الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

4246 - وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذات يوم أو ليلة ، فإذا هو بأبي بكر وعمر فقال : " ما أخرجكما من بيوتكما هذه الساعة ؟ ! قالا : الجوع . قال : " وأنا والذي نفسي بيده لأخرجني الذي أخرجكما ، قوموا " ، فقاموا معه ، فأتى رجلا من الأنصار ، فإذا هو ليس في بيته ، فلما رأته المرأة ، قالت : مرحبا وأهلا . قال لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم : " أين فلان ؟ " ، قالت : ذهب يستعذب لنا من الماء . إذ جاء الأنصاري ، فنظر إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصاحبيه ، ثم قال : الحمد لله ، ما أحد اليوم أكرم أضيافا مني ، قال : فانطلق فجاء بعذق فيه بسر وتمر ورطب ، فقال : كلوا من هذه ، وأخذ المدية ، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم : " إياك والحلوب " فذبح لهم ، فأكلوا من الشاة ومن ذلك العذق ، وشربوا ، فلما أن شبعوا ورووا قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأبي بكر وعمر : " والذي نفسي بيده لتسألن عن هذا النعيم يوم القيامة ، أخرجكم من بيوتكم الجوع ، ثم لم ترجعوا حتى أصابكم هذا النعيم " . رواه مسلم .

وذكر حديث ابن مسعود : " كان رجل من الأنصار . . " في " باب الوليمة " .

التالي السابق


4246 - ( وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال ؟ خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذات يوم أو ليلة ) : شك من الراوي ( فإذا ) : للمفاجأة ( هو بأبي بكر وعمر - رضي الله تعالى عنهما ) : أي لاحق بهما ( فقال : " ما أخرجكما من بيوتكما ) : بضم الموحدة وكسرها أي : من محلكما ( هذه الساعة ؟ ) : فإنها لم تكن وقت الخروج في العادة ( قالا : الجوع ) : أي أخرجنا الجوع أو الجوع أخرجنا . وفي الشمائل عنه قال : " خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - ساعة لا يخرج فيها ولا يلقاه فيها أحد ، فأتاه أبو بكر فقال : ما جاء بك يا أبا بكر ؟ فقال : خرجت ألقى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنظر في وجهه وأسلم عليه ، فلم يلبث أن جاء عمر فقال : ما جاء بك يا عمر ؟ قال : الجوع يا رسول الله ! فتأمل في الروايتين ليحصل التطبيق ، والله ولي التوفيق . ( قال : وأنا ) : وفي بعض نسخ المصابيح بالفاء ( والذي نفسي بيده لأخرجني الذي أخرجكما ) : وفي الشمائل : " وأنا قد وجدت بعض ذلك " : أي الجوع قال النووي : فيه جواز ذكر الإنسان ما ناله من أ لم ونحوه ، لا على التشكي وعدم الرضا وإظهار الجوع ، ولما كانا - رضي الله تعالى عنهما - على لزوم الطاعة ، فعرض لهما هذا الجوع المفرط المانع من كمال النشاط بالعبادة وكمال التلذذ بها سعيا في إزالته بالخروج في طلب سبب مباح ليدفعاه به ، وقد نهي عن الصلاة مع مدافعة الأخبثين وبحضرة الطعام انتهى . وقد اتفق خروجهم غير قاصدين ضيافة فقال - صلى الله عليه وسلم - لهما :

[ ص: 2734 ] ( قوموا ، فقاموا معه ) : قال الطيبي : هكذا هو في الأصول بضمير الجمع وهو جائز ، فمن قال بأن أقل الجمع اثنان فظاهر ، ومن قال بأن أقله ثلاثة فمجاز يعني بأن أعطى الأكثر حكم الكل . ( فأتى ) : أي النبي - صلى الله عليه وسلم - معهما ( رجلا ) : أي بيت رجل ( من الأنصار ) : قيل : هو خزاعي وإنما هو حليف الأنصار ، فنسب إليهم . قال الأشرف : إفراد الضمير أي : في " أتى " وإسناده إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد قوله : " قوموا ، فقاموا " إيذان بأنه - صلى الله عليه وسلم - هو المطاع ، وأنهما كانا مطيعين له منقادين كمن لا اختيار له انتهى . وفي الشمائل : " فانطلقوا إلى منزل أبي الهيثم بن التيهان الأنصاري ، وكان رجلا كثير النخل والشاء ، ولم يكن له خدم فلم يجدوه " ، وهذا معنى قوله : ( فإذا هو ) : أي الرجل ( ليس في بيته ) : قال الطيبي : أي أتى بيت رجل أو قصده ، فلما بلغ بيته ، فإذا هو ليس في بيته أي : فاجأه وقت خلوه من بيته كقوله تعالى : إذا هم يستبشرون : أي : فاجئوا وقت الاستبشار . ( فلما رأته المرأة ) : أي أبصرت النبي - صلى الله عليه وسلم - ( قالت ؟ مرحبا : أي أتيت مكانا واسعا ( وأهلا ) : أي وجئت أهلا ( فقال لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم : أين فلان ؟ ) : ولفظ الشمائل : " أين صاحبك ؟ " ( قالت : ذهب يستعذب ) : أي يطلب العذب وهو الحلو ( لنا من الماء ) : فإن أكثر مياه المدينة كان مالحا ( إذ جاء ) : أي : هم في ذلك إذ جاء ( الأنصاري ) : وفي الشمائل : " فلم يلبثوا أن جاء أبو الهيثم بقربة يزعبها فوضعها ، ثم جاء يلتزم النبي - صلى الله عليه وسلم - ويفديه بأبيه وأمه " . قال النووي رحمه الله : الرجل هو أبو الهيثم مالك بن التيهان بفتح التاء وكسر الياء المثناة تحت وتشديدها ، وفيه جواز الإدلال على الصاحب الذي يوثق به ، واستتباع جماعة إلى بيته ، وفيه منقبة له وكفى له شرفا بذلك ، قلت : وهو ممن شهد العقبة ، وهو أحد النقباء الاثني عشر وشهد بدرا وأحدا والمشاهد كلها .

روى عنه أبو هريرة ، قال : وفيه استحباب إكرام الضيف بقوله مرحبا وأهلا أي : صادفت رحبا وسعة وأهلا تستأنس بهم ، وفيه جواز سماع كلام الأجنبية ومراجعتها الكلام للحاجة ، وجواز إذن المرأة في دخول منزل زوجها لمن علمت علما محققا أنه لا يكرهه بحيث لا يخلو بها الخلوة المحرمة . ( فنظر إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصاحبيه ، ثم قال : الحمد لله ، ما أحد اليوم أكرم ) : بالنصب وفي نسخة بالرفع أي : أكرم علي الله ( أضيافا مني ) : فيه استحباب الشكر عند هجوم نعمة واندفاع نقمة ، وفيه استحباب إظهار البشر والفرح بالضيف في وجهه ( قال ) : أي أبو هريرة - رضي الله تعالى عنه - وهو يحتمل أنه كان معهم أو سمع منهم ( فانطلق ) : أي بهم إلى حديقته . فبسط لهم بساطا ، ثم انطلق إلى نخلة كما في رواية الشمائل ، ( فجاءهم بعذق ) : بكسر فسكون أي " بقنو " كما في رواية ، وهو من النخل بمنزلة العنقود من العنب ( فيه بسر وتمر ورطب ، فقال ) : أي فوضعه فقال : ( كلوا من هذه ) : أي التمرات وأنواعها . وزاد الترمذي فقال النبي - صلى الله عليه وسلم : ( أفلا تنقيت لنا من رطبه ؟ " ، فقال : يا رسول الله ! إني أردت أن تختاروا من رطبه وبسره ، فأكلوا وشربوا من ذلك الماء ، فقال - صلى الله عليه وسلم : ( هذا والذي نفسي بيده من النعيم الذي تسئلون عنه يوم القيامة ، ظل بارد ورطب طيب وماء بارد " فانطلق أبو الهيثم ليضع لهم طعاما انتهى .

قال النووي : العذق هنا بكسر العين الكباسة وهي الغصن من النخل ، وفيه استحباب تقديم الفاكهة على الطعام ، والمبادرة إلى الضيف بما تيسر ، وإكرامه بعده بما يصنع لهم من الطعام : وقد كره جماعة من السلف التكلف للضيف ، وهو محمول على ما يشق على صاحب البيت مشقة ظاهرة لأن ذلك يمنعه من الإخلاص وكمال السرور بالضيف ، وأما فعل الأنصاري وذبحه الشاة ، فليس مما يشق عليه ، بل لو ذبح أغناما لكان مسرورا بذلك مغبوطا فيه انتهى . وسببه أنه صار صديقا له - صلى الله عليه وسلم - ولصاحبيه ، حيث علموا رضاه وفرحه بما أتاهم ، ونظيره ما حكي عن الشافعي أنه صار ضيفا لبعض أصحابه ، فرأى في يد عبد المضيف ورقة فيها شراء أسباب أنواع الطبيخ التي [ ص: 2735 ] أرادها سيده ، فأخذها الشافعي ، وألحق فيها نوع طبيخ كان مشتهى له ، فلما مد السماط استغرب المضيف ذلك النوع ، ونادى عبده سرا وسأله فذكر له فأعتق عبده فرحا بذلك واستبشر استبشارا عظيما . وقال : الحمد لله الذي جعل مثل هذا الإمام الهمام راضيا لأن أكون صديقا له ، وقد قال تعالى : أو صديقكم ( وأخذ المدية ) : بضم فسكون وقد يكسر أوله واحد المدى ، وهى سكين القصاب ، وفي القاموس المدية مثلثة الشفرة . ( فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم : إياك والحلوب ) : بفتح أوله أي ذات اللبن فعول بمعنى مفعول كركوب ، وفي رواية الترمذي لا تذبحن لنا شاة ذات در ( فذبح لهم ) : أي عناقا أو جديا فأتاهم بها ، كما في رواية ( فأكلوا من الشاة ومن ذلك العذق ، وشربوا ) : أي : ثانيا أو الواو لمطلق الجمع ، ( فلما أن شبعوا ورووا ) : بضم الواو وأصله رويوا فنقلت ضمة الياء إلى ما قبلها بعد سلب حركة ما قبلها فحذفت لالتقاء الساكنين ( قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ) : أي ثانيا جمعا بين الروايتين ( لأبي بكر وعمر - رضي الله عنهما : والذي نفسي بيده لتسألن عن هذا النعيم يوم القيامة ، أخرجكم من بيوتكم الجوع ، ثم لم ترجعوا حتى أصابكم هذا النعيم ) .

قال الطيبي قوله : أخرجكم . . الخ ، جملة مستأنفة بيان لموجب السؤال عن النعيم يعني : حيث كنتم محتاجين إلى الطعام مضطرين إليه ، فنلتم غاية مطلوبكم من الشبع والري يجب أن تسألوا ، ويقال لكم : هل أديتم شكرها أم لا ؟ ، قال النووي : فيه دليل على جواز الشبع ، وما جاء في كراهته محمول على المداومة عليه ؟ لأنه يقسي القلب وينسي حال المحتاجين ، وأما السؤال عن هذا النعيم ؟ ، فقال القاضي عياض : المراد به السؤال عن القيام بحق شكره ، والذي نعتقده أن السؤال هذا سؤال تعداد النعم ، وإعلام بالامتنان بها ، وإظهار الكرامة بإسباغها لا سؤال توبيخ وتقريع ومحاسبة . ( رواه مسلم ) : وسيأتي لهذا تتمة في أول الفصل الثاني ، ثم في الشمائل ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم : ( هل لك خادم ؟ " قال : لا . قال : " فإذا أتانا سبي فأتنا ، فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم - برأسين ليس معهما ثالث ؟ فأتاه أبو الهيثم ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم : ( اختر منهما ) فقال : يا نبي الله ! اختر لي . فقال النبي - صلى الله عليه وسلم : ( إن المستشار مؤتمن . خذ هذا ، فإني رأيته يصلى واستوص " ، وفي نسخة صحيحة " واستوص به معروفا " ، فانطلق أبو الهيثم إلى امرأته فأخبرها بقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت امرأته : ما أنت ببالغ ما قال فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا أن تعتقه . قال : فهو عتيق . فقال النبي - صلى الله عليه وسلم : ( إن الله لم يبعث نبيا ولا خليفة إلا وله بطانتان ، بطانة تأمره بالمعروف وتنهاه عن المنكر ، وبطانة لا تألوه خبالا ومن يوق بطانة السوء فقد وقي " ، وقد بينت معنى الحديث بكماله في شرح الشمائل . قال المؤلف : ( وذكر حديث أبي مسعود : " كان رجل من الأنصار . في " باب الوليمة ) .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث