الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

كتاب الحدود

جزء التالي صفحة
السابق

3560 - وعن أبي هريرة قال : أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل وهو في المسجد فناداه : يا رسول الله إني زنيت . فأعرض عنه النبي صلى الله عليه وسلم ، فتنحى لشق وجهه الذي أعرض قبله فقال : إني زنيت ، فأعرض عنه النبي صلى الله عليه وسلم فلما شهد أربع شهادات دعاه النبي صلى الله عليه وسلم فقال : أبك جنون ؟ قال : لا . فقال : أحصنت ؟ قال : نعم يا رسول الله . قال : اذهبوا به فارجموه . قال ابن شهاب : فأخبرني من سمع جابر بن عبد الله يقول فرجمناه بالمدينة فلما أذلقته الحجارة هرب حتى أدركناه بالحرة فرجمناه حتى مات . متفق عليه . وفي رواية للبخاري عن جابر بعد قوله قال : نعم فأمر به ، فرجم بالمصلى ، فلما أذلقته الحجارة فر فأدرك ، فرجم حتى مات ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم خيرا وصلى عليه .

التالي السابق


3560 - ( وعن أبي هريرة قال : أتى النبي ) أي جاء ( صلى الله عليه وسلم رجل وهو في المسجد ) حال من المفعول ( فناداه يا رسول الله إني زنيت فأعرض عنه النبي صلى الله عليه وسلم فتنحى ) أي الرجل وهو تفعل من النحو بمعنى الجهة ( لشق وجهه ) بكسر الشين ، وضمير وجهه راجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، في شرح السنة أي : قصد الجهة التي إليها وجهه ونحا نحوها من قوله نحوت الشيء أنحوه ( الذي ) صفة وجهه ( أعرض ) أي عنه كما في نسخة صحيحة ( قبله ) بكسر ففتح أي مقابل شق وجهه ( فقال : إني زنيت فأعرض عنه ) أي النبي صلى الله عليه وسلم كما في نسخة صحيحة ( فلما شهد ) أي أقر على نفسه كأنه شهد عليها بإقراره بما يوجب الحد ( أربع شهادات ) أي مرات في أربعة مجالس بشرط غيوبته في كل مرة على ما سبق وبالدليل تحقق فكان الشهادات الأربع بمنزلة الشهود الأربعة ، في شرح السنة يحتج بهذا الحديث من يشترط التكرار في الإقرار بالزنا حتى يقام عليه الحد ، ويحتج أبو حنيفة بمجيئه من الجوانب الأربعة على أنه يشترط أن يقر أربع مرات في أربعة مجالس ، ومن لم يشترط التكرار قال : إنما رده مرة بعد أخرى لشبهة داخلته في أمره ، ولذلك ( دعاه النبي صلى الله عليه وسلم ) أي سأله ( قال : أبك جنون ؟ قال : لا ) وفي رواية فقال : أشربت خمرا ؟ فقام رجل فاستنكهه ، فلم يجد منه ريح الخمر فقال ) زنيت ؟ قال : نعم . فأمر به فرجم ، فرد مرة بعد أخرى للكشف عن حاله لا أن التكرار فيه شرط اهـ . وفيه أن هذا التأويل إنما يتم لو كان المأخذ منحصرا في هذا الدليل ولم يوجد التكرار في غير هذا الشخص المتوهم بالتعليل ، قال النووي رحمه الله : إنما قال : أبك جنون ؟ لتحقق حاله فإن الغالب أن الإنسان لا يصير على إقرار ما يقتضي هلاكه ، مع أن له طريقا إلى سقوط الإثم بالتوبة ، وهذا مبالغة في تحقيق حال المسلم وصيانة دمه ، وفيه إشارة إلى أن إقرار المجنون باطل ، وأن الحدود لا تجرى عليه ( قال ) وفي نسخة قال ( أحصنت ؟ ) أي أأحصنت ؟ ( قال : نعم يا رسول الله ) قال النووي : وفيه إشارة إلى أن على الإمام أن يسأل عن شروط الرجم من إحصان وغيره سواء ثبت بالإقرار أم بالبينة ، وفيه مؤاخذة الإنسان بإقراره ، وفيه تعريض بالعفو عن حد الزاني إذا رجع عن الإقرار ( قال : اذهبوا به فارجموه ) فيه دليل على أن الرجم كاف ولا يجلد ( قال ابن شهاب ) أي الزهري ( فأخبرني من سمع جابر بن عبد الله ) أي من الصحابة أو التابعين ( يقول ) أي جابر ( فرجمناه بالمدينة فلما أذلقته الحجارة ) أي أصابته بحدها فعقرته من ذلق الشيء طرقه ( هرب ) أي فر ، في شرح السنة فيه دليل على أن المرجوم لا يشد ، ولا يربط ، ولا يجعل في الحفرة ؛ لأنه لو كان شيء من ذلك لم يمكنه الفرار والهرب ، قلت : فيه بحث لا يخفى ، ثم قال : فقال قوم لا يحفر مطلقا ، وقيل : يحفر للمرأة لا للرجل ، قال ابن الهمام : ويضرب الرجل في الحدود كلها وكذا التعزير قائما غير ممدود ، وتضرب المرأة جالسة ، لما روى عبد الرزاق في مصنفه ، أخبرنا الحسن بن عمارة عن الحكم ، عن يحيى بن الجزار ، عن علي قال : يضرب الرجل [ ص: 2333 ] قائما والمرأة قاعدة في الحد ولأن مبنى الحد على التشهير زجرا للعامة عن مثله ، والقيام أبلغ فيه والمرأة مبنى أمرها على الستر فيكتفى بتشهير الحد فقط بلا زيادة وإن حفر لها في الرجم جاز ; لأنه أستر ولذلك حفر عليه الصلاة والسلام للغامدية إلى ثندوتها ، والثندوة والهمزة مكان الواو وفتحها مع الواو مفتوحة ثدي الرجل أو لحم الثديين والدال مضمومة في الوجهين وما قيل : الثدي للمرأة والثندوة للرجل غير صحيح لحديث الذي وضع سيفه بين ثدييه وكذا حفر علي لشراحة الهمدانية بسكون الميم وهى قبيلة كانت عيبة علي وقد مدحهم وقال في مدحه لهم :


ولو كنت بوابا على باب جنة لقلت لهمذان ادخلن بسلام

وتقدم حديث شراحة وفيه من رواية أحمد عن الشعبي أنه حفر لها إلى السرة ولا يحفر للرجل ، لأنه عليه الصلاة والسلام لم يحفر لماعز ، وتقدم من رواية مسلم ، وتقدم من روايته أيضا من حديث أبي بريدة الأسلمي أنه حفر له ، وهو منكر لمخالفته الروايات الصحيحة المشهورة والروايات الكثيرة والمتظافرة ، ولأن مبنى الحد على التشهير ، زاد في شهرة الرجل لأنه لا يضره ذلك ، ويكتفى في المرأة بالإخراج والإتيان بها إلى مجتمع الإمام والناس خصوصا في الرجم وأما في الجلد فقد قال تعالى وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين أي الزانية والزاني واستحب أن يأمر الإمام طائفة أي جماعة أن يحضروا إقامة الحد ، وقد اختلف في هذه الطائفة فعن ابن عباس واحد ، وبه قال أحمد ، وقال عطاء ، وإسحاق اثنان ، وقال الزهري ثلاثة ، وقال الحسن البصري عشرة ، وعن الشافعي ، ومالك أربعة ، والربط والإمساك غير مشروع لقول ابن مسعود : ليس في هذه الأمة تجريد ولا مد . ولأن ماعزا انتصب لهم قائما ، لم يمسك ولم يربط ، إلا أن لا يصبر وأعياهم ، فحينئذ يمسك فيربط ( حتى إذا أدركناه بالحرة ) وهي أرض ذات حجارة سود بين جبلي المدينة ( فرجمناه حتى مات ) قال ابن الهمام : فإذا هرب في الرجم فإن كان مقرا لا يتبع ويترك ، وإن كان مشهودا عليه اتبع ، ورجم حتى يموت ; لأن هربه رجوع ظاهرا ، ورجوعه يعمل في إقراره لا في رجوع الشهود ، وذكر الطحاوي في صفة الرجل أن يصفوا ثلاثة صفوف كصفوف الصلاة كلما رجمه صف تنحوا ، ولم يذكره في الأصل بل في حديث علي في قصة شراحة على ما قدمناه من رواية البيهقي عن الأجلح عن الشعبي وفيه إحاطة الناس بها ، وأخذوا الحجارة قال : ليس هذا الرجم ، إذا يصيب بعضكم بعضا ، صفوا كصف الصلاة صفا خلف صف ، إلى أن قال : ثم رجمها ، فرجمها صف ثم صف ( متفق عليه ) . ( وفي رواية البخاري عن جابر بعد قوله قال : نعم ، فأمر به ، فرجم بالمصلى ) قال النووي : قالوا المراد به مصلى الجنائز . وتشهد له الرواية الأخرى في بقيع الغرقد ، وهو موضع الجنائز بالمدينة قال البخاري وغيره : فيه دليل على أن مصلى الجنائز والأعياد إذا لم يجعل مسجدا لم يثبت له حكم المسجد ، إذ لو كان له حكمه لاجتنب الرجم فيه لتلطخه بالدماء . وقال الدارمي : عن أصحابنا أن مصلى العيد وغيره إذا لم يكن مسجدا هل يثبت له حكم المسجد ؟ فيه وجهان ، أصحهما له حكم المسجد ، قال ابن الهمام : ولا يقام حد في مسجد بإجماع الفقهاء ولا تعزير ، إلا ما روي عن مالك أنه لا بأس بالتأديب في المسجد خمسة أسواط ، قال أبو يوسف : أقام ابن أبي ليلى الحد في المسجد فخطأه أبو حنيفة ، وفي الحديث أنه عليه الصلاة والسلام قال : جنبوا مساجدكم صبيانكم ، ومجانينكم ، ورفع أصواتكم ، وشراءكم ، وبيعكم ، وإقامة حدودكم ، وجمروها في جمعكم ، وضعوا على أبوابها المظاهر . ولأنه لا يؤمن خروج النجاسة من الحد فيجب نفيه عن المسجد ( فلما أذلقته ) أي مسته وأصابته وأقلقته ( الحجارة ) أي طرفها الحاد ( فر فأدرك ) بصيغة المجهول من الإدراك بمعنى اللحوق ( فرجم حتى مات فقال له النبي صلى الله عليه سلم ) أي أثنى عليه بعد موته ( خيرا وصلى عليه ) قال النووي : اختلفوا في المحصن إذا أقر بالزنا ، وشرعوا في رجمه فهرب هل يترك أم يتبع ليقام عليه الحد ؟ قال الشافعي وأحمد وغيرهما : يترك ولكن يستقال له فإن رجع عن الإقرار ترك ، وإن أعاده رجم ، واحتجوا بما جاء في رواية أبي داود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : هلا تركتموه ولعله يتوب فيتوب الله عليه . قلت : الحديث دل على أنه يترك مطلقا . قال : وقال مالك وغيره أنه يتبع ويرجم ; لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يلزمهم ديته مع أنهم قتلوه بعد هربه ، وأجيب عن هذا بأنه لم يصرح بالرجوع ، وقد ثبت عليه الحد ، قلت : الظاهر أنهم لم يعرفوا الحكم قبل ذلك والجهل به عذر .

[ ص: 2334 ]


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث