الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الفرع الثاني قول الصحابي كنا نرى

[ الفرع الثاني ] ( و ) الفرع الثاني ( قوله ) أي : الصحابي ( كنا نرى ) كذا ، أو نفعل كذا ، أو نقول كذا ، أو نحو ذلك ، وحكمه أنه ( إن كان ) ذلك ( مع ) ذكر ( عصر النبي ) - صلى الله عليه وسلم - ; كقول جابر : كنا نعزل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أو : كنا نأكل لحوم الخيل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقول غيره : " كنا لا نرى بأسا بكذا ، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - فينا " ، أو : " كان يقال كذا وكذا على عهده " ، أو : " كانوا يفعلون كذا وكذا [ ص: 149 ] في حياته " إلى غيرها من الألفاظ المفيدة للتكرار والاستمرار .

فهو وإن كان موقوفا لفظا ( من قبيل ما رفع ) الصحابي بصريح الإضافة ، كما ذهب إليه الجمهور من المحدثين وغيرهم ، وقطع به الخطيب ، ومن قبله الحاكم ; كما سيأتي .

وصححه من الأصوليين الإمام فخر الدين وأتباعه ، وعللوه بأن غرض الراوي بيان الشرع ، وذلك يتوقف على علم النبي - صلى الله عليه وسلم - وعدم إنكاره .

قال ابن الصلاح : وهو الذي عليه الاعتماد ; لأن ظاهر ذلك مشعر بأنه - صلى الله عليه وسلم - اطلع عليه وقررهم ، وتقريره كقوله وفعله .

قال الخطيب : ولو علم الصحابي إنكارا منه - صلى الله عليه وسلم - في ذلك ، لبينه .

قال شيخنا : ( ويدل له احتجاج أبي سعيد الخدري على جواز العزل بفعلهم له في زمن نزول الوحي ، فقال : كنا نعزل والقرآن ينزل ، لو كان شيء ينهى عنه ، نهى عنه القرآن ، وهو استدلال واضح ; لأن الزمان زمان تشريع .

وكذا يدل له مجيء بعض ما أتى ببعض هذه الصيغ بصريح الرفع ( وقيل : لا ) يكون مرفوعا ، حكاه ابن الصلاح عن البرقاني بلاغا أنه سأل الإسماعيلي عنه ، [ ص: 150 ] فأنكر أن يكون مرفوعا ، كما خالف في نحو ( ( أمرنا ) ) ، يعني بل هو موقوف مطلقا قيد أم لا ، بخلاف القول الأول ، فهو مفصل ، فإن قيد بالعصر النبوي - كما تقدم - فمرفوع ( أو لا ) أي : وإن لم يقيد ( فلا ) يكون مرفوعا ( كذاك له ) أي لابن الصلاح ; حيث جزم به ، ولم يحك فيه غيره .

( و ) كذا ( للخطيب ) أيضا في الكفاية ، كما زاده الناظم مع أنه قد فهم عن مشترطي القيد في الرفع - وهم الجمهور كما تقدم - القول به .

ولذلك قال النووي في شرح مسلم : وقال الجمهور من المحدثين وأصحاب الفقه والأصول : إن لم يضفه ، فهو موقوف ( قلت : لكن ) قد ( جعله ) أي : هذا اللفظ الذي لم يقيد بالعصر النبوي ( مرفوعا الحاكم ) أبو عبد الله النيسابوري .

وعبارته في علومه : ومنه - أي : ومما لم يصرح فيه بذكر الرسول - صلى الله عليه وسلم - قول الصحابي المعروف بالصحبة : أمرنا أن نفعل كذا ، ونهينا عن كذا ، وكنا نؤمر بكذا ، وكنا ننهى عن كذا ، وكنا نفعل كذا ، وكنا نقول ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - فينا كذا ، وكنا لا نرى بأسا بكذا ، وكان يقال كذا وكذا ، وقول الصحابي : من السنة كذا ، وأشباه ما ذكرنا ; إذا قاله الصحابي المعروف بالصحبة ، فهو حديث مسند ; أي : مرفوع .

وكذا جعله مرفوعا الإمام فخر الدين ( الرازي ) - نسبة بإلحاق الزاي للري ، مدينة مشهورة كبيرة من بلاد الديلم بين قومس والجبال - صاحب التفسير والمحصول [ ص: 151 ] ، ومناقب الشافعي ، وشرح الوجيز للغزالي وغيرها ، وأحد الأئمة وهو أبو عبد الله وأبو الفضائل محمد ( ابن الخطيب ) بالري ، تلميذ محيي السنة البغوي ، الإمام ضياء الدين عمر بن الحسين بن الحسن بن علي القرشي البكري التيمي الشافعي ، توفي بهراة في سنة ست وستمائة ( 606 هـ ) عن ثلاث وستين سنة ، كما نص على ذلك في ( ( المحصول ) ) .

ولم يفرقا بين المضاف وغيره ، وحينئذ فعن الفخر في المسألة قولان ، وقال ابن الصباغ في ( ( العدة ) ) : إنه الظاهر .

قال الناظم تبعا للنووي في شرح المهذب ، ( وهو القوي ) يعني من حيث المعنى ، زاد النووي : إنه ظاهر استعمال كثير من المحدثين ، وأصحابنا في كتب الفقه ، واعتمده الشيخان في صحيحيهما ، وأكثر منه البخاري .

قلت : ومما خرجه من أمثلة المسألة حديث سالم بن أبي الجعد عن جابر : ( ( كنا إذا صعدنا كبرنا ، وإذا هبطنا سبحنا ) ) .

ويتأيد القول بالرفع بإيراد النسائي له من وجه آخر عن جابر قال : كنا نسافر مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فإذا صعدنا . . . وذكره ، فتحصل في المسألة ثلاثة أقوال : الرفع مطلقا ، الوقف مطلقا ، التفصيل .

وفيها رابع أيضا ; وهو تفصيل آخر بين أن يكون ذلك الفعل مما لا يخفى غالبا فمرفوع ، أو يخفى ; كقول بعض الأنصار : ( ( كنا نجامع فنكسل ولا نغتسل ) ) [ ص: 152 ] فموقوف ، وبه قطع الشيخ أبو إسحاق الشيرازي ، وكذا قاله ابن السمعاني ، وحكاه النووي في شرح مسلم عن آخرين .

وخامس ، وهو أنه إن أورده في معرض الاحتجاج فمرفوع ، وإلا فموقوف ; حكاه القرطبي .

وسادس ، وهو أنه إن كان قائله من أهل الاجتهاد فموقوف ، وإلا فمرفوع .

وسابع : وهو الفرق بين كنا نرى ، وكنا نفعل ، بأن الأول مشتق من الرأي فيحتمل أن يكون مستنده تنصيصا أو استنباطا .

وتعليل السيف الآمدي وأتباعه كون " كنا نفعل " ونحوه حجة بأنه ظاهر في قول كل الأمة ، ولا يحسن معه إدراجهم مع القائلين بالأول ، كما فعل الشارح ; لاختلاف المدركين .

وكل ما أوردناه من الخلاف ; حيث لم يكن في القصة اطلاعه - صلى الله عليه وسلم - ، أما إذا كان - كقول ابن عمر : كنا نقول ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - حي : أفضل هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر وعمر وعثمان ، ويسمع ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلا ينكره - فحكمه الرفع إجماعا .

ثم إن النفي كالإثبات - فيما تقدم - كما علم من التمثيل ، ولذلك مثل ابن الصباغ للمسألة بقول عائشة : كانت اليد لا تقطع في الشيء التافه .

[ ص: 153 ]

110 - لكن حديث " كان باب المصطفى يقرع بالأظفار " مما وقفا      111 - حكما لدى الحاكم والخطيب
والرفع عند الشيخ ذو تصويب      112 - وعد ما فسره الصحابي
رفعا فمحمول على الأسباب      113 - وقولهم " يرفعه " أو " يبلغ به "
" رواية " " ينميه " رفع فانتبه      114 - وإن يقل " عن تابع " فمرسل
قلت من السنة عنه نقلوا      115 - تصحيح وقفه وذو احتمال
نحو " أمرنا منه " للغزالي      116 - وما أتى عن صاحب بحيث لا
يقال رأيا ، حكمه الرفع على      117 - ما قال في المحصول نحو " من أتى
" فالحاكم الرفع لهذا أثبتا      118 - وما رواه عن أبي هريره
محمد وعنه أهل البصره      119 - وكرر " قال " بعد فالخطيب
روى به الرفع وذا عجيب

.

" لكن حديث كان باب المصطفى " - صلى الله عليه وسلم - ( يقرع ) من الصحابة ( بالأظفار ) تأدبا وإجلالا ، كما عرف ذلك منهم في حقه .

وإن قال السهيلي : إنه لأن بابه الكريم لم يكن له حلق يطرق بها . ( مما وقفا حكما ) أي : حكمه الوقف ( لدى ) أي : عند ( الحاكم ) ، فإنه قال بعد أن أسنده ، كما سيأتي : هذا حديث يتوهمه من ليس من أهل الصنعة مسندا ; لذكر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيه ، وليس بمسند ; فإنه موقوف على صحابي ، حكى عن أقرانه من الصحابة فعلا ، وليس يسنده واحد منهم ( و ) كذا عند ( الخطيب ) أيضا في جامعه نحوه .

وإن أنكر البلقيني تبعا لبعض مشائخه وجوده فيه ، فعبارته في الموقوف الخفي [ ص: 154 ] الذي ذكر من أمثلته هذا الحديث - نصها : قد يتوهم أنه مرفوع لذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - فيه ، وإنما هو موقوف على صحابي ، حكى فيه عن غير النبي - صلى الله عليه وسلم - فعلا ، وذلك متعقب عليهما ( والرفع ) في هذا الحديث ( عند الشيخ ) ابن الصلاح ( ذو تصويب ) .

قال : والحاكم معترف بكون ذلك من قبيل المرفوع ; يعني لأنه جنح إلى الرفع في غير المضاف ، فهو هنا أولى ; لكونه كما قال ابن الصلاح أحرى باطلاعه - صلى الله عليه وسلم - عليه .

قال : وقد كنا عددنا هذا فيما أخذنا عليه ، ثم تأولناه له على أنه أراد : أنه ليس بمسند لفظا ، بل هو موقوف لفظا ; كسائر ما تقدم ، وإنما جعلناه مرفوعا من حيث المعنى . انتهى .

وهو جيد ، وحاصله كما قال شيخنا أن له جهتين : جهة الفعل وهو صادر من الصحابة فيكون موقوفا ، وجهة التقرير وهو مضاف إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - من حيث إن فائدة قرع بابه أنه يعلم أنه قرع ، ومن لازم علمه بكونه قرع مع عدم إنكار ذلك على فاعله - التقرير على ذلك الفعل ، فيكون مرفوعا ، لكن يخدش فيه أنه يلزم منه أن يكون جميع قسم التقرير يجوز أن يسمى موقوفا ; لأن فاعله غير النبي - صلى الله عليه وسلم - قطعا ، وإلا فما اختصاص حديث القرع بهذا الإطلاق .

قلت : والظاهر أنه يلتزمه في غير التقرير الصريح كهذا الحديث ، وغيره لا يلزمه ، ويستأنس له بمنع الإمام أحمد وابن مبارك من رفع حديث " حذف السلام سنة " كما سيأتي في آخر هذه الفروع ، على أنه يحتمل أن الحاكم ترجح عنده احتمال كون القرع بعده - صلى الله عليه وسلم - بأن الاستئذان في حياته كان ببلال أو برباح أو بغيرهما ، وربما كان بإعلام المرء بنفسه .

بل في حديث بسر بن سعيد عن زيد بن [ ص: 155 ] ثابت : احتجر النبي - صلى الله عليه وسلم - في المسجد حجرة ، وفيه : أنه لم يخرج إليهم ليلة ، وقال : فتنحنحوا ورفعوا أصواتهم وحصبوا بابه ، ولم يجئ في خبر صريح الاستئذان عليه بالقرع .

وإن فائدة ذكر القرع مع كونه بعده ما تضمنه من استمرارهم على مزيد الأدب بعده ; إذ حرمته ميتا كحرمته حيا ، وإذا كان كذلك ، فهو موقوف مطلقا . فالله أعلم .

والحديث المشار إليه أخرجه الحاكم في علومه ، وكذا في الأمالي كما عزاه إليها البيهقي في مدخله حيث أخرجه عن راو ، ورواه أبو نعيم في المستخرج على علوم الحديث ، له عن راو آخر ، كلاهما عن أحمد بن عمرو الزيبقي ، بالزاي المكسورة المشددة ثم تحتانية ، عن زكريا بن يحيى المنقري ، عن الأصمعي ، عن كيسان مولى هشام بن حسان ، في رواية أبي نعيم عن هشام بن حسان ، وفي رواية الآخرين عن محمد بن حسان ، زاد البيهقي : هو أخو هشام بن حسان ، وهو حسن الحديث .

ثم اتفقوا عن محمد بن سيرين ، زاد أبو نعيم في روايته : عن عمرو بن وهب ، ثم اتفقوا عن المغيرة بن شعبة ، رضي الله تعالى عنه ، قال : كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرعون بابه بالأظافير .

وفي الباب عن أنس ، أخرجه الخطيب في جامعه من طريق أبي غسان مالك بن إسماعيل النهدي ، وضرار بن صرد شيخ حميد بن الربيع فيه ، كلاهما عن المطلب بن زياد الثقفي ، ثم افترقا .

ففي رواية أبي غسان : أخبرني أبو بكر بن عبد الله الأصبهاني عن محمد بن مالك بن المنتصر .

وفي رواية حميد : ثنا عمر بن سويد ، يعني العجلي ، كلاهما عن أنس بن مالك قال : كان باب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرع بالأظافير . لفظ حميد ، ولفظ الآخر : كانت أبواب النبي . والباقي سواء ، [ ص: 156 ] وكذا أخرجه البخاري في الأدب المفرد والتأريخ عن أبي غسان ، والبزار في مسنده عن حميد بن الربيع عن ضرار به .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث