الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 462 ] باب المثلة ونسخها

حديث يبيح بالمثلة أخرجه البخاري - وكذلك رواه مسلم - جزاء الذين يحاربون الله ورسوله - ذهب جماعة إلى نسخ المثلة - رواية لجرير - قول عن ابن سيرين .

أخبرني عبد الرحيم بن عبد الخالق الصوفي ، عن أبي نصر أحمد بن محمد بن عبد الله الفلكي ، أخبرنا أبو سعد محمد بن عبد الرحمن ، أخبرنا أبو عمرو بن حمدان ، أخبرنا أحمد بن علي بن المثنى ، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، حدثنا ابن علية ، عن حجاج بن أبي عثمان ، حدثني أبو رجاء مولى أبي قلابة ، عن أبي قلابة ، عن أنس بن مالك : أن نفرا من عكل قدموا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فبايعوه على الإسلام ، فاستوخموا الأرض وسقمت أجسامهم ، فشكوا ذلك إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : ألا تخرجون مع راعينا في إبله فتصيبون من أبوالها وألبانها فصحوا ، فقتلوا الراعي وطردوا الإبل ، فبلغ ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فبعث آثارهم ، فأدركوا فجيء بهم ، فقطعت أيديهم وأرجلهم ، وسمل أعينهم ، ثم نبذوا في الشمس حتى ماتوا .

[ ص: 463 ] أخرجه مسلم في الصحيح ، عن أبي جعفر محمد بن الصباح ، وأبي بكر بن أبي شيبة ، عن ابن علية نحو ما ذكرنا ، أخرجاه في الصحيح من غير وجه ، وأخبرنا أبو الوقت عبد الأول بن شعيب حضورا وأجازه ، أخبرنا عبد الرحمن بن محمد ، أخبرنا عبد الله بن أحمد ، أخبرنا سلام بن مسكين ، حدثنا ثابت عن أنس : أن ناسا كان بهم سقم فقالوا : يا رسول الله ، آونا وأطعمنا ، فلما صحوا ، قالوا : إن المدينة وخمة . فأنزلهم الحرة في ذود له ، وقال : اشربوا ألبانها . فلما صحوا قتلوا راعي النبي - صلى الله عليه وسلم - واستاقوا ذوده ، فبعث في آثارهم ، فقطع أيديهم وأرجلهم ، وسمل أعينهم ، فرأيت الرجل منهم يكدم الأرض بلسانه حتى مات .

قال سلام : فبلغني أن الحجاج قال لأنس : حدثني بأشد عقوبة عاقبها النبي - صلى الله عليه وسلم - فحدثه بهذا ، فبلغ الحسن فقال : وددت أنه لم يحدثه .

قلت : والحكم في قاطع الطريق ؛ وهو الذي شهر السلاح ، وأخاف السبيل في البلد أو في الصحراء ، إذا قتل النفس وأخذ المال ما ذكره ابن عباس [ ص: 464 ] في تفسير الآية ، وهو ما قرأته على محمد بن ذاكر بن محمد المستملي ، أخبرك الحسن بن أحمد ، أخبرك محمد بن أحمد ، أخبرك علي بن عمر ، حدثنا محمد بن إسماعيل الفارسي ، حدثنا إسحاق بن إبراهيم ، حدثنا عبد الرزاق بن همام ، عن داود ، عن عكرمة ، عن ابن عباس - رضي الله عنه - قال : نزلت هذه الآية في المحارب ( إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ) إذا عدا ؛ فقطع الطريق وقتل وأخذ المال صلب ، فإن قتل ولم يأخذ مالا قتل ، وإن أخذ المال ولم يقتل قطع من خلاف ، فإن هرب وأعجزهم فذلك نفيه .

ثم عدنا إلى حديث أنس فوجدناه يشتمل على ما ذكره ابن عباس ، وزيادة أنواع في العقوبة ؛ نحو : سمول العين ، ومنع الماء ، والإلقاء في الشمس ، وفي بعض الروايات الإحراق ، إلى غير ذلك من أنواع المثلة ، فأما سمول العين فقد قال أنس : إنما سمل أعينهم لأنهم سملوا أعين الرعاء .

ذكر إبراهيم بن عبد الرحمن القزويني ، أخبرنا محمد بن الفضل الطبري ، قال : حدثت عن غيلان بن سلمة قال : حدثنا يزيد بن زريع ، عن سليمان التيمي ، عن أنس بن مالك قال : إنما سمل النبي - صلى الله عليه وسلم - أعين العرنيين لأنهم سملوا أعين الرعاء ؛ رعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - وأما ما سوى ذلك من أنواع المثلة فذهبت جماعة إلى أنها أحكام كانت ثابتة في أول الأمر ، ثم نسخت ؛ لما نزل قوله تعالى : ( إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ) .

وأخبرنا أبو الوقت حضورا ، وأجازه لنا ، أخبرنا عبد الرحمن بن محمد ، أخبرنا عبد الله بن أحمد ، أخبرنا محمد بن يوسف ، أخبرنا محمد بن إسماعيل ، أخبرنا موسى بن إسماعيل ، حدثنا همام ، عن قتادة ، عن أنس ؛ أن أناسا اجتووا المدينة فأمرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يلحقوا براعيه ، يعني في الإبل ، فيشربوا من ألبانها وأبوالها ، فلحقوا براعيه وشربوا من ألبانها [ ص: 465 ] وأبوالها حتى صلحت أبدانهم ، فقتلوا الراعي ، وساقوا الإبل ، فبلغ ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - فبعث في طلبهم ، فجيء بهم فقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم .

قال قتادة : فحدثني محمد بن سيرين أن ذلك كان قبل أن تنزل الحدود .

أخبرني أبو العلاء محمد بن جعفر ، عن أبي الفتح بن محمد بن أحمد ، أخبرنا أبو أحمد الهيثم بن محمد بن عبد الله الخراط ، أخبرنا محمد بن أحمد بن عبد الوهاب ، أخبرنا الحسن بن هارون ، أخبرنا محمد بن إسحاق المسيبي ، أخبرنا محمد بن فليح ، حدثنا موسى بن عقبة قال ابن شهاب : قدم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نفر من عرينة ، كانوا مجهودين مضرورين ، قد كادوا يهلكون ، فأنزلهم عنده ، وسألوه أن ينحيهم من المدينة ، فأخرجهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى لقاح له بفيف الخبار وراء الحمى ، فيها مولى لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أهل اليمن يدعى يسارا ، فقتلوه ، ثم مثلوا به ، واستاقوا لقاح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فبعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في آثارهم فأدركوا ، فأمر بهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقطعت أيديهم وأرجلهم ، وسمل أعينهم ، وأمير الخيل يومئذ معبد بن زيد .

ويحدث هذا الحديث كما زعموا أنس بن مالك ، وذكروا - والله أعلم - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى بعد ذلك عن المثلة بالآية التي في سورة المائدة : ( إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ) والآية التي بعدها .

وذكر إبراهيم بن عبد الرحمن ، أخبرنا محمد بن الفضل الطبري ، حدثنا محمد بن بشار ، حدثنا زيد بن حباب ، حدثنا موسى بن عبيدة الربذي ، أخبرني محمد بن إبراهيم التيمي ، عن جرير بن عبد الله البجلي أن نفرا من عرينة بجيلة قدموا المدينة فاجتووها فأمرهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يلحقوا باللقاح فيشربوا من أبوالها وألبانها ففعلوا ، فسمنوا وأربعوا ، فقتلوا الرعاة ، واستاقوا الإبل إلى بلادهم ، قال جرير : فبعثني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في نفر فأدركتهم ، فجئنا بهم إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقطع أيديهم وأرجلهم ، [ ص: 466 ] وسمل أعينهم ، فجعلوا يقولون : الماء . وجعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : النار . حتى ماتوا ، فكره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سمل الأعين ؛ فأنزل الله - عز وجل - فيهم هذه الآية : إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ، الآية .

وقال محمد بن الفضل ، حدثنا محمد بن بشار ، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ، عن همام ، عن يحيى عن قتادة ، عن ابن سيرين ، قال : كان شأن العرنيين قبل أن تبين الحدود التي أنزل الله - عز وجل - في المائدة من شأن المحاربين أن يقتلوا أو يصلبوا فكان شأن العرنيين منسوخا بالآية التي يصف فيها إقامة حدودهم .

وأخبرنا محمد بن إبراهيم الفارسي ، أخبرنا يحيى بن عبد الوهاب ، أخبرنا محمد بن أحمد الكاتب ، أخبرنا عبد الله بن محمد ، حدثنا إسحاق بن أحمد ، حدثنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق ، سمعت أبي يقول : حدثنا حمزة ، عن عبد الكريم ، وسئل عن أبوال الإبل فقال : حدثني سعيد بن جبير عن المحاربين ، فقال : كان ناس أتوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالوا : نبايعك على الإسلام . فبايعوه وهم كذبة ، وليس الإسلام يريدون ، ثم قالوا : إنا نجتوي المدينة . فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : هذا اللقاح يغدو عليكم ويروح ، فاشربوا من ألبانها وأبوالها ، فبينما هم كذلك إذ جاء الصريخ يصرخ إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأن قتلوا الراعي وساقوا الإبل ، فأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنودي في الناس : يا خيل الله اركبي ، فركبوا لا ينتظر فارس فارسا ، وركب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أثرهم ، فلم يزالوا يطلبونهم حتى أدخلوهم مأمنهم ، ونفوهم من أرض المسلمين ، وقتل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منهم ، وصلب ، وقطع ، وسمل الأعين ، قال : فما مثل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل ولا بعد ، ونهى عن المثلة ، وقال : لا تمثلوا بشيء .

قال وكان أنس بن مالك - رضي الله عنه - يقول نحو ذلك ، غير أنه قال : أحرقهم بالنار بعد ما قتلهم ، وقال بعضهم : هم ناس من بني سليم وناس من بني بجيلة وبني عرينة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث