الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الفرع الخامس واحد من الألفاظ المتقدمة في الفرع قبله عن تابع من التابعين

[ الفرع الخامس ] ( وإن يقل ) واحد من الألفاظ المتقدمة في الفرع قبله من راو ( عن تابع ) من التابعين ، وهو الفرع الخامس ، وقدم على ما بعده ; لاشتراكه مع الذي قبله في أكثر صيغه ، وتوالى كلام ابن الصلاح ( فمرسل ) مرفوع بلا خلاف ، ولذا قال ابن القيم : جزما .

( قلت ) : و ( من السنة ) كذا ( عنه ) أي : عن التابعي ; كقول عبيد الله بن عبد الله بن عتبة التابعي : السنة تكبير الإمام يوم الفطر ويوم الأضحى ، حين يجلس على المنبر قبل الخطبة تسع تكبيرات ( نقلوا تصحيح وقفه ) على الصحابي من الوجهين اللذين حكاهما النووي في شروحه لمسلم ، والمهذب ، والوسيط لأصحاب الشافعي ، أهو موقوف متصل أو مرفوع مرسل ؟ وهو ممن صحح أيضا أولهما .

وحينئذ فيفرق بينها وبين ما قبلها من صيغ هذا الفرع ; حيث اختلف الحكم فيهما بأن " يرفع الحديث " تصريح بالرفع ، وقريب منه ما ذكر معها بخلاف " من السنة " ، فيطرقها احتمال إرادة سنة الخلفاء الراشدين .

فكثيرا ما يعبرون بها فيما يضاف إليهم ، وقد يريدون سنة البلد ، وهذا الاحتمال وإن قيل به في الصحابي فهو في التابعي أقوى ; ولذلك اختلف الحكم في الموضعين ، كما افترق فيما تقرر من التابعي نفسه .

نعم ألحق الشافعي رحمه الله بالصحابة سعيد بن المسيب في " من السنة " ، فروى في الأم عن سفيان ، عن أبي الزناد قال : سئل سعيد بن المسيب عن [ ص: 160 ] الرجل لا يجد ما ينفق على امرأته ، قال : يفرق بينهما . قال أبو الزناد : فقلت : سنة ؟ فقال سعيد : سنة ، قال الشافعي : والذي يشبه قول سعيد : سنة ، أن يكون أراد سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - .

وكذا قال ابن المديني : إذا قال سعيد : " مضت السنة " ، فحسبك به . وحينئذ فهو مستثنى من التابعين كالمرسل ، على ما سيأتي .

أما إذا جاء عن التابعي : " كنا نفعل " ، فليس بمرفوع قطعا ولا بموقوف إن لم يضفه لزمن الصحابة ، بل مقطوع ، فإن أضافه احتمل الوقف ; لأن الظاهر اطلاعهم على ذلك ، وتقريرهم له ، ويحتمل عدمه ; لأن تقرير الصحابي لا ينسب إليه ، بخلاف تقريره - صلى الله عليه وسلم - .

( وذو احتمال ) للإرسال والوقف ( نحو أمرنا ) بالبناء للمفعول ، بكذا ، إذا أتى ( منه ) أي : من التابعي ( للغزالي ) في المستصفى ; فإنه قال : إذا قال التابعي : " أمرنا بكذا " يحتمل أنه يريد أمر الشارع ، أو أمر كل الأمة ، فيكون حجة ، أو بعض الصحابة فلا ، ومن ذلك ينشأ احتمالا الرفع والوقف .

ولكن قوله : " فيكون حجة " كأنه يريد في الجملة ، إن شمل الأول فإنه مرسل ، ثم إنه لم يصرح بترجيح واحد منهما ، نعم يؤخذ من كلامه ترجيح إرادة الرفع أو الإجماع ; وذلك أنه قال بعد قوله : " فلا " لكن لا يليق بالعالم أن يطلق ذلك ، إلا وهو يريد من تجب طاعته .

وجزم أبو نصر بن الصباغ في " العدة " في أصول الفقه بأنه مرسل ، وحكى في سعيد بن المسيب هل يكون ما يأتي به من ذلك حجة وجهين .

وأما إذا قال التابعي : " كانوا يفعلون كذا " فلا يدل - كما قال النووي في شرح مسلم تبعا للغزالي - على فعل جميع الأمة ، بل على البعض ، فلا حجة فيه إلا أن يصرح [ ص: 161 ] بنقله عن أهل الإجماع ، فيكون نقلا للإجماع ، وفي ثبوته بخبر الواحد خلاف ، والذي قاله أكثر الناس واختاره الغزالي أنه لا يثبت .

وذهبت طائفة - وهو اختيار الرازي - إلى ثبوته ، وبه جزم الماوردي ، وقال : وليس آكد من سنن الرسول - صلى الله عليه وسلم - وهي تثبت به ، قال : وسواء كان من أهل الاجتهاد أم لا ، أما إذا قال : لا أعرف بينهم فيه خلافا ، فإن كان من أهل الاجتهاد فاختلف أصحابنا ; فأثبت الإجماع به قوم ، ونفاه آخرون ، وإن لم يكن من أهل الاجتهاد ، ولا ممن أحاط علما بالإجماع والاختلاف - لم يثبت الإجماع بقوله .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث