الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


[ حكم التدليس ] : وأما حكمه : فقال يعقوب بن شيبة : جماعة من المحدثين لا يرون بالتدليس بأسا ، يعني وهم الفاعلون له أو معظمهم ، ( وذمه ) - أي : أصل التدليس لا خصوص هذا القسم - ( شعبة ) بن الحجاج ( ذو الرسوخ ) في الحفظ والإتقان ; بحيث لقب أمير المؤمنين في الحديث ، فروى الشافعي عنه أنه قال : التدليس أخو الكذب ، وقال غندر عنه : إنه أشد من الزنا ; ولأن أسقط من السماء إلى الأرض أحب إلي من أن أدلس .

وقال أبو الوليد الطيالسي عنه : لأن أخر من السماء إلى الأرض أحب إلي من أن أقول : زعم فلان ، ولم أسمع ذلك الحديث منه .

[ ص: 235 ] ولم ينفرد شعبة بذمه ، بل شاركه ابن المبارك في الجملة الأخيرة ، وزاد : أن الله لا يقبل التدليس .

وممن أطلق على فاعله الكذب أبو أسامة ، وكذا قرنه به بعضهم ، وقرنه آخر بقذف المحصنات ، وقال سليمان بن داود المنقري : التدليس والغش والغرور والخداع والكذب تحشر يوم تبلى السرائر في نفاذ واحد بالمعجمة ، أي : طريق .

وقال عبد الوارث بن سعيد : إنه ذل ، يعني لسؤاله أسمع أم لا ؟

وقال ابن معين : " إني لأزين الحديث بالكلمة ، فأعرف مذلة ذلك في وجهي فأدعه " .

وقال حماد بن زيد : " هو متشبع بما لم يعط " ، ونحوه قول أبي عاصم النبيل : أقل حالاته عندي أنه يدخل في حديث : " المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور " .

وقال وكيع : الثوب لا يحل تدليسه فكيف الحديث ؟ وقال بعضهم : أدنى ما فيه التزين . وقال يعقوب بن شيبة : وكرهه جماعة من المحدثين ، ونحن [ ص: 236 ] نكرهه ، زاد غيره وتشتد الكراهة إذا كان المتروك ضعيفا فهو حرام ، ولكن اختص شعبة منه مع تقدمه بالمزيد كما ترى ، على أن شعبة قد عيب بقوله : لأن أزني أحب إلي من أن أحدث عن يزيد بن أبان الرقاشي . فقال يزيد بن هارون راوي ذلك عنه : ما كان أهون عليه الزنا ! .

قال الذهبي : وهو - أي : التدليس - داخل في قوله عليه السلام : من غشنا فليس منا ; لأنه يوهم السامعين أن حديثه متصل ، وفيه انقطاع ، هذا إن دلس عن ثقة ، فإن كان ضعيفا فقد خان الله ورسوله ، بل هو - كما قال بعض الأئمة - حرام إجماعا .

وأما ما نقله ابن دقيق العيد عن الحافظ أبي بكر أنه قال : التدليس اسم ثقيل شنيع الظاهر ، لكنه خفيف الباطن ، سهل المعنى ، فهو محمول على غير المحرم منه .

( ودونه ) أي : دون الأول من قسمي تدليس الإسناد ، وفصل عنه لعدم الحذف فيه ( التدليس للشيوخ ) ثاني قسميه ، لتصريح ابن الصلاح بأن أمره أخف ، وهو ( أن يصف ) المدلس ( الشيخ ) الذي سمع ذاك منه ( بما لا يعرف ) أي : يشتهر ( به ) من اسم أو كنية ، أو نسبة إلى قبيلة ، أو بلدة أو صنعة ، أو نحو ذلك ، كي يوعر معرفة الطريق على السامع .

ويجوز أن تكون " أن " وما بعدها في موضع رفع على البيان لقوله : " التدليس " .

ومن أمثلة ذلك قول أبي بكر بن مجاهد المقرئ : ثنا عبد الله بن أبي عبد الله ، يريد به الحافظ أبا بكر ابن صاحب السنن الحافظ أبي داود .

وقوله أيضا : ثنا محمد بن سند ، يريد به أبا بكر محمد بن الحسن بن محمد بن زياد النقاش ، نسبة لجد له .

[ ص: 237 ] ( وذا ) الفعل ( بـ ) اختلاف ( مقصد ) بكسر المهملة ، حامل لفاعله عليه ( يختلف ) في الكراهة ، ( فشره ) ما كانت تغطيته ( للضعف ) في الراوي كما فعل في محمد بن السائب الكلبي الضعيف ; حيث قيل : فيه حماد ; لتضمنه الخيانة والغش والغرور ، وذلك حرام هنا وفي الذي قبله ، كما تقدم إجماعا ، إلا أن يكون ثقة عند فاعله ، فهو أسهل إن لم يكن قد انفرد هو بتوثيقه مع علمه بتضعيف الناس له ، ومع ذلك فهو أسهل من الأول أيضا كما أشرت إليه في المرسل .

( و ) يكون ( استصغارا ) لسن الذي حدثه به ، إما بأن يكون أصغر منه أو أكبر ، لكن بيسير أو بكثير ، لكن تأخرت وفاته حتى شاركه في الأخذ عنه من هو دونه .

وقد روى الحارث بن أبي أسامة عن أبي بكر عبد الله بن محمد بن عبيد بن سفيان بن أبي الدنيا ، الحافظ الشهير صاحب التصانيف ، فلكون الحارث أكبر منه قال فيه مرة : عبد الله بن عبيد ، ومرة : عبد الله بن سفيان ، ومرة : أبو بكر بن سفيان ، ومرة : أبو بكر الأموي ، قال الخطيب : ( وذلك خلاف موجب العدالة ومقتضى الديانة من التواضع في طلب العلم ، وترك الحمية في الأخبار بأخذ العلم عمن أخذه ) .

قلت : وقد يكون للخوف من عدم أخذه عنه ، وانتشاره مع الاحتياج إليه ، أو لكون المدلس عنه حيا ، وعدم التصريح به أبعد عن المحذور الذي نهى الشافعي عنه لأجله .

ومنه قول شيخنا : أنا أبو العباس بن أبي الفرج بن أبي عبد الله الصحراوي بقراءتي عليه بالصالحية ، وعنى بذلك الولي أبا زرعة ابن شيخه الزين أبي الفضل العراقي ، ولم يتنبه له إلا أفراد ، مع تحديثه بذلك حتى لجماعة من خواص [ ص: 238 ] الولي وملازميه ، وما علموه .

( و ) يكون ( كـ ) فعل ( الخطيب ) الحافظ المكثر من الشيوخ والمسموع في تنويع الشيخ الواحد ; حيث قال مرة : أخبرنا الحسن بن محمد الخلال ، ومرة : أخبرنا الحسن بن أبي طالب ، ومرة : أنا أبو محمد الخلال ، والجميع واحد .

وقال مرة : عن أبي القاسم الأزهري ، ومرة : عن عبيد الله بن أبي القاسم الفارسي ، ومرة : عن عبيد الله بن أحمد بن عثمان الصيرفي ، والجميع واحد .

وقال مرة : أنا علي بن أبي علي البصري ، ومرة : أنا علي بن الحسن ، ومرة : أنا أبو القاسم التنوخي ، ومرة : أنا علي بن الحسن ، ويصفه مرة بالقاضي ، ومرة : بالمعدل إلى غيرها .

ومراده بهذا كله أبو القاسم علي بن أبي علي المحسن بن علي التنوخي البصري الأصل القاضي ، وهو مكثر في تصانيفه من ذلك جدا ، ويقرب منه ما يقع للبخاري في شيخه الذهلي ; فإنه تارة يقول : ثنا محمد ولا ينسبه ، وتارة : محمد بن عبد الله فينسبه إلى جده ، وتارة : محمد بن خالد ، فينسبه إلى والد جده ، ولم يقل في موضع : محمد بن يحيى ، في نظائر لذلك كثيرة ستأتي جملة منها فيمن ذكر بنعوت متعددة .

( يوهم ) الفاعل بذلك ( استكثارا ) من الشيوخ ; حيث يظن الواحد ببادي الرأي جماعة ، وإلى ذلك أشار الخطيب بقوله : ( أو تكون أحاديثه التي عنده عنه كثيرة ، فلا يحب تكرار الرواية عنه ، فيغير حاله لذلك ) .

قلت : ولكن لا يلزم من كون الناظر قد يتوهم الإكثار أن يكون مقصودا لفاعله ، بل الظن بالأئمة - خصوصا من اشتهر إكثاره مع ورعه - خلافه ; لما يتضمن من التشبع والتزين الذي يراعي تجنبه أرباب الصلاح والقلوب ، كما نبه عليه ياقوتة العلماء [ ص: 239 ] المعافى بن عمران .

وكان من أكابر العلماء والصلحاء ، ولا مانع من قصدهم الاختبار لليقظة ، والإلفات إلى حسن النظر في الرواة وأحوالهم وأنسابهم إلى قبائلهم وبلدانهم وحرفهم وألقابهم وكناهم ، وكذا الحال في آبائهم ، فتدليس الشيوخ دائر بين ما وصفنا .

وقد ذكر الذهبي في فوائد رحلته أنه لما اجتمع بابن دقيق العيد سأله التقي : من أبو محمد الهلالي ؟ فقال : سفيان بن عيينة ، فأعجبه استحضاره .

وألطف منه قوله له : من أبو العباس الذهبي ؟ فقال : أبو طاهر المخلص .

وكذا مر في صحيح ابن حبان - وأنا بين يدي شيخنا - قوله : ثنا أبو العباس الدمشقي ، فقال : من هذا ؟ فبادرته مع أنه لم يقصدني بذلك ، وقلت : هو أبو الحسن أحمد بن عمير بن جوصاء ، فأعجبه الجواب دون المبادرة لتفويتها غرضا له ، ولذا قال ابن دقيق العيد : إن في تدليس الشيخ الثقة مصلحة ، وهي امتحان الأذهان ، واستخراج ذلك وإلقاؤه إلى من يراد اختبار حفظه ومعرفته بالرجال .

على أنه قد قيل في فعل البخاري في الذهلي : إنه لما كان بينهما ما عرف في محله ; بحيث منع الذهلي أصحابه من الحضور عند البخاري ، ولم يكن ذلك بمانع للبخاري من التخريج عنه ; لوفور ديانته وأمانته وكونه عذره في نفسه بالتأويل ، غير أنه خشي من التصريح به ، أن يكون كأنه بتعديله له صدقه على نفسه فأخفى اسمه ، والله أعلم بمراده .

والأكثر في هذا القسم وقوعه من الراوي ، وقد يقع من الطالب بقصد التغطية على شيخه ; ليتوفر عليه ما جرت عادته بأخذه في حديث ذاك المدلس ; كما سيأتي في الفصل الحادي عشر من معرفة من تقبل روايته ، وهو أخفها وأظرفها ، ويجمع الكل مفسدة تضييع المروي عنه ، كما قال ابن الصلاح ; وذلك حيث جهل إلا [ ص: 240 ] أنه نادر فالحذاق لا يخفى ذلك عنهم غالبا ، فإن جهل كان من لازمه تضييع المروي أيضا ، بل قد يتفق أن يوافق ما دلس به شهرة راو ضعيف من أهل طبقته ، ويكون المدلس ثقة ، وكذا بالعكس ، وهو فيه أشد .

وبهذا وكذا بأول المقاصد بهذا القسم قد ينازع في كونه دون الذي قبله ، ولكن الحق أن هذا قل أن يخفى على النقاد بخلاف الأول ، ويعرف كل من التدليس واللقاء بإخباره أو بجزم بعض النقاد ، كما سيأتي في خفي الإرسال ( والشافعي ) بالإسكان - رحمه الله - ( أثبته ) أي : أصل التدليس لا خصوص هذا القسم للراوي .

( بمرة ) ، وعبارته : " ومن عرفناه دلس مرة ، فقد أبان لنا عورته في روايته ، وليست تلك العورة بكذب فيرد بها حديثه " إلى آخر كلامه .

وحكاه البيهقي أيضا : فقال : " من عرف بالتدليس مرة ، لا يقبل منه ما يقبل من أهل النصيحة في الصدق ، حتى يقول : حدثني أو سمعت ، كذلك ذكره الشافعي " . انتهى .

وبيان ذلك أنه بثبوت تدليسه مرة ، صار ذلك هو الظاهر من حاله في معنعناته ، كما أنه بثبوت اللقاء مرة صار الظاهر من حاله السماع .

وكذا من عرف بالكذب في حديث واحد صار الكذب هو الظاهر من حاله ، وسقط العمل بجميع حديثه مع جواز كونه صادقا في بعضه .

( قلت : وشرها ) أي : أنواع التدليس ، حتى ما ذكر ابن الصلاح أنه شره ( أخو ) أي : صاحب ( التسوية ) الذي أشار إليه الخطيب بقوله : " وربما لم يسقط المدلس اسم شيخه الذي حدثه ، [ ص: 241 ] لكنه يسقط ممن بعده في الإسناد رجلا يكون ضعيفا في الرواية أو صغير السن ، ويحسن الحديث بذلك " وتبعه النووي في ذلك القسم الأول من تقريبه ، وجماعة ليس فيهم ابن الصلاح ، منهم العلائي وتلميذه الناظم ، لكن جعله قسما ثالثا للتدليس .

وحقق تلميذه شيخنا أنه نوع من الأول ، وصنيع النووي في شرح مسلم و ( تقريبه ) يقتضيه . وبالتسوية سماه أبو الحسن بن القطان فمن بعده ، فقال : سواه فلان .

وأما القدماء فسموه تجويدا ; حيث قالوا : جوده فلان ، وصورته أن يروي المدلس حديثا عن شيخ ثقة بسند فيه راو ضعيف ، فيحذفه المدلس من بين الثقتين اللذين لقي أحدهما الآخر ، ولم يذكر أولهما بالتدليس ، ويأتي بلفظ محتمل فيستوي الإسناد كله ثقات .

ويصرح المدلس بالاتصال عن شيخه ; لأنه قد سمعه منه ، فلا يظهر في الإسناد ما يقتضي رده إلا لأهل النقد والمعرفة بالعلل ، ويصير الإسناد عاليا ، وهو في الحقيقة نازل ، وهو مذموم جدا ; لما فيه من مزيد الغش والتغطية ، وربما يلحق الثقة الذي هو دون الضعيف الضرر من ذلك بعد تبين الساقط بإلصاق ذلك به مع براءته .

[ ص: 242 ] قال ابن حزم : صح عن قوم إسقاط المجروح وضم القوي إلى القوي ; تلبيسا على من يحدث ، وغرورا لمن يأخذ عنه ، فهذا مجروح وفسقه ظاهر ، وخبره مردود ; لأنه ساقط العدالة . انتهى .

وممن كان يفعله بقية بن الوليد ، والوليد بن مسلم ، وبالتقييد باللقاء خرج الإرسال ، فقد ذكر ابن عبد البر وغيره أن مالكا سمع من ثور بن زيد أحاديث عن عكرمة ، عن ابن عباس ، ثم حدث بها بحذف عكرمة ; لأنه كان يكره الرواية عنه ، ولا يرى الاحتجاج بحديثه . انتهى .

في أمثلة لذلك عن مالك بخصوصه ، فلو كانت التسوية بالإرسال تدليسا ، لعد مالك في المدلسين ، وقد أنكروا على من عده فيهم ، فقال ابن القطان : ولقد ظن بمالك على بعده عنه عمله .

وقال الدارقطني : إن مالكا ممن عمل به وليس عيبا ، عندهم .

قلت : وهو محمول على أن مالكا ثبت عنده الحديث عن ابن عباس ، وإلا فقد قال الخطيب : إنه لا يجوز هذا الصنيع وإن احتج بالمرسل ; لأنه قد علم أن الحديث عمن ليس بحجة عنده وكذا بالتقييد بالضعيف - كان أخص من المنقطع ، على أن بعضهم قد أدرج في تدليس التسوية ما كان المحذوف ثقة .

ومن أمثلته ما رواه هشيم عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن الزهري عن عبد الله بن الحنفية عن أبيه ، هو محمد بن الحنفية ، عن علي في تحريم لحوم الحمر الأهلية قالوا : ويحيى لم يسمعه من الزهري ، وإن سمع منه غيره إنما [ ص: 243 ] أخذه عن مالك عنه ، ولكن هشيم قد سوى الإسناد ، كما جزم به ابن عبد البر وغيره ، ويتأيد بقول الخطيب الذي أسلفته في أول هذا القسم : " أو صغير السن " .

ويلتحق بتدليس التسوية في مزيد الذم ما حكيناه في القسم الأول عن فطر .

تتمة : المدلسون مطلقا على خمس مراتب ، بينها شيخنا - رحمه الله - في تصنيفه المختص بهم ، المستمد فيه من جامع التحصيل للعلائي وغيره : من لم يوصف به إلا نادرا ، كالقطان ويزيد بن هارون ، من كان تدليسه قليلا بالنسبة لما روى مع إمامته ، وجلالته ، وتحريه كالسفيانين ، من أكثر منه غير متقيد بالثقات ، من كان أكثر تدليسه عن الضعفاء والمجاهيل ، من انضم إليه ضعف بأمر آخر .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث