الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 43 ] [ تردد ابن الصلاح في التفضيل ] ولكون ابن الصلاح لم يقف على كلام ابن حزم ، تردد في جهة التفضيل .

وقال ما معناه : إن كان المراد أن كتاب مسلم يترجح بأنه لم يمازجه غير الصحيح ، يعني بخلاف البخاري ، فإنه أودع تراجم أبوابه كثيرا من موقوفات الصحابة والتابعين وغير ذلك ، فهذا لا بأس به ، لكن لا يلزم منه المدعى ، أو أن الأرجحية من حيثية الصحة فمردود على قائله .

وأما المنقول عن أبي علي فلفظه كما رويناه من طريق ابن منده المذكور عنه : ( ما تحت أديم السماء كتاب أصح من كتاب مسلم ) . وهو كما أشار إليه شيخنا محتمل للمدعى ، أو لنفي الأصحية خاصة دون المساواة .

فقد قال ابن القطاع في شرح ديوان المتنبي : ذهب من لا يعرف معاني الكلام إلى أن مثل قوله - صلى الله عليه وسلم - : ما أقلت الغبراء ، ولا أظلت الخضراء أصدق لهجة من أبي ذر مقتضاه أن يكون أبو ذر أصدق العالم أجمع .

قال : وليس المعنى كذلك ، وإنما نفى أن يكون أحد أعلى رتبة في الصدق منه ، ولم ينف أن يكون في الناس مثله في الصدق ، ولو أراد ما ذهبوا إليه ، لقال : أبو ذر أصدق من كل من أقلت .

والحاصل أن قول القائل : فلان أعلم أهل البلد بفن كذا ، ليس كقوله : ما في البلد أعلم من فلان بفن كذا ; لأنه في الأول أثبت له الأعلمية ، وفي الثاني نفى أن يكون في البلد أحد أعلم منه ، فيجوز أن يكون [ ص: 44 ] فيها من يساويه فيه .

قال : وإذا كان لفظ أبي علي محتملا لكل من الأمرين ، لم يحسن أن ينسب إليه الجزم بالأصحية ، يعني كما فعل جماعة منهم النووي في شرح مسلم وغيره ; حيث قال : وقال أبو علي : كتاب مسلم أصح . وقد سبقه كل من شيخيه : المؤلف ، والعز ابن جماعة إلى الإرشاد لذلك .

بل لعدم صراحة مثل ذلك ، قال الإمام أحمد : ما تروي عن أثبت من هشام الدستوائي ، أما مثله فعسى .

ويتأيد كل هذا بحكاية التساوي ، قولا ثالثا في المسألة ، بل فيها رابع ، وهو الوقف ; إذا علم هذا ، فدليل الجمهور إجمالي وتفصيلي .

[ دليل قول الجمهور ] أما الإجمالي : فاتفاقهم على أن البخاري كان أعلم بالفن من مسلم ، وأنه تلميذه وخريجه ، حتى قال الدارقطني : لولا البخاري ما راح مسلم ولا جاء .

[ ص: 45 ] ولكن قد يقال : لا يلزم من ذلك أرجحية المصنف ، كما أنه لا يستلزم المرجوحية ، ويجاب بأنه الأصل ، ومن ثم اتجه تعلق الأولية بالمقصود .

وقول النووي : إن كتاب البخاري أكثرهما فوائد ومعارف ظاهرة وغامضة .

وأما التفصيلي : فالإسناد الصحيح مداره على الاتصال وعدالة الرواة ، وكتاب البخاري أعدل رواة وأشد اتصالا . وبيانه أن الذين انفرد البخاري بالإخراج لهم دون مسلم أربعمائة وخمسة وثلاثون رجلا ، المتكلم فيه بالضعف منهم نحو من ثمانين .

والذين انفرد مسلم بإخراج حديثهم دون البخاري ستمائة وعشرون رجلا ، المتكلم فيه منهم مائة وستون رجلا على الضعف من كتاب البخاري ، ولا شك أن التخريج عمن لم يتكلم فيه أصلا أولى من التخريج عمن تكلم فيه ، ولو كان ذلك غير شديد .

وأيضا فالذين انفرد بهم البخاري ممن تكلم فيه ، لم يكثر من تخريج أحاديثهم بخلاف مسلم ، والذين انفرد بهم البخاري ممن تكلم فيه أكثرهم من شيوخه الذين لقيهم وخبرهم وخبر حديثهم بخلاف مسلم ، فأكثر من ينفرد به ممن تكلم فيه من المتقدمين .

ولا شك أن المرء أعرف بحديث شيوخه من حديث غيرهم ممن تقدم ، وأكثر هؤلاء الذين تكلم فيهم من المتقدمين يخرج البخاري أحاديثهم غالبا في الاستشهادات ونحوها ، بخلاف مسلم .

وأما ما يتعلق بالاتصال : فمسلم كان مذهبه - بل نقل فيه الإجماع في أول صحيحه - أن الإسناد المعنعن له حكم الاتصال ، إذا تعاصر المعنعن والمعنعن عنه ، وإن لم يثبت اجتماعهما ، والبخاري لا يحمله على الاتصال ، حتى يثبت اجتماعهما ولو مرة واحدة .

[ ص: 46 ] ولذا قال النووي : وهذا المذهب يرجح كتاب البخاري ، قال : وإن كنا لا نحكم على مسلم بعمله في صحيحه بهذا المذهب ، لكونه يجمع طرقا كثيرة يتعذر معها وجود هذا الحكم الذي جوزه . انتهى .

[ وذلك في الغالب وما عداه فجلالته تنبو عن مشي ما لم يتصل عليه ] .

وما ذكره بعضهم من المرجحات لكتاب مسلم ، سوى ما سلف عن ابن حزم - فهو مع كونه - كما مر - غير مستلزم للأصحية ، معارض بوجود مثله ، أو أحسن منه من نمطه في البخاري مما لا نطيل بإيضاحه هنا .

وقد قال الحافظ الفقيه الإمام النظار أبو بكر الإسماعيلي : ( ( إنه - أي : مسلما - رام ما رام البخاري ، إلا أنه لم يضايق نفسه مضايقته .

وروى عن جماعة لم يتعرض البخاري للرواية عنهم قال : وكل قصد الخير وما هو الصواب عنده ، غير أن أحدا منهم لم يبلغ من التشديد مبلغ أبي عبد الله ، ولا تسبب إلى استنباطه المعاني واستخراج لطائف فقه الحديث وتراجم الأبواب الدالة على ما له وصلة بالحديث المروي فيه تسببه ، ولله الفضل يختص به من يشاء ) ) .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث