الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

حديث يكذبه النظر لطم موسى عليه السلام ملك الموت

[ ص: 400 ] 44 - قالوا : حديث يكذبه النظر

لطم موسى - عليه السلام - ملك الموت

قالوا : رويتم عن حماد بن سلمة ، عن عمار بن أبي عمار ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : أن موسى - عليه السلام - لطم عين ملك الموت فأعوره ، فإن كان يجوز على ملك الموت العور جاز عليه العمى ، ولعل عيسى بن مريم - عليه السلام - قد لطم الأخرى فأعماه ؛ لأن عيسى - عليه السلام - كان أشد للموت كراهية من موسى - عليه السلام - ، وكان يقول : اللهم إن كنت صارفا هذه الكأس عن أحد من الناس فاصرفها عني .

قال أبو محمد : ونحن نقول : إن هذا الحديث حسن الطريق عند أصحاب الحديث ، وأحسب : له أصل في الأخبار القديمة ، وله تأويل صحيح لا يدفعه النظر .

[ ص: 401 ] والذي نذهب إليه فيه أن ملائكة الله تعالى روحانيون ، والروحاني منسوب إلى الروح نسبة الخلقة ، فكأنهم أرواح لا جثث لهم فتلحقها الأبصار ، ولا عيون لها كعيوننا ، ولا أبشار كأبشارنا ، ولسنا نعلم كيف هيأهم الله تعالى ، لأنا لا نعرف من الأشياء إلا ما شاهدنا وإلا ما رأينا له مثالا ، وكذلك الجن والشياطين والغيلان هي أرواح ولا نعلم كيفيتها ، وإنما تنتهي في صفاتها إلى حيث ما وصف الله - جل وعز - لنا ورسوله - صلى الله عليه وسلم - ، قال الله - جل وعز - : جاعل الملائكة رسلا أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع ، ثم قال : يزيد في الخلق ما يشاء ، كأنه يزيد في تلك الأجنحة ما يشاء وفي غيرها .

وكانت العرب تدعو الملائكة جنا ؛ لأنهم اجتنوا عن الأبصار كما اجتنت الجن ، قال الأعشى يذكر سليمان بن داود - عليهما السلام - :


وسخر من جن الملائك تسعة قياما لديه يعملون بلا أجر



وقد جعل الله سبحانه للملائكة من الاستطاعة أن تتمثل في صور مختلفة ، وأتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جبريل - عليه السلام - في صورة دحية الكلبي وفي صورة أعرابي ، ورآه مرة قد سد بجناحيه ما بين الأفقين ، وكذلك جعل للجن أن تتمثل وتتخيل في صور مختلفة كما جعل للملائكة .

[ ص: 402 ] قال الله - جل وعز - : فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا وليس ما تنتقل إليه من هذه الأمثلة على الحقائق ، إنما هي تمثيل وتخييل لتلحقها الأبصار .

وحقائق خلقها أنها أرواح لطيفة تجري مجرى الدم وتصل إلى القلوب وتدخل في الثرى وترى ولا ترى ، قال الله تعالى : في إبليس إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم ، يريد أنا لا نراهم في حقائق هيئاتهم .

وقال أيضا : وقالوا لولا أنزل عليه ملك ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر ثم لا ينظرون ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا يريد لو أنزلنا ملكا لم تدركه حواسهم ؛ لأنها لا تلحق حقائق هيئات الملائكة ، فكنا نجعله رجلا مثلهم ليروه ويفهموا عنه .

وقد ذكر ابن عباس في قصة الزهرة أن الله تعالى لما أهبط الملكين إلى الأرض ليحكما بين أهلها نقلهما إلى صور الناس وركب فيهما الشهوة ؛ لأنه لا يجوز أن يقضي بين الناس ، إلا من يرونه ويسمعون كلامه ، وإلا من شاكلهم وأشبههم .

ولما تمثل ملك الموت لموسى - عليه السلام - وهذا ملك الله ، وهذا نبي الله ، وجاذبه لطمه موسى لطمة أذهبت العين التي هي تخييل وتمثيل وليست حقيقة ، وعاد ملك الموت - عليه السلام - إلى حقيقة خلقته الروحانية كما كان ، لم ينتقص منه شيء .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث