من أموالهم شيء لا لغني ولا لفقير إذ هم موسومون بالظلم والغالب من مالهم السحت والحرام والحكم للغالب فيلزم الاجتناب ، وقال [ ص: 2004 ] آخرون : ما لا يتيقن أنه حرام فهو حلال للفقير دون الغني ، إلا أن يعلم الفقير أن ذلك عين الغصب ، فليس له أن يأخذه ، إلا ليرده على مالكه ، ولا حرج على الفقير أن يأخذ من مال السلطان ، فأعطي الفقير فله أخذه بلا ريب ، وإن كان من مال فيء أو خراج أو عشر فللفقير فيه حق ، وكذلك لأهل العلم ، قال علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه - : من دخل الإسلام طائعا وقرأ القرآن ظاهرا فله في بيت المال كل سنة مائتا درهم . وروي : مائتا دينار إن لم يأخذها في الدنيا أخذها في العقبى ، وإذا كان كذلك فالفقير والعالم يأخذ من حقه ، قالوا : وإذا كان المال مختلطا بمال مغصوب لا يمكن تمييزه أو مغصوبا لا يمكن رده على المالك وورثته فلا مخلص للسلطان منه إلا بأن يتصدق به ، وما كان الله ليأمره بالصدقة على الفقير وينهي الفقير عن قبوله أو يأذن الفقير في القبول وهو حرام عليه ، فإذا للفقير أن يأخذ إلا من عين الغصب والحرام فليس له أخذه .

3008 - ( الفصل الأول ) ( عن ابن عمر أن عمر - رضي الله عنه - أصاب ) أي : صادف في نصيبه من الغنيمة ( أرضا بخيبر ) أي : فيها نخيلا نفيسا ( فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم - ) أي : فجاءه ( قال يا رسول الله إني أصبت أرضا بخيبر لم أصب قط ) أي : قبل هذا أبدا ( أنفس ) أي : أعز ( عندي منه ) ومنه قوله تعالى ( " ولقد جاءكم رسول من أنفسكم " ) بفتح الفاء في قراءة شاذة ، وقال النووي - رحمه الله - : " أجود وقد نفس بضم الفاء نفاسة واسم هذا المال ثمغ بالثاء المثلثة وسكون الميم والغين المعجمة ( فما تأمرني به ) أي : فيه فإني أردت أن أجعله لله وما أدري بأي طريق أجعله له ( قال : إن شئت حبست ) بتشديد الموحدة ويخفف أي : وقفت ( أصلها وتصدقت بها ) أي : بغلتها وحاصلها من حبوبها وثمارها فتصدق بها عمر إنه ) أي : على إنه ( لا يباع أصلها ولا يوهب ولا يورث وتصدق بها ) أي : وجعل الصدقة الحاصلة من غلتها ( في الفقراء ) أي : فقراء المدينة أو أهل الصفة ( وفي القربى ) تأنيث الأقرب كذا قيل والأظهر أنه بمعنى القرابة والمضاف مقدر ويؤيده قوله تعالى : ( وآت ذا القربى ) والمراد أقارب الرسول - صلى الله عليه وسلم - أو أقرباء نفسه والظاهر عموم فقرائهم وأغنيائهم ( وفي الرقاب ) : بكسر الراء جمع رقبة وهم المكاتبون أي في أداء ديونهم ويحتمل أن يريد به أن يشتري به الأرقاء ويعتقهم ( وفي سبيل الله ) أي : منقطع الغزاة أو الحاج ( وابن السبيل ) أي : ملازمه وهو المسافر ولو كان غنيا في بلاده ( والضيف لا جناح ) أي : لا إثم ( على من وليها ) أي : قام بحفظها وإصلاحها ( أن يأكل منها بالمعروف ) بأن يأخذ منها قدر ما يحتاج إليه قوتا وكسوة ( أو يطعم ) أي : أهله أو حضره ( غير متمول ) أي : مدخر حال من فاعل وليها ( قال ابن سيرين - رحمه الله تعالى - : غير متأثل مالا ) أي : غير مجمع لنفسه منه رأس مال ، قال النووي : " وفيه دليل على صحة أصل الوقف وأنه مخالف لشوائب الجاهلية ، وقد أجمع المسلمون على ذلك وفيه أن الوقف لا يباع ولا يوهب ولا يورث ، وإنما ينتفع فيه بشرط الواقف ، وفيه صحة شروط الواقف ، وفيه فضيلة الوقف وهي الصدقة الجارية وفضيلة الإنفاق مما يحب وفضيلة ظاهرة لعمر - رضي الله عنه - وفضيلة مشاورة أهل الفضل والصلاح في الأمر وطرق الخير ، وفيه أن خيبر فتحت عنوة وأن الغانمين ملكوها واقتسموها واستمرت أملاكهم على حصصهم وفيه فضيلة صلة الأرحام والوقف عليهم ، وفي شرح السنة : فيه دليل على أن من وقف شيئا ولم ينصب له قيما معينا جاز ; لأنه قال : لا جناح على من وليها أن يأكل منها ولم يعين لها قيما ، وفيه دليل على أنه يجوز للواقف أن ينتفع بوقفه ; لأنه أباح الأكل لمن وليه وقد يليه الواقف ولأنه - صلى الله عليه وسلم - قال للذي ساق الهدي : اركبها ، وقال صلى الله عليه وسلم : من يشتري بئر رومة فيكون دلوه فيها كدلاء المسلمين فاشتراها عمر - رضي الله عنه - ووقف أنس دارا وكان إذا قدمها نزلها ( متفق عليه ) أقول : الأنسب إيراد هذا الحديث في باب الوقف ، والله تعالى أعلم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث