الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

حديث أبي هريرة في خروج النبي إلى المقبرة

جزء التالي صفحة
السابق

60 51 - مالك ، عن العلاء بن عبد الرحمن ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ؛ أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرج إلى المقبرة ، فقال : " السلام عليكم دار قوم مؤمنين ، وإنا ، إن شاء الله بكم لاحقون ، وددت أني قد رأيت إخواننا " فقالوا : يا رسول الله ! ألسنا بإخوانك ؟ قال : " بل أنتم أصحابي . وإخواننا الذين لم يأتوا بعد . وأنا فرطهم على الحوض " فقالوا : يا رسول الله ! كيف تعرف من يأتي بعدك من أمتك ؟ قال : " أرأيت لو كان لرجل خيل غر محجلة ، في [ ص: 160 ] خيل دهم بهم ، ألا يعرف خيله ؟ " قالوا : بلى ، يا رسول الله ! قال : " فإنهم يأتون يوم القيامة ، غرا محجلين ، من الوضوء . وأنا فرطهم على الحوض . فلا يذادن رجال عن حوضي ، كما يذاد البعير الضال ، أناديهم : ألا هلم ! ألا هلم ! ألا هلم ! فيقال : إنهم بدلوا بعدك . فأقول : فسحقا . فسحقا . فسحقا " .

التالي السابق


1837 - في هذا الحديث من الفقه إباحة الخروج إلى المقابر ، وزيارة القبور . وهذا مجتمع عليه للرجال ، مختلف فيه للنساء .

[ ص: 161 ] 1838 - وقد ثبت عن النبي - عليه السلام - أنه قال : " نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها ، ولا تقولوا هجرا ، فإنها تذكر الآخرة " .

1839 - وزار - عليه السلام - قبر أمه يوم الفتح في ألف مقنع .

[ ص: 162 ] 1840 - وزارت عائشة قبر أخيها عبد الرحمن .

1841 - وزار ابن عمر قبر أخيه عاصم .

1842 - ولا خلاف في إباحة زيارة القبور للرجال ، وكراهيتها للنساء .

1843 - واحتج بحديث ابن عباس قال : " لعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - زوارات القبور ، والمتخذين عليها المساجد والسرج " .

1844 - وروي عن أبي هريرة مثله .

[ ص: 162 ] 1845 - وقد ذكرنا الآثار بأسانيدها في " التمهيد " عند قوله - عليه السلام - " كنت نهيتكم عن زيارة القبور " .

1846 - وسيأتي ذلك وكشف معناه في موضعه من هذا الكتاب ، إن شاء الله .

1847 - وأما قوله - عليه السلام - : " السلام عليكم " فقد روي ذلك من وجوه عنه عليه السلام : " أنه كان إذا مر على القبور قال : السلام عليكم دار قوم مؤمنين ، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون . غفر الله العظيم لنا ولكم " .

1848 - وفي بعضها : " السلام عليكم دار قوم مؤمنين ، أنتم لنا فرط ، وإنا بكم لاحقون . اللهم لا تحرمنا أجورهم ولا تفتنا بعدهم " .

1849 - وقد ذكرنا الآثار بذلك في " التمهيد " .

1850 - وقد أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - البقيع فسلم على الموتى ، ودعا لهم .

1851 - وقال صخر بن أبي سمية : رأيت عبد الله بن عمر قدم من سفر ، فقام على باب عائشة فقال : السلام عليك يا رسول الله . السلام عليك يا أبا بكر . السلام عليك يا أبه .

[ ص: 164 ] 1852 - وقال أبو هريرة : من دخل المقابر واستغفر لأهل القبور وترحم عليهم كان كمن شهد جنائزهم .

1853 - وقال الحسن : من دخل المقابر فقال : اللهم رب الأجساد البالية والعظام النخرة خرجت من الدنيا وهي بك مؤمنة ، فأدخل عليها روحا منك ، وسلاما مني كتب له بعددهم حسنات .

1854 - وأظن قوله : وسلاما مني مأخوذ من قوله - عليه السلام - : " السلام عليكم " .

1855 - وروي عن علي أنه أشرف على المقبرة فقال : يا أهل القبور ! أخبرونا عنا بخبركم . أما خبركم قبلنا فالنساء قد تزوجن ، والمال قد قسم ، والمساكن قد سكنها قوم غيركم . ثم قال : أما والله لو نطقوا لقالوا : لم نر زادا خيرا من التقوى .

1856 - وجاء عن عمر - رحمه الله - أنه مر على بقيع الغرقد فقال : السلام عليكم يا أهل القبور . أخبار ما عندنا أن نساءكم قد تزوجن ، ودوركم قد سكنت ، وأموالكم قد قسمت ، فأجابه هاتف يا عمر بن الخطاب ! أخبار ما عندنا أن ما قدمنا وجدنا ، وما أنفقنا فقد ربحنا ، وما خلفنا فقد خسرناه .

1857 - وهذا من عمر وعلي على سبيل الاعتبار ، وما يذكر إلا أولو الألباب .

[ ص: 165 ] 1858 - أخبرنا أبو عبد الله عبيد بن محمد قراءة مني عليه سنة تسعين وثلاثمائة في ربيع الأول قال : أملت علينا فاطمة بنت الريان المستملي في دارها بمصر في شوال سنة اثنتين وأربعين وثلاثمائة ، قالت : حدثنا الربيع بن سليمان المؤذن صاحب الشافعي ، قال : حدثنا بشر بن بكير ، عن الأوزاعي ، عن عطاء ، عن عبيد بن عمير ، عن ابن عباس قال : قال رسول الله - صلى عليه وسلم - : " ما من أحد مر بقبر أخيه المؤمن كان يعرفه في الدنيا فسلم عليه إلا عرفه ورد عليه السلام " .

1859 - أخبرنا سعيد بن نصر ، قال حدثنا قاسم بن أصبغ ، قال حدثنا عبدة بن سليمان التيمي ، عن أبي عثمان النهدي ، عن مينا أو عن ميناس ، قال : خرج علينا رجل في يوم فيه دفء فأتى الجبان ، فصلى ركعتين ثم أتى قبرا فاتكأ عليه ، فسمع صوتا ارتفع عني لا تؤذيني أنتم تعملون ، ونحن نعلم ولا نعمل . لأن تكون لي مثل ركعتيك أحب إلي من الدنيا وما فيها .

1860 - وروينا عن ثابت البناني قال : بينما أنا بالمقابر إذا أنا بهاتف يهتف من ورائي يقول : يا ثابت لا يغرنك سكوتها ، فكم من مغموم فيها ، والتفت فلم أر أحدا .

1861 - وروى ابن أبي ذئب عن عامر بن سعد أنه كان إذا خرج إلى قبور الشهداء يقول : لأصحابه : ألا تسلمون على الشهداء فيردون عليكم ؟ .

1862 - وروى يوسف بن الماجشون عن محمد بن المنكدر أنه دخل على جابر بن عبد الله وهو يموت فقال : أقرئ رسول الله عني السلام .

1863 - وروى ابن وهب ، عن عطاء بن أبي خالد ، قال : حدثتني خالتي ، [ ص: 166 ] وكانت من العوابد ، وكانت كثيرا ما تركب إلى الشهداء ، قالت : صليت يوما على قبر حمزة بن عبد المطلب ، فلما قمت قلت : السلام عليكم ، فسمعت أذناي رد السلام يخرج من تحت الأرض ، أعرفه كما أعرف أن الله خلقني ، وما في الوادي داع ولا مجيب . قالت : فاقشعرت له كل شعرة مني .

1864 - وهذا المعنى في الأخبار كثير جدا ، وليس كتابنا هذا موضعا لإيرادها . وفيما ذكرنا منها دليل على المراد من الاعتبار بها ، والفكرة في المصير إليها .

1865 - وقد احتج بهذا الحديث في السلام على القبور من زعم أن الأرواح على أبنية القبور .

1866 - وكان ابن وضاح يذهب إلى هذا ، ويحتج بحكايات فيه عن نفسه وعمن قبله من العلماء ، قد ذكرتها في غير هذا الموضع .

1867 - وأما قوله - عليه السلام - : " وإنا إن شاء الله بكم لاحقون " ففي معناه قولان :

1868 - أحدهما أن الاستثناء مردود على معنى قوله : دار قوم مؤمنين أي وإنا إن شاء الله بكم لاحقون في حال الإيمان ؛ لأن الفتنة لا يأمنها مؤمن وعاقل .

1869 - ألا ترى قول إبراهيم : " واجنبني وبني أن نعبد الأصنام " [ إبراهيم : 35 ] .

[ ص: 167 ] 1870 - وقول يوسف : " توفني مسلما وألحقني بالصالحين " [ يوسف : 101 ] .

1871 - وكذلك كان نبينا - صلى الله عليه وسلم - يقول : " اللهم اقبضني إليك غير مفتون " .

1872 - والوجه الآخر أنه قد يكون الاستثناء في الواجبات التي لا بد من وقوعها ، ليس على سبيل الشك ، ولكنها لغة للعرب .

1873 - ألا ترى إلى قول الله عز وجل : " لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين " [ الفتح : 27 ] .

1874 - والشك لا سبيل إلى إضافته إلى الله تعالى عن ذلك علام الغيوب .

1875 - وقوله : " وددت أني قد رأيت إخواننا " ففيه دليل على أن أهل الدين والإيمان كلهم إخوة في دينهم .

1876 - قال الله تعالى : " إنما المؤمنون إخوة " [ الحجرات : 10 ] .

1877 - وقد قرئت : " فأصلحوا بين أخويكم " و ( بين إخوانكم ) .

[ ص: 168 ] فأما الأصحاب فمن صحبك وصحبته ، وجائز أن يسمى الشيخ صاحبا للتلميذ ، والتلميذ صاحبا للشيخ . والصاحب : القرين المماشي المصاحب وهؤلاء كلهم صحابة وأصحاب .

1879 - وأما قوله : إخواننا الذين لم يأتوا بعد ، فروى أبو عمرة الأنصاري عن النبي - عليه السلام - أنه قيل له : يا رسول الله ! أرأيت من آمن بك ولم يرك ، وصدقك ولم يرك ؟ فقال عليه السلام : أولئك إخواننا ، أولئك معنا ، طوبى لهم طوبى لهم " .

1880 - وروى أبو قتادة عن أنس ، عن أبي أمامة أن النبي - عليه السلام - قال : " طوبى لمن رآني فآمن بي ، وطوبى سبع مرات لمن لم يرني وآمن بي " .

1881 - وروى أبو سعيد الخدري عن النبي - عليه السلام - أنه قال : " أنتم أصحابي ، وإخواني الذين آمنوا بي ، ولم يروني " .

[ ص: 179 ] 1882 - ومن حديث أبي سعيد أيضا أن النبي - عليه السلام - قال : " إن أهل الجنة يتراءون أهل الغرف من فوقهم كما تتراءون الكوكب الدري في الأفق من المشرق والمغرب لتفاضل بينهم . قالوا : يا رسول الله ! تلك منازل الأنبياء . قال : بلى ، والذي نفسي بيده ورجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين " .

[ ص: 170 ] 1883 - وعن أبي هريرة عن النبي - عليه السلام - نحوه .

1884 - ومن حديث ابن أبي أوفى ، قال : خرج علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوما فقعد ، وجاءه عمر ، فقال : يا عمر ! إني لمشتاق إلى إخواني . قال عمر : ألسنا إخوانك يا رسول الله ؟ قال : لا ، ولكنكم أصحابي . وإخواني قوم آمنوا بي ولم يروني " .

1885 - وعن ابن عباس أنه قال لجلسائه يوما : أي الناس أعجب إيمانا ؟ قالوا : الملائكة . قال : وكيف لا تؤمن الملائكة والأمر فوقهم يرونه ؟ قالوا : الأنبياء . قال : وكيف لا يؤمن الأنبياء والأمر ينزل عليهم غدوة وعشية ؟ قالوا : فنحن . قال : وكيف لا تؤمنون وأنتم ترون من رسول الله ما ترون ؟ ثم قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " أعجب الناس إيمانا قوم يأتون من بعدي يؤمنون بي ولم يروني . أولئك إخواني حقا " .

1886 - وروى أبو صالح عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " من أشد أمتي حبا لي ناس يكونون بعدي ، يود أحدهم لو رآني بماله وأهله " .

[ ص: 171 ] 1887 - كذا رواه سهيل ، عن أبيه ، عن أبي هريرة وأخرجه مسلم .

1888 - وذكر ابن أبي شيبة ، عن أبي خالد الأحمر ، عن يحيى بن سعيد الأنصاري ، عن أبي صالح ، عن رجل من بني أسد ، عن أبي ذر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : " من أشد أمتي حبا لي قوم يأتون من بعدي يود أحدهم لو يعطي أهله وماله ، ويراني " .

1889 - وعن ابن عمر قال : كنت جالسا عند النبي - عليه السلام - فقال : " أتدرون أي الخلق أفضل إيمانا ؟ قلنا : الملائكة . قال : وحق لهم ، بل غيرهم قلنا : الأنبياء . قال : حق لهم بل غيرهم . قلنا : الشهداء . قال : هم كذلك ، وحق لهم بل غيرهم . ثم قال ، عليه السلام : أفضل الخلق إيمانا قوم في أصلاب الرجال ، يؤمنون بي ولم يروني ، ويجدون ورقا فيعملون بما فيه ، فهم أفضل الخلق إيمانا " .

1890 - وروي هذا من حديث عمر وهو أصح .

1891 - أخبرنا سهيل بن إبراهيم إجازة ، قال حدثنا محمد بن فطيس ، حدثنا يزيد بن سنان ، حدثنا أبو عامر العقدي ، حدثنا محمد بن مطرف ، عن زيد بن أسلم ، عن أبيه ، عن عمر ، فذكره بمعناه سواء .

[ ص: 172 ] 1892 - قال سفيان بن عيينة : تفسير هذا الحديث وما كان مثله في كتاب الله ، وهو قوله : " وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله " [ آل عمران 101 ] .

1893 - ومن حديث أبي جمعة ، وكانت له صحبة . قال : قلنا : يا رسول الله ! هل أحد خير منا ؟ قال ، قوم يجيئون من بعدكم ، فيجدون كتابا بين لوحين يؤمنون بما فيه ، ويؤمنون بي ولم يروني ، ويصدقون بما جئت به ويعملون به ، فهم خير منكم .

1894 - فقد أخبر - عليه السلام - أن في آخر أمته من هو خير من بعض من صحبه .

1895 - وهذا الحديث رواه حمزة بن ربيعة ، عن مرزوق ، عن نافع ، عن صالح بن جبير ، عن أبي جمعة ، وكلهم ثقات .

1896 - ومن حديث أبي عبد الرحمن الجهني ، قال : " بينا نحن عند - رسول الله - عليه السلام - إذ طلع راكبان ، فلما رآهما قال : كنديان مذحجيان حتى أتياه ، فإذا رجلان من مذحج ، فدنا أحدهما إليه ليبايعه . فلما أخذ بيده قال : يا رسول الله ! أرأيت من رآك فصدقك وآمن بك واتبعك ماذا له ؟ قال : طوبى له ، فمسح على يده وانصرف . ثم قام الآخر حتى أخذ بيده ليبايعه فقال : يا رسول الله ! أرأيت من آمن بك وصدقك واتبعك ولم يرك ؟ قال : طوبى له طوبى له . ثم مسح على يده وانصرف " .

[ ص: 173 ] 1897 - ومن حديث طلحة بن عبيد الله قال : خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى أشرفنا على حرة واقم وتدلينا منها ، فإذا قبور بمحنية فقلنا : " يا رسول الله ! هذه قبور إخواننا . فقال : هذه قبور أصحابنا . ثم مشينا حتى أتينا قبور الشهداء ، فقال رسول الله : هذه قبور إخواننا " .

1898 - وقد ذكرنا أسانيد هذه الأحاديث كلها وغيرها في معناها في كتاب التمهيد .

1899 - وهي أحاديث كلها حسان ، ورواتها معروفون وليست على عمومها .

1900 - كما أن قوله ، - عليه السلام - : " خير الناس قرني " ليس على العموم ، فهذه أحرى ألا تكون على العموم وبالله التوفيق .

[ ص: 174 ] 1901 - وقد قال - عليه السلام - في قبور الشهداء : " قبور إخواننا " ، ومعلوم أن الشهداء معه ، وهو شهيد عليهم لا يقاس بهم من سواهم .

1902 - إلا أن هذه الأحاديث وما كان مثلها نحو قوله - عليه السلام - : " أمتي كالمطر لا يدرى أوله خير أم آخره ؟ " .

1903 - وقوله - عليه السلام - : " خير الناس من طال عمره وحسن عمله " .

1904 - وقوله - عليه السلام - : " ليس أحد عند الله أفضل من مؤمن يعمر في الإسلام للتهليل والتسبيح والتكبير " .

1905 - يعارضها قوله - عليه السلام - : " خير الناس قرني ، ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم " .

1906 - وفي قوله تعالى : " والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار " [ التوبة : 100 ] .

1907 - وقوله : " والسابقون السابقون أولئك المقربون في جنات النعيم " [ الواقعة 10 - 12 ] الآية .

1908 - ثم قال : " وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين في سدر مخضود " [ الواقعة 27 ، 2 ؛ 8 ] الآية - ما فيه كفاية ، وهداية .

[ ص: 175 ] 1909 - وتهذيب آثار هذا الباب أن يحمل قوله : " قرني " - عليه الجملة فقرنه - عليه السلام - جملة خير من القرن الذي يليه .

1910 - وأما على الخصوص والتفضيل فعلى ما قال عمر في قوله : " كنتم خير أمة " [ آل عمران : 110 ] : إنما كانوا كذلك بما وصفهم الله ، " تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر " فمن فعل فعلهم فهو منهم .

1911 - وقد ذكر الله أحوال الناس في القيامة على ثلاثة أصناف أزواجا ثلاثة فأصحاب الميمنة ، وهم أصحاب اليمين " في سدر مخضود " الآية وأصحاب المشأمة ، وهم أصحاب الشمال في " سموم وحميم " [ الواقعة 42 ] . والسابقون السابقون " في جنات النعيم " الآية [ الواقعة : 12 ] فسوى بين أصحاب اليمين ، وبين السابقين .

1912 - والذي يصح عندي - والله أعلم - في قوله : " خير الناس قرني " أنه خرج على العموم ومعناه الخصوص بالدلائل الواضحة في أن قرنه - والله أعلم - فيه الكفار والفجار ، كما كان فيه الأخيار والأشرار . وكان فيه المنافقون والفساق والزناة والسراق ، كما كان فيه الصديقون والشهداء والفضلاء والعلماء ، فالمعنى على هذا كله عندنا : أن قوله - عليه السلام - : " خير الناس قرني " ، أي : خير الناس في قرني كما قال تعالى : " الحج أشهر معلومات " [ البقرة : 197 ] أي : في أشهر معلومات . فيكون خير الناس في قرنه أهل بدر والحديبية . ومن شهد لهم بالجنة خير الناس إن شاء الله .

1913 - ويعضد هذا التأويل قوله - عليه السلام - : " خير الناس من طال [ ص: 176 ] عمره وحسن عمله " عد من سبق له من الله الحسنى من أصحابه ، وبالله التوفيق .

1914 - وأما قوله : " وأنا فرطهم على الحوض " ، فالفرط : المتقدم الماشي من أمام إلى الماء .

1915 - هذا قول أبي عبيدة ، وغيره .

1916 - وقال ابن وهب : أنا فرطهم : أنا إمامهم وهم ورائي يتبعونني .

1917 - واستشهد أبو عبيدة وغيره على قوله هذا بقول الشاعر :

فأثار فارطهم غطاطا جثما أصواتها كتراطن الفرس

1918 - وقال القطامي :

فاستعجلونا وكانوا من صحابتنا     كما تعجل فراط لوراد

1919 - وقال لبيد :

فوردنا قبل فراط القطا     إن من وردي تغليس النهل

1920 - قال أبو عمر : الفارط هاهنا : السابق إلى الماء . والنهل : الشربة الأولى .

[ ص: 177 ] 1921 - وفي حديث أنس : أن النبي - عليه السلام - وضع ابنه إبراهيم وهو يجود بنفسه فقال : " لولا أنه موعد صدق ووعد جامع وأن الماضي فرط الباقي " ، وذكر الحديث .

1922 - وقال إبراهيم بن هرمة القرشي :

ذهب الذين أحبهم فرطا     وبقيت كالمغمور في خلف
من كل مطوي على حنق     متكلف يكفى لا يكفي

1923 - وقال غيره :

ومنهل وردته التقاطا     لم ألق إذ وردته فراطا
إلا القطا أوابدا غطاطا

1924 - الأوابد : الطير التي لا تبرح شتاء ولا صيفا من بلدانها ، والقواطع التي تقطع من بلد إلى بلد ، في زمن بعد زمن . والأوابد أيضا : الإبل إذا توحش منها شيء ، والأوابد أيضا : الدواهي . يقال منه : جاء فلان بآبدة .

1925 - وقال الخليل : الغطاط : طير يشبه القطا .

1926 - وروى عن النبي - عليه السلام - : أنه قال : " أنا فرطكم على الحوض " جماعة منهم ابن مسعود ، وجابر بن سمرة ، والصنابح بن الأعسر الأحمسي ، وجندب ، وسهل بن سعد .

[ ص: 178 ] 1927 - وأما قوله : " فليذادن " فمعناه : فليبعدن ، وليطردن .

1928 - وقال زهير :

ومن لا يذد عن حوضه بسلاحه     يهدم ومن لا يظلم الناس يظلم


1929 - وقال الراجز :

يا أخوي نهنها وذودا     إني أرى حوضكما مورودا

1930 - وأما رواية يحيى : " فلا يذادن " على النهي فقيل : إنه قد تابعه على ذلك ابن نافع ومطرف .

1931 - وقد خرج بعض شيوخنا معنى حسنا لرواية يحيى ومن تابعه : أن يكون على النهي ، أي : لا يفعل أحد فعلا يطرد به عن حوضي .

1932 - لكن قوله : " أناديهم ألا هلم " خبر لا يجوز عليه النسخ ولا بد أن يكون ، والله أعلم .

1933 - ومما يشبه رواية يحيى ويشهد له حديث سهل بن سعد عن النبي - عليه السلام - قال : " أنا فرطكم أعلى الحوض ، من ورد شرب ، ومن شرب لم يظمأ أبدا ، فلا يردن علي أقوام أعرفهم ويعرفوني ثم يحال بيني وبينهم " .

1934 - وهذا في معنى رواية يحيى ، وقد ذكرنا إسناد هذا الحديث في التمهيد .

[ ص: 179 ] 1935 - وأما قوله : " فإنهم يأتون يوم القيامة غرا محجلين من الوضوء " ففيه دليل على أن الأمم أتباع الأنبياء لا يتوضئون مثل وضوئنا على الوجه واليدين والرجلين ، لأن الغرة في الوجه ، والتحجيل في اليدين والرجلين .

1936 - هذا ما لا مدفع فيه على هذا الحديث ، إلا أن يتأول متأول أن وضوء سائر الأمم لا يكسبها غرة ولا تحجيلا ، وأن هذه الأمة بورك لها في وضوئها بما أعطيت من ذلك ، شرفا لها ولنبينا - عليه السلام - كسائر فضائلها على سائر الأمم ، كما فضل نبيها بالمقام المحمود وغيره على سائر الأنبياء ، والله أعلم .

1937 - وقد يجوز أن يكون الأنبياء يتوضئون فيكتسبون بذلك الغرة والتحجيل ، ولا يتوضأ أتباعهم ذلك الوضوء ، كما خص نبينا - عليه السلام - بأشياء دون أمته ، منها : نكاح ما فوق الأربع ، والموهوبة بغير صداق ، والوصال ، وغير ذلك .

[ ص: 180 ] 1938 - فيكون من فضائل هذه الأمة أن تشبه الأنبياء ، كما جاء عن موسى - عليه السلام - أنه قال : يا رب ! أجد أمة كلهم كالأنبياء فاجعلهم أمتي ، فقال : تلك أمة أحمد في حديث فيه طول .

1939 - وقد روى سالم بن عبد الله بن عمر ، عن كعب الأحبار أنه سمع رجلا يحدث أنه رأى في المنام أن الناس جمعوا للحساب ، ثم دعي الأنبياء مع كل نبي أمته ، وأنه رأى لكل نبي نورين يمشي بينهما ، ولمن اتبعه من أمته نور واحد يمشي به حتى دعي محمد - عليه السلام - ، فإذا شعر رأسه ووجهه نور كله يراه كل من نظر إليه ، وإذا لمن اتبعه من أمته نوران كنور الأنبياء . فقال كعب ، وهو لا يشعر أنها رؤيا : من حدثك بهذا الحديث ؟ وما علمك به ؟ فأخبره أنها رؤيا ، فناشده كعب الله الذي لا إله إلا هو : لقد رأيت ما تقول في منامك ؟ فقال : نعم ، والله لقد رأيت ذلك . فقال كعب : والذي نفسي بيده أو قال : والذي بعث محمدا بالحق إن هذه لصفة أحمد وأمته . وصفة الأنبياء في كتاب الله لكان ما قرأته في التوراة ، وإسناد هذا الخبر في التمهيد . وقد قيل : إن سائر الأمم كانوا يتوضئون ، والله أعلم .

1940 - وهذا لا أعرفه من وجه صحيح .

1941 - وأما قوله - عليه السلام - إذا توضأ ثلاثا ثلاثا : " هذا وضوئي ووضوء الأنبياء قبلي " فلم يأت من وجه ثابت ، ولا له إسناد يحتج به ، لأنه [ ص: 181 ] حديث يدور على زيد بن الحواري العمي والد عبد الرحيم بن زيد ، هو انفرد به ، وهو ضعيف جدا عند أهل العلم بالنقل .

[ ص: 182 ] 1942 - وقد اختلف عليه فيه أيضا ، فمرة يجعله من حديث أبي بن كعب ، ومرة يجعله من حديث ابن عمر .

1943 - وقد ذكرنا ذلك من طرق في التمهيد .

1944 - وهو أيضا منكر ؛ لأن فيه لما توضأ ثلاثا ثلاثا ، قال : " هذا وضوئي ووضوء خليل الله إبراهيم ووضوء الأنبياء قبلي " .

1945 - وقد توضأ - عليه السلام - مرة مرة ومرتين مرتين ، ومحال أن يقصر عن ثلاث لو كانت وضوء إبراهيم والأنبياء قبله ، وقد أمر أن يتبع ملة إبراهيم .

1946 - وقد روى عبد الله بن بسر عن النبي - عليه السلام - أنه قال : " أمتي يوم القيامة غر من السجود ، ومحجلون من الوضوء " .

1947 - ومن حديث أبي هريرة قال : قال رسول الله - عليه السلام - : " تردون علي غرا محجلين من الوضوء سيما أمتي ليس لأحد غيرها " .

1948 - ومن حديث أبي ذر ، وأبي الدرداء قالا : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إنه أول من يؤذن له في السجود يوم القيامة ، وأول من يؤذن له برفع رأسه ، فأنظر بين يدي فأعرف أمتي بين الأمم ، وأنظر عن يميني فأعرف أمتي بين الأمم [ ص: 183 ] وأنظر عن شمالي فأعرف أمتي بين الأمم . فقال رجل : يا رسول الله ! كيف تعرف أمتك من بين الأمم ما بين نوح إلى أمتك ؟ قال : غر محجلون من آثار الوضوء ولا يكون من الأمم كذلك أحد غيرهم " .

1949 - ومن حديث ابن مسعود أنهم قالوا : يا رسول الله ! كيف تعرف من لم تر من أمتك ؟ قال : " غر محجلون بلق من الوضوء " .

1950 - وقد ذكرنا أسانيد هذه الأحاديث في التمهيد .

1951 - وكلها تدل على صحة ما ذكرنا من أن هذه الأمة مخصوصة بالغرة والتحجيل من سائر الأمم والله أعلم .

1952 - وأما قوله " فسحقا " فمعناه : فبعدا ، والسحق والبعد ، والإسحاق والإبعاد ، والتسحيق والتبعيد سواء . وكذلك النأي والبعد لفظتان بمعنى واحد ، إلا أن سحقا وبعدا هكذا إنما يجيء بمعنى الدعاء على الإنسان ، كما نقول : أبعده الله ، وقاتله الله ، وسحقه الله ، ومحقه الله أيضا .

1953 - ومن هذا قوله تعالى : " في مكان سحيق " [ الحج : 31 ] يعني من مكان بعيد .

[ ص: 184 ] 1954 - وكل من أحدث في الدين ما لا يرضاه الله ولم يأذن به فهو من المطرودين عن الحوض والمبعدين ، والله أعلم .

1955 - وأشدهم طردا من خالف جماعة المسلمين وفارق سبيلهم ، مثل الخوارج على اختلاف فرقها ، والروافض على تباين ضلالها ، والمعتزلة على أصناف أهوائها ، وجميع أهل الزيغ والبدع ، فهؤلاء كلهم مبدلون .

1956 - وكذلك الظلمة المسرفون في الجور والظلم ، وتطميس الحق وقتل أهله وإذلالهم ، كلهم مبدل يظهر على يديه من تغيير سنن الإسلام أمر عظيم ، فالناس على دين الملوك .

1957 - ورحم الله ابن المبارك فإنه القائل : وهل بدل الدين إلا الملوك وأحبار سوء ورهبانها 1958 - وروي عن النبي - عليه السلام - أنه قال : " صنفان من أمتي إذا صلحا صلح الناس : الأمراء ، والعلماء " .

1959 - وروي عن إبراهيم النخعي أنه قال : من أراد الله فأخطأ أقل فسادا مما جاهر بترك الحق ، المعلنين بالكبائر ، المستخفين بها .

[ ص: 185 ] 1960 - كل هؤلاء يخاف عليهم أن يكونوا عنوا بهذا الخبر .

1961 - وقد قال ابن القاسم : قد يكون من غير أهل الأهواء من هو شر من أهل الأهواء ، وصدق ابن القاسم .

1962 - ولا يعتبر أعظم مما وصفنا عن أئمة الفسق والظلم ، ولكنه لا يخلد في النار إلا كافر جاحد ليس في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان . ويغفر الله لمن يشاء ، ويعذب من يشاء ، ولا يغفر أن يشرك به ، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء . والله المستعان .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث