الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

حديث تمتع رسول الله في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج

[ ص: 459 ] 231 - الحديث الثاني : عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال { تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج وأهدى . فساق معه الهدي من ذي الحليفة . وبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل بالعمرة ، ثم أهل بالحج ، فتمتع الناس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأهل بالعمرة إلى الحج ، فكان من الناس من أهدى ، فساق الهدي من الحليفة . ومنهم من لم يهد فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للناس : من كان منكم أهدى ، فإنه لا يحل من شيء حرم منه حتى يقضي حجه . ومن لم يكن أهدى فليطف بالبيت وبالصفا والمروة ، وليقصر وليحلل ، ثم ليهل بالحج وليهد ، فمن لم يجد هديا فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله فطاف رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم مكة . واستلم الركن أول شيء ، ثم خب ثلاثة أطواف من السبع ، ومشى أربعة ، وركع حين قضى طوافه بالبيت عند المقام ركعتين ، ثم انصرف فأتى الصفا ، وطاف بالصفا والمروة سبعة أطواف ، ثم لم يحلل من شيء حرم منه حتى قضى حجه ، ونحر هديه يوم النحر . وأفاض فطاف بالبيت ، ثم حل من كل شيء حرم منه ، وفعل مثل ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم : من أهدى وساق الهدي من الناس } .

التالي السابق


قوله " تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم " قيل " : هو محمول على التمتع اللغوي وهو الانتفاع . ولما كان النبي صلى الله عليه وسلم قارنا عند قوم ، والقران فيه تمتع وزيادة - إذ فيه إسقاط أحد العملين ، وأحد الميقاتين - سمي تمتعا على هذا ، باعتبار الوضع اللغوي . وقد يحمل قوله " تمتع " على الأمر بذلك ، كما قيل بمثل هذا في حجة [ ص: 460 ] النبي صلى الله عليه وسلم لما اختلفت الأحاديث ، وأريد الجمع بينها ، ويدل على هذا التأويل المحتمل : ما ذكرناه ، وأن ابن عمر - راوي هذا الحديث - هو الذي روى " أن النبي صلى الله عليه وسلم أفرد " .

وقوله " وساق الهدي " فيه دليل على استحباب سوق الهدي من الأماكن البعيدة . وقوله " فبدأ فأهل بالعمرة ثم بالحج " نص في الإهلال بهما .

ولما ذهب بعض الناس إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم قارن - بمعنى أنه أحرم بهما معا - احتاج إلى تأويل قوله " أهل بالعمرة ثم بالحج " فإنه على خلاف اختياره . فيجعل الإهلال في قوله : أهل بالعمرة ثم بالحج " على رفع الصوت بالتلبية ويكون قد قدم فيها لفظ الإحرام بالعمرة على لفظه بالحج . ولا يراد به تقديم الإحرام بالعمرة على الإحرام بالحج ; لأنه خلاف ما رواه واعلم أنه لا نحتاج الجمع بين الأحاديث إلى ارتكاب كون " القران " بمعنى : تقديم الإحرام بالحج على الإحرام بالعمرة . فإنه يمكن الجمع ، وإن كان قد وقع الإحرام بالعمرة أولا . فالتأويل الذي ذكره على الوجه الذي ذكره : غير محتاج إليه في طريق الجمع .

وقوله " فتمتع الناس إلى آخره " حمل على التمتع اللغوي . فإنهم لم يكونوا متمتعين بمعنى التمتع المشهور ، فإنهم لم يحرموا بالعمرة ابتداء . وإنما تمتعوا بفسخ الحج إلى العمرة على ما جاء في الأحاديث . فقد استعمل " التمتع " في معناه اللغوي ، أو يكونون تمتعوا بفسخ الحج إلى العمرة ، كمن أحرم بالعمرة ابتداء . نظرا إلى المآل . ثم إنهم أحرموا بالحج بعد ذلك ، فكانوا متمتعين . وقوله صلى الله عليه وسلم " من كان منكم قد أهدى - إلى آخره " موافق لقوله تعالى { ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله } .

وقوله " فليطف بالبيت وبين الصفا والمروة " دليل على طلب هذا الطواف في الابتداء .



وقوله " فليقصر " أي من شعره . وهو التقصير في العمرة عند التحلل منها . قيل : وإنما لم يأمره بالحلق حتى يبقى على الرأس ما يحلقه في الحج فإن الحلاق في الحج أفضل من الحلاق في العمرة . كما ذكر بعضهم . واستدل بالأمر [ ص: 461 ] في قوله " فليحلق " على أن الحلاق نسك . وقيل : في قوله " فليحلل " إن المراد به : يصير حلالا . إذ لا يحتاج بعد فعل أفعال العمرة ، والحلاق فيها : إلى تجديد فعل آخر . ويحتمل عندي أن يكون المراد بالأمر بالإحلال : هو فعل ما كان حراما عليه في حال الإحرام من جهة الإحرام ، ويكون الأمر للإباحة .



وقوله " فمن لم يجد الهدي " يقتضي تعلق الرجوع إلى الصوم عن الهدي بعدم وجدانه حينئذ ، وإن كان قادرا عليه في بلده ; لأن صيامه ثلاثة أيام في الحج إذا عدم الهدي يقتضي الاكتفاء بهذا البدل في الحال ، لقوله " ثلاثة أيام في الحج " وأيام الحج محصورة ، فلا يمكن أن يصوم في الحج إلا إذا كان قادرا على الصوم في الحال ، عاجزا عن الهدي في الحال ، وذلك ما أردناه .



وقوله صلى الله عليه وسلم " في الحج " هو نص كتاب الله تعالى . فيستدل به على أنه لا يجوز للمتمتع الصيام قبل دخوله في الحج ، لا من حيث المفهوم فقط ، بل من حيث تعلق الأمر بالصوم الموصوف بكونه في الحج . وأما الهدي قبل الدخول في الحج : فقيل لا يجوز . وهو قول بعض أصحاب الشافعي . والمشهور من مذهبه : جواز الهدي بعد التحلل من العمرة ، وقبل الإحرام بالحج وأبعد من هذا : من أجاز الهدي قبل التحلل من العمرة من العلماء . وقد يستدل به من يجيز للمتمتع صوم أيام التشريق بعد إثبات مقدمه وهي أن تلك الأيام من الحج ، أو تلك الأفعال الباقية ينطلق عليها : أنها من الحج ، أو وقتها من وقت الحج .

وقوله " إذا رجع إلى أهله " دليل لأحد القولين للعلماء في أن المراد بالرجوع من قوله تعالى { إذا رجعتم } هو الرجوع إلى الأهل ، لا الرجوع من منى إلى مكة .

وقوله " واستلم الركن أول شيء " دليل على استحباب ابتداء الطواف بذلك



[ ص: 462 ] ثم خب ثلاثة أطواف " دليل على استحباب الخبب وهو الرمل في طواف القدوم .

وقوله " ثلاثة أطواف " يدل على تعميم هذه الثلاثة بالخبب ، على خلاف ما تقدم من حديث ابن عباس ، وقد ذكرنا ما فيه .



وقوله " عند المقام ركعتين " دليل على استحباب أن تكون ركعتا الطواف عند المقام . و " طوافه بين الصفا والمروة " عقيب طواف القدوم : دليل على مشروعية ذلك على هذا الوجه ، واستحباب أن يكون السعي عقيب طواف القدوم . وقد قال بعض الفقهاء : إنه يشترط في السعي : أن يكون عقيب طواف كيف كان . وقال بعضهم : لا بد أن يكون عقيب طواف واجب . وهذا القائل يرى أن طواف القدوم واجب ، وإن لم يكن ركنا .

وقوله " ثم لم يحلل . .. إلخ " امتثالا لقوله تعالى { حتى يبلغ الهدي محله } ودليل على أن ذلك حكم القارن .

وقوله " وفعل مثل ما فعل من ساق الهدي " يبين أمر النبي صلى الله عليه وسلم لمن ساق الهدي في حديث آخر بأن " لا يحل منها حتى يحل منهما جميعا " .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث