الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

حديث من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

424 - الحديث التاسع عشر : عن أبي موسى رضي الله عنه قال { سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل : يقاتل شجاعة ، ويقاتل حمية ويقاتل رياء . أي ذلك في سبيل الله ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من قاتل [ ص: 702 ] لتكون كلمة الله هي العليا ، فهو في سبيل الله } .

التالي السابق


في الحديث دليل على وجوب الإخلاص في الجهاد وتصريح بأن القتال للشجاعة والحمية ، والرياء : خارج عن ذلك . فأما " الرياء " فهو ضد الإخلاص بذاته لاستحالة اجتماعهما أعني أن يكون القتال لأجل الله تعالى ، ويكون بعينه لأجل الناس ، وأما " القتال للشجاعة " فيحتمل وجوها :

أحدها : أن يكون التعليل داخلا في قصد المقاتل ، أي قاتل لأجل إظهار الشجاعة ، فيكون فيه حذف مضاف ، وهذا لا شك في منافاته للإخلاص .

وثانيها : أن يكون ذلك تعليلا لقتاله من غير دخول له في القصد بالقتال كما يقال : أعطى لكرمه ، ومنع لبخله ، وآذى لسوء خلقه وهذا بمجرده من حيث هو هو : لا يجوز أن يكون مرادا بالسؤال ، ولا الذم فإن الشجاع المجاهد في سبيل الله إنما فعل ما فعل لأنه شجاع ، غير أنه ليس يقصد به إظهار الشجاعة ، ولا دخل قصد إظهار الشجاعة في التعليل . وثالثها : أن يكون المراد بقولنا " قاتل للشجاعة " أنه يقاتل لكونه شجاعا فقط ، وهذا غير المعنى الذي قبله ; لأن الأحوال ثلاثة : حال يقصد بها إظهار الشجاعة ، وحال يقصد بها إعلاء كلمة الله تعالى ، وحال يقاتل فيها ; لأنه شجاع ، إلا أنه لم يقصد إعلاء كلمة الله تعالى ، ولا إظهار الشجاعة عنه ، وهذا يمكن فإن الشجاع الذي تدهمه الحرب ، وكانت طبيعته المسارعة إلى القتال : يبدأ بالقتال لطبيعته ، وقد لا يستحضر أحد الأمرين ، أعني أنه لغير الله تعالى ، أو لإعلاء كلمة الله تعالى ، ويوضح الفرق بينهما أيضا : أن المعنى الثاني لا ينافيه وجود قصد فإنه يقال : قاتل لإعلاء كلمة الله تعالى ; لأنه شجاع ، وقاتل للرياء ; لأنه شجاع ، فإن الجبن مناف للقتال ، مع كل قصد يفرض .

وأما المعنى الثالث : فإنه ينافيه القصد ; لأنه أخذ فيه القتال للشجاعة بقيد التجرد عن غيرها ، ومفهوم الحديث : يقتضي أنه في سبيل الله تعالى إذا قاتل لتكون كلمة الله هي العليا ، وليس في سبيل الله إذا لم [ ص: 703 ] يقاتل لذلك . فعلى الوجه الأول : تكون فائدته بيان أن القتال لهذه الأغراض مانع ، وعلى الوجه الأخير : تكون فائدته : أن القتال لأجل إعلاء كلمة الله تعالى شرط ، وقد بينا الفرق بين المعنيين ، وقد ذكرنا أن مفهوم الحديث الاشتراط ، لكن إذا قلنا بذلك ، فلا ينبغي أن نضيق فيه ، بحيث تشترط مقارنته لساعة شروعه في القتال ، بل يكون الأمر أوسع من هذا . ويكتفى بالقصد العام لتوجهه إلى القتال ، وقصده بالخروج إليه لإعلاء كلمة الله تعالى ، ويشهد لهذا : الحديث الصحيح في أنه { يكتب للمجاهد استنان فرسه ، وشربها في النهر } من غير قصد لذلك ، لما كان القصد الأول إلى الجهاد واقعا لم يشترط أن يكون ذلك في الجزئيات ، ولا يبعد أن يكون بينهما فرق ، إلا أن الأقرب عندنا ما ذكرناه من أنه لا يشترط اقتران القصد بأول الفعل المخصوص ، بعد أن يكون القصد صحيحا في الجهاد لإعلاء كلمة الله تعالى دفعا للحرج والمشقة ، فإن حالة الفزع حالة دهش .

وقد تأتي على غفلة فالتزام حضور الخواطر في ذلك الوقت حرج ومشقة . ثم إن الحديث يدل على أن المجاهد في سبيل الله : مؤمن ، قاتل لتكون كلمة الله هي العليا ، والمجاهد لطلب ثواب الله تعالى والنعيم المقيم : مجاهد في سبيل الله ويشهد له : فعل الصحابي - وقد سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول { قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض } - فألقى الثمرات التي كن في يده ، وقاتل حتى قتل ، وظاهر هذا : أنه قاتل لثواب الجنة ، والشريعة كلها طافحة بأن الأعمال لأجل الجنة أعمال صحيحة ، غير معلولة ; لأن الله تعالى ذكر صفة الجنة ، وما أعد فيها للعاملين ترغيبا للناس في العمل ، ومحال أن يرغبهم للعمل للثواب ، ويكون ذلك معلولا مدخولا ، اللهم إلا أن يدعى أن غير هذا المقام أعلى منه ، فهذا قد يتسامح فيه ، وأما أن يكون علة في العمل فلا . فإذا ثبت هذا ، وأن المقاتل لثواب الله ، وللجنة : مقاتل في سبيل الله تعالى فالواجب أن يقال : أحد الأمرين إما أن يضاف إلى هذا المقصود - أعني القتال لإعلاء كلمة الله تعالى - ما هو مثله ، أو ما يلازمه ، كالقتال لثواب الله تعالى .

وإما [ ص: 704 ] أن يقال : إن المقصود بالكلام وسياقه بيان أن هذه المقاصد منافية للقتال في سبيل الله . فإن السؤال إنما وقع عن القتال لهذه المقاصد ، وطلب بيان أنها في سبيل الله أم لا ؟ فخرج الجواب عن قصد السؤال ، بعد بيان منافاة هذه المقاصد للجهاد في سبيل الله : هو بيان أن هذا القتال لإعلاء كلمة الله تعالى هو قتال في سبيل الله ، لا على أن " سبيل الله " للحصر ، وأن لا يكون غيره في سبيل الله مما لا ينافي الإخلاص ، كالقتال لطلب الثواب ، والله أعلم .

، وأما القتال حمية : فالحمية من فعل القلوب فلا يقتضي ذلك إلا أن يكون مقصود الفاعل : إما مطلقا ، وإما في مراد الحديث ودلالة السياق ، وحينئذ يكون قادحا في القتال في سبيل الله تعالى ، إما لانصرافه إلى هذا الفرض ، وخروجه عن القتال لإعلاء كلمة الله ، وإما لمشاركته المشاركة القادحة في الإخلاص ، ومعلوم أن المراد بالحمية : الحمية لغير دين الله وبهذا يظهر لك ضعف الظاهرية في مواضع كثيرة ، ويتبين أن الكلام يستدل على المراد منه بقرائنه وسياقه ودلالة الدليل الخارج على المراد منه ، وغير ذلك .

فإن قلت : فإذا حملت قوله " قاتل للشجاعة " أي لإظهار الشجاعة فما الفائدة بعد ذلك في قولهم " يقاتل رياء " ؟ قلت : يحتمل أن يراد بالرياء : إظهار قصده للرغبة في ثواب الله تعالى ، والمسارعة للقربات ، وبذل النفس في مرضاة الله تعالى . والمقاتل لإظهار الشجاعة : مقاتل لغرض دنيوي ، وهو تحصيل المحمدة ، والثناء من الناس عليه بالشجاعة ، والمقصدان مختلفان ، ألا ترى أن العرب في جاهليتها كانت تقاتل للحمية وإظهار الشجاعة ، ولم يكن لها قصد في المراءاة بإظهار الرغبة في ثواب الله تعالى والدار الآخرة ؟ فافترق القصدان ، وكذلك أيضا القتال للحمية مخالف للقتال شجاعة والقتال للرياء ; لأن الأول : يقاتل لطلب المحمدة بخلق الشجاعة وصفتها وأنها قائمة بالمقاتل وسجية له ، والقتال للحمية : قد لا يكون كذلك ، وقد يقاتل الجبان حمية لقومه ، أو لحريمه " مكره أخاك لا بطل " ، والله أعلم .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث