الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

النظر الثاني في شرطها

جزء التالي صفحة
السابق

فرع ،

قال ابن يونس : موت الواهب يبطل الهبة للأجنبي ; لأنه أراد إخراج وصيته من رأس ماله وإخراج حق الورثة منها ، قال ابن القاسم كل صدقة ، أو حبس أو [ ص: 232 ] نحلة أو عمرى أو هبة لغير ثواب بموت المعطي أو بفلس أو بمرض قبل الحوز تبطل ، إلا أن يصح فتحاز عنه بعد ذلك ، فإن أراد القبض في المرض فعن مالك يمنع لتعلق حق الوارث ، ولأثر الصديق - رضي الله عنه - ، وقال أشهب : يقضى له الآن بثلثها ; لأن أقل الأحوال أن تكون تبرعا فإن صح فله الباقي ، ولا أرى قول من قال بحوزها كلها من الثلث ، قال محمد : وأظن جوابه محمول على ما إذا لم يترك غيرها ، ولذلك قال : ثلثها ، قال عبد الملك : وإذا استدان وأحاط بماله وبالصدقة فالدين أولى ، وقال أصبغ : الصدقة أولى من الدين المستحدث بعدها كتقدم العتق على الدين والفرق أنه خير بخلافها وإذا مات الموهوب فورثته مقامه ، وفي الجواهر إذا مات الواهب والطالب يجد في الطلب غير تارك لسعيه في طلب البينة فهو حوز عند ابن القاسم ، وقال عبد الملك ليس بحوز وتبطل ، وإن جن الواهب بطلت إن اتصل جنونه بالموت وإلا فلا ، قال صاحب المنتقى : إذا اجتهد في طلب الآبق فلم يجده إلا بعد موت الواهب نفذ ; لأنه لم يكن بيد المعطي ، والإشهاد والطلب كاف كالدين - قاله عبد الملك ، وإحاطة الدين بالمال تمنع الهبة - ولو حيزت لتعلق حق الغرماء بما في يديه وجوزه ( ش ) لكونه يتصرف في ملكه .

فرع

ففي الكتاب : قلت له ادفع لفلان مائة صلة مني فمات الآمر قبل دفع المأمور ، أو بعثت بهدية فمت قبل وصولها ، فإن كنت أشهدت في الصورتين نفذتا وإلا فلا ، وكذلك أن تصدقت بدين لك ، ولو سقت صداقا فمت قبل قبض المرأة فهو لازم ، وقال غيره إذا مت قبل وصول المائة فلا شيء للمعطي وكل معروف إذا أشهدت به لزمك عند مالك ، قال ابن يونس : وكذلك إن [ ص: 233 ] وهبت فبعثت الهبة للموهوب برضاه قبل أن يقبضها ثم مت صحت الهبة لتعلق حق المشتري بها .

فرع : ،

قال ابن يونس : لا تفيد حيازة الأخ ولا أحد غير الموهوب إلا في أربع صور : الرجل يتصدق بالثوب في السفر ، والحاج يشتري لأهله أشياء ويشهد على ذلك ثم يموت ولا يكفي الذكر دون الإشهاد ، والحبس الذي لا غلة له كالسلاح إذا أخرجه مرة فيما جعل فيه ثم رجع إلى يده فهو نافذ ، والدار يتصدق بها فيحوزونها نحو سنة ثم يكتريها فيسكنها فيموت فيها تنفذ من رأس ماله ، فأما على من لم يولد بعد ، أو على أصاغر فلا ، وإن حاز هو أو غيره حتى يكبر الأصاغر ويحوزوا نحو سنة ثم يكتريها فيموت فيها فتنفذ وإن كره له ذلك ; لأنه رجوع في الصدقة ؛ قال هذا كله مالك وأصحابه لا يختلفون فيه ، قال اللخمي : قال مالك : إذا أشهد أن هذه الضحايا لأهله ثم مات قبل الذبح فهي من رأس ماله ، وإن لم يشهد فهي ميراث ، ومن بعث بهدايا أو صلة لرجل ثم مات الباعث والمبعوث له قبل وصولها رجعت إلى الباعث ، أو ورثته إلا أن يشهد على إنفاذها فتنفذ وإن مات ، وقال عبد الملك : إن قبضها رسالة فلا شيء للمعطى مات ، أو مات المعطي وذلك حيازة للغائب ، وإن تصدق على غائب وجعلها على يد غيره ، ثم مات فإن قال له لا تعطه إياها حتى آمرك بطلت ، أو قال حتى أموت فهي من الثلث ، وإن قال أوصلها إليه وأشهد له بها ، أو قال خذها له فمن رأس المال ، وإن لم يقل خذها فعلى الخلاف المتقدم ، وإن علم المتصدق عليه فقال : اتركها لي عندك فمن رأس المال ; لأنه قبض وإيداع وسكت عن دفعها وحبسها ففي إمضائها قولان له ورجع إلى أنها ساقطة ، وفي الكتاب : إذا اشتريت هدية لأهلك في سفرك من كسوة وغيرها ومت قبل الوصول فهي لمن [ ص: 234 ] اشتريت - إن أشهدت وإلا فميراث ، قال ابن يونس : قال ابن القاسم : إنما هذا إذا اشتراه لصغار ولده وأبكار بناته ; لأنه يحوز لهم ، وقيل إذا أشهد على المال واشترى به الهدايا تمت ; لأنه نقل عن المال الذي وهبه ، وإن أشهد على الهدية فلا بد من الخروج عن يده إلى غيره ، قال : وليس بشيء بل يكفي الإشهاد ; لأن المسافر معذور فيكون حوزه حوزه الإشهاد الإشهاد كما كان حوز الرقاب حوز المنافع والثمار للضرورة ، ولو طلب المرسل استرجاع الصدقة من الرسول فليس له ذلك ، قال ابن القاسم : ولا يكفي مشتري الهدية في الحج : هذا لابني وهذا لابنتي حتى يشهد : ولا يكفي سماع ذلك حتى يظهر عزمه بذلك بالإشهاد ، قال صاحب التنبيهات : مسألة ما يشتريه في الحج لأهله المراد به الزوجات والبنون وغيرهم ؛ كبارا كانوا أو صغارا .

تنبيه : في كتاب محمد وهو يبطل ما روي عن ابن القاسم من أنهم صغار ولده وإلا لم يختص ذلك بحج ولا سفر ، ولا معنى لقول بعضهم أن معناه أنه وهب العين واشترى بها ; لأن الشراء يقوم مقام الحوز ، بل العلة في ذلك كله عدم التفريط في الحوز فتكون هذه الصور ثمانية تنفذ بها العطية ، وإن لم يقبضها المعطى .

فرع : ،

قال ابن يونس : إذا أضاف الآخذ المعطى ، أو أخفى عنده في دار الهبة فلا يضر ذلك ; لأنها في حوز الآخذ ، قال عبد الملك : إذا حازها المعطي حتى مات بطلت العطية وحيازة الآخذ المتقدمة ، وإن طالت لا تفيد كتابة الآخذ كتابا أنه أسكنه إياها بأجرة ، وقال ابن القاسم : إذا حازها الآخذ سنة لا يضر حوز [ ص: 235 ] المعطى المعطي بعد ذلك .

نظائر : قال أبو عمران : السنة معتبرة في أربع عشرة مسألة مسألة : حوز الهبة بخلاف الرهن ، وتعريف اللقطة ، والعبد الآبق يحبس سنة ثم يباع ، والمجنون يستتم له سنة ، والمعترض ، والعهدة الكبرى في الرقيق ، وعدة المستحاضة ، والمرتابة ، والمريضة ، والشفعة على رأي أشهب وابن القاسم يزيد الشهرين ، واليتيمة تمكث بعد الدخول سنة ثم يختبر رشدها ، والجرح لا يحكم فيه إلا بعد سنة ، والبرء لتمضي عليه الفصول كالمعترض ، وإذا شهد عليه شاهد بالطلاق فلم يحلف يحبس سنة ، والموصى بعتقه فيمتنع أهله من بيعه ينتظر سنة فإن باعوه عتق بالوصية .

فرع : ،

قال ابن يونس : قال ابن القاسم : يكفي في حوز الدار دفع المفتاح والبراءة منها إذا كانت حاضرة بالبلد .

فرع

في الكتاب : إذا باع المتصدق الدار قبل الحوز وقد كان علم الآخر بالصدقة فلم يقبض حتى بيعت تم البيع والثمن للمتصدق عليه ; لأنه رضي بالبيع ، وإن لم يعلم فله نقض البيع في حياة الواهب وأخذها ، فإن مات الواهب قبل القبض بطلت العطية ببيعه ، أو لم يبع ، وقال أشهب إذا خرجت من ملك المعطي بوجه ما ، أو حيزت عليه فليس للمعطى له شيء ، وكل صدقة أو هبة أو حبس أو عطية بتلها مريض لرجل بعينه أو لمساكين فلم تخرج من يده حتى مات فهي في ثلثه كوصاياه ، وحكم ذلك وحكم العتق الإيقاف ليصح فيتم ، أو يموت يموت فتكون من الثلث ولا يتم فيه قبض للقابض في المرض لتعلق حق الوارث وليس لقابضه [ ص: 236 ] أكل غلته ، ولا رجوع للمريض فيه ; لأنه بتله ، بخلاف الوصية ، ولا يتعجل الموهوب قبضه إلا على أحد قولي مالك في المريض له مال مأمون فينفذ ما بتل من عتق وغيره ; لأنه يؤمن يؤمن قصوره قصوره عن الثلث ، قال ابن يونس : قال ابن القاسم : وإن أعتق العبد معطيه قبل الحوز بطلت الهبة والصدقة والإخدام حياته - علم الآخذ بالعطية أم لا - ، وكذلك لو أحبل الأمة وتردد قوله في أخذ قيمتها ; لأن هذه أسباب تامة ، والهبة قبل الحوز ضعيفة ، ولو قتل العبد أجنبي فالقيمة للموهوب ; لأنها تقوم مقام العين ولذلك سميت قيمة ، وقال أصبغ : لا ترد الكتابة ولا التدبير ولا العتق إلى أجل ولا شيء شيء للمعطي لقوة هذه الأمور وضعف الهبة قبل الحوز فيتقدم الأقوى ، وإن عجز المكاتب المكاتب فكذلك ، قال ابن وهب : يرد العتق وعليه القيمة في الإبلاد إن قصد إبطال الصدقة الصدقة ; لأنه ممنوع من إبطالها ولو وهبه لآخر ، أو تصدق به فالأول أحق بسبقه ، ولو حازه الآخر ما لم يمت الواهب ، وقال أشهب : الثاني أحق لضعف سبب الأول بعدم الحوز ، وقال ابن القاسم : إذا علم الأول فلا شيء له إذا حازه الآخر ; لأنه مفرط وإلا فهو أحق لسبقه ما لم يمت الواهب ، وفي الجواهر إذا علم الموهوب فلم يقبض حتى باعها الواهب نفذ البيع والثمن للموهوب ، وإن لم يعلم رد البيع إلا أن يموت الواهب قبل العلم بعد البيع ، وعن ابن القاسم يرد يرد الموهوب للموهوب له ولو رهنها ثم مات ثبت الرهن وبطلت عند ابن القاسم ، ولو باعها الموهوب فلم يقبضها المشتري حتى مات الواهب ، روى ابن حبيب : إن البيع حيازة ، وقال أصبغ : ليس البيع بحيازة ولا غيره إلا العتق العتق وحده ولو وهبها الموهوب ثم مات ، قال مالك : لا تكون الهبة حوزا لاحتياجها للحيازة .

فرع

تصدقت على ولدك الصغير بدين ثم اقتضيته صح حوزا ؛ قاله مالك ، [ ص: 237 ] بخلاف الدنانير تتصدق بها عليه وتبقى تحت يدك يدك ، والفرق أن الدين قد حيز مدة حيازة تامة قبل قبضك ، كما لو جعلت الدنانير تحت يد غيرك ثم حدث لك موت أو سفر فتقبضها أنت لأجل السفر فذلك حوز ، ولو تصدقت بالدين على أجنبي فقبضته فإن علم الغريم بالصدقة قبل الدفع ضمن المعطي وإلا رجع المعطى على المعطي .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث