الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب جلد المحصن قبل الرجم والاختلاف فيه

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 472 ] باب جلد المحصن قبل الرجم والاختلاف فيه

الجلد والتغريب للبكر والرجم للثيب - طريق أخرى عن عبادة - جلد علي ثم رجم - اختلفوا في ذلك - رأي لطائفة - رأي من خالفهم - حديث عن جابر يدل على النسخ - وآخر عن ابن عباس - قول الشافعي .

أخبرنا أبو زرعة طاهر بن محمد بن طاهر ، أخبرنا مكي بن منصور ، أخبرنا أحمد بن الحسن ، أخبرنا محمد بن يعقوب ، أخبرنا الربيع ، أخبرنا الشافعي ، حدثنا الثقة من أهل العلم ، عن يونس بن عبيد ، عن الحسن ، عن حطان هو ابن عبد الله الرقاشي ، عن عبادة بن الصامت ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : خذوا عني ؛ قد جعل الله لهن سبيلا : البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام ، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم .

وأخبرنا أبو العلاء الحافظ ، أخبرنا جعفر بن عبد الواحد ، أخبرنا محمد بن عبد الله الضبي ، أخبرنا سليمان بن أحمد ، حدثنا محمد بن علي الصايغ ، حدثنا سعيد بن منصور ، حدثنا هشيم ، عن منصور بن زاذان ، عن الحسن ، عن حطان بن عبد الله ، عن عبادة بن الصامت ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : خذوا عني ؛ قد جعل الله لهن سبيلا : الثيب بالثيب جلد مائة والرجم ، والبكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة .

[ ص: 473 ] هذا حديث صحيح ثابت له طرق مخرجة في كتب الصحاح .

أخبرني أبو الفضل الأديب ، أخبرنا أبو منصور سعد بن علي ، أخبرنا القاضي أبو الطيب ، أخبرنا علي بن عمر ، حدثنا أبو عمر القاضي ، حدثنا عبيد الله بن جرير بن جبلة ، حدثنا محمد بن كثير ، حدثنا سليمان بن كثير ، عن حصين ، عن الشعبي ، قال : أتي علي - رضي الله عنه - بمولاة سعيد بن قيس الهمداني فجلدها ، ثم رجمها ، وقال : جلدتها بكتاب الله عز وجل ، ورجمتها بسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

وقال أبو عمر القاضي ، حدثنا محمد بن إسحاق ، حدثنا أبو الجواب ، حدثنا عمار بن زريق ، عن أبي حصين ، عن الشعبي قال : أتي علي رضي الله عنه بشراحة الهمدانية قد فجرت ، فردها حتى ولدت ، فلما ولدت قال : ائتوني بأقرب النساء منها ، فأعطاها ولدها ، ثم جلدها ورجمها ، وقال : جلدتها بكتاب الله ، ورجمتها بسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -

لم يثبت أئمة الحديث سماع الشعبي من علي ، والاعتماد على حديث عبادة ، وقد اختلف أهل العلم في هذا الباب :

فذهب طائفة إلى أن المحصن الزاني يجلد مائة جلدة ثم يرجم ؛ عملا بحديث عبادة ، ورأوه محكما ، وممن قال به : أحمد بن حنبل ، وإسحاق ابن راهويه ، وداود بن علي الظاهري ، وأبو بكر بن المنذر من أصحاب الشافعي .

وخالفهم في ذلك أكثر أهل العلم ، وقالوا : بل يرجم ولا يجلد ، وروي ذلك عن عمر بن الخطاب ، وإليه ذهب إبراهيم النخعي والزهري ، ومالك ، وأهل المدينة ، والأوزاعي ، وأهل الشام ، وسفيان ، وأبو حنيفة ، [ ص: 474 ] وأهل الكوفة ، والشافعي وأصحابه ، ما عدا ابن المنذر ، ورأوا حديث عبادة منسوخا ، وتمسكوا في ذلك بأحاديث تدل على النسخ ونحن نورد بعضها .

أخبرني أبو الفضل الأديب ، أخبرنا سعد بن علي ، أخبرنا القاضي أبو الطيب ، أخبرنا علي بن عمر ، حدثنا عبد الله بن الهيثم بن خالد ، حدثنا أحمد بن منصور ، حدثنا عبد الرزاق ، أخبرنا معمر ، عن الزهري ، عن أبي سلمة ، عن جابر بن عبد الله : أن رجلا من أسلم جاء إلى نبي الله فاعترف بالزنا ، فأعرض عنه النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى شهد على نفسه أربع مرات ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : أبك جنون ؟ قال : لا . قال : أحصنت ؟ قال : نعم . فأمر به النبي - صلى الله عليه وسلم - فرجم بالمصلى ، فلما أذلقته الحجارة فر ، فأدرك فرجم حتى مات ، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - خيرا ، ولم يصل عليه .

وقال الدارقطني : حدثنا علي بن عبد الله بن بشر ، حدثنا أحمد بن سنان ، حدثنا يزيد بن هارون ، حدثنا جرير بن حازم ، عن يعلى بن حكيم ، عن عكرمة ، عن ابن عباس : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لماعز بن مالك حين أتاه فأقر عنده بالزنا قال : لعلك قبلت ، أو غمزت ، أو نظرت ؟ قال : لا . فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أفعلت كذا وكذا ؟ لا يكني ، قال : نعم . فعند ذلك أمر برجمه .

وقد روى حديث ماعز نفر من أحداث الصحابة ؛ نحو : سهل بن سعد ، وابن عباس ، وغيرهما ، ورواه أيضا نفر تأخر إسلامهم ، وحديث عبادة كان في أول الأمر ، وبين الزمانين مدة .

[ ص: 475 ] أخبرنا روح بن بدر ، وقرأته عليه ، أخبرك أبو الفتح الحداد في كتابه ، عن محمد بن موسى الصيرفي ، أخبرنا الأصم ، أخبرنا الربيع ، أخبرنا الشافعي ، قال : فدلت سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أن جلد المائة ثابت على البكرين الحرين ، ومنسوخ على الثيبين ، وأن الرجم ثابت على الثيبين الحرين ؛ لأن قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : خذوا عني ؛ قد جعل الله لهن سبيلا : البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام ، والثيب بالثيب جلد مائة .

والرجم أول ما نزل ، فنسخ به الحبس والأذى عن الزانيين ، فلما رجم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ماعزا ولم يجلده ، وأمر أنيسا أن يغدو على امرأة الأسلمي ، فإن اعترفت رجمها ، دل على نسخ جلد الزانيين الحرين الثيبين ، وثبت الرجم عليهما ؛ لأن كل شيء أبدا بعد أول فهو آخر .

وقال الشافعي أيضا في موضع آخر : ولم يكن بين الأحرار في الزنا فرق إلا بالإحصان بالنكاح ، وخلاف الإحصان به ، وإذا كان قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : قد جعل الله لهن سبيلا : البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام ففي هذا دلالة على أنه أول ما نسخ الحبس عن الزانيين وحدا بعد الحبس ، وإن كل حد حده الزانيان فلا يكون إلا بعد هذا ، إذا كان هذا أول حد الزانيين .

قال الشافعي : أخبرنا مالك ، عن الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ، عن أبي هريرة ، عن زيد بن خالد الجهني ، أنهما أخبراه : أن رجلين اختصما إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال أحدهما : يا رسول الله ، اقض بيننا بكتاب الله ، وقال الآخر - وهو أفقههما - : أجل يا رسول الله ، اقض بيننا بكتاب الله وائذن لي أن أتكلم . قال : تكلم . قال : إن ابني كان عسيفا على هذا ، فزنا بامرأته ، فأخبرت أن على ابني الرجم ، فافتديت منه بمائة شاة وبجارية لي ، ثم إني سألت أهل العلم فأخبروني أن على ابني جلد مائة وتغريب عام ، وإنما الرجم على امرأته . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : والذي نفسي بيده ، لأقضين بينكما بكتاب الله ؛ أما غنمك وجاريتك فرد [ ص: 476 ] إليك . وجلد ابنه مائة وغربه عاما ، وأمر أنيسا الأسلمي أن يأتي امرأة الآخر فإن اعترفت رجمها ، فاعترفت فرجمها .

قال الشافعي : وأخبرنا مالك ، عن نافع ، عن ابن عمر : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رجم يهوديين زنيا .

قال الشافعي : فثبت جلد مائة والنفي على البكرين الزانيين ، والرجم على الثيبين الزانيين ، فإن كانا ممن أريدا بالجلد فقد نسخ عنهما الجلد مع الرجم ، وإن لم يكونا أريدا بالجلد وأريد به البكران فهما مخالفان للثيبين ، ورجم الثيبين بعد آية الجلد بما روى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الله - عز وجل - وهذا أشبه بمعانيه أولاهما به عندنا ، والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث