الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


[ ص: 205 ] [ الاشتراط للاتصال ثبوت اللقاء ] وممن صرح باشتراط ثبوت اللقاء علي بن المديني ، والبخاري ، وجعلاه شرطا في أصل الصحة ، وإن زعم بعضهم أن البخاري إنما التزم ذلك في جامعه فقط ، وكذا عزا اللقاء للمحققين النووي ، بل هو مقتضى كلام الشافعي ، كما قاله شيخنا ، واقتضاه ما في شرح الرسالة لأبي بكر الصيرفي .

( و ) لكن ( مسلم لم يشرط ) في الحكم بالاتصال ( اجتماعا ) بينهما ، بل أنكر اشتراطه في مقدمة ( صحيحه ) ، وادعى أنه قول مخترع لم يسبق قائله إليه ، وأن القول الشائع المتفق عليه بين أهل العلم بالأخبار قديما وحديثا ما ذهب هو إليه من عدم اشتراطه .

( لكن ) اشترط ( تعاصرا ) أي : كونهما في عصر واحد فقط ، وإن لم يأت في خبر قط أنهما اجتمعا أو تشافها ، يعني تحسينا للظن ، بالثقة ، قال ابن الصلاح : وفيما قاله نظر . انتهى .

ووجهه فيما يظهر ما علم من تجويز أهل ذاك العصر للإرسال ، فلو لم يكن مدلسا وحدث بالعنعنة عن بعض من عاصره - لم يدل ذلك على أنه سمع منه ; لأنه وإن كان غير مدلس فقد يحتمل أن يكون أرسل عنه ; لشيوع الإرسال بينهم .

فاشترطوا أن يثبت أنه لقيه وسمع منه ، لتحمل عنعنته على السماع ; لأنه لو لم يحمل حينئذ على السماع لكان مدلسا ، والفرض السلامة من التدليس ، فبان رجحان اشتراطه .

ويؤيده قول أبي حاتم في ترجمة أبي قلابة الجرمي : إنه روى عن جماعة لم يسمع منهم ، لكنه عاصرهم ، كأبي زيد عمرو بن أخطب ، وقال مع ذلك : إنه لا يعرف له [ ص: 206 ] تدليس ، ولذا قال شيخنا عقب حكايته في ترجمة أبي قلابة من " تهذيبه " : إن هذا مما يقوي من ذهب إلى اشتراط اللقاء غير مكتف بالمعاصرة ، على أن مسلما موافق للجماعة فيما إذا عرف استحالة لقاء التابعي لذلك الصحابي في الحكم على ذلك بالانقطاع .

وحينئذ فاكتفاؤه بالمعاصرة إنما هو فيما يمكن فيه اللقاء ( وقيل ) : إنه ( يشترط طول صحابة ) بين المعنعن والذي فوقه ، قاله أبو المظفر بن السمعاني . وفيه تضييق .

( وبعضهم ) وهو أبو عمرو الداني ( شرط معرفة الراوي ) المعنعن ( بالأخذ ) عمن عنعن ( عنه ) ، كما حكاه ابن الصلاح عنه .

لكن بلفظ : إذا كان معروفا بالرواية عنه ، والأمر فيه قريب ، نعم الذي حكاه الزركشي عن قول الداني في جزء له في علوم الحديث ، مما هو منقول عن أبي الحسن القابسي أيضا اشتراط إدراك الناقل للمنقول عنه إدراكا بينا ، فإما أن يكون أحدهما وهما ، أو قالهما معا ، فإنه لا مانع من الجمع بينهما ، بل قد يحتمل الكناية بذلك عن اللقاء ، إذ معرفة الراوي بالأخذ عن شيخ بل وإكثاره عنه قد يحصل لمن لم يلقه إلا مرة .

( وقيل ) في أصل المسألة قول آخر وهو : ( كل ما أتانا منه ) أي : من سند معنعن وصف راويه بالتدليس أم لا ( منقطع ) لا يحتج به ( حتى يبين الوصل ) بمجيئه من طريق المعنعن نفسه بالتحديث ونحوه .

ولم يسم ابن الصلاح قائله ، كما وقع للرامهرمزي في كتابه " المحدث [ ص: 207 ] الفاصل " ; حيث نقله عن بعض المتأخرين من الفقهاء ، ووجهه بعضهم بأن " عن " لا إشعار له بشيء من أنواع التحمل ، ويصح وقوعها فيما هو منقطع ، كما إذا قال الواحد منا مثلا : عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو عن أنس أو نحوه .

ولذلك قال شعبة : كل إسناد ليس فيها ثنا وأنا فهو خل وبقل . وقال أيضا : فلان عن فلان ليس بحديث ، ولكن هذا القول - كما قال النووي - مردود بإجماع السلف . انتهى .

وفيه من التشديد ما لا يخفى ، ويليه اشتراط طول الصحبة ، ومقابله في الطرف الآخر الاكتفاء بالمعاصرة ، وحينئذ فالمذهب الوسط الاقتصار على اللقاء ، وما خدشه به مسلم من وجود أحاديث اتفق العلماء على صحتها مع أنها ما رويت إلا معنعنة ولم يأت في خبر قط أن بعض رواتها لقي شيخه - فغير لازم ; إذ لا يلزم من نفي ذلك عنده نفيه في نفس الأمر .

وكذا ما ألزم به رد المعنعن دائما ; لاحتمال عدم السماع ليس بوارد ; إذ المسألة مفروضة - كما تقدم - في غير المدلس ، ومتى فرض أنه لم يسمع ما عنعنه كان مدلسا .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث