الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

حديث الصنابحي إذا توضأ العبد المؤمن فتمضمض خرجت الخطايا من فيه

جزء التالي صفحة
السابق

62 53 - مالك ، عن زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار ، عن عبد الله الصنابحي ؛ أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " إذا توضأ العبد المؤمن ، [ ص: 190 ] فتمضمض ، خرجت الخطايا من فيه . وإذا استنثر خرجت الخطايا من أنفه . فإذا غسل وجهه خرجت الخطايا من وجهه . حتى تخرج من تحت أشفار عينيه . فإذا غسل يديه خرجت الخطايا من يديه . حتى تخرج من تحت أظفار يديه . فإذا مسح برأسه خرجت الخطايا من رأسه حتى تخرج من أذنيه . فإذا غسل رجليه خرجت الخطايا من رجليه . حتى تخرج من تحت أظفار رجليه " . قال : " ثم كان مشيه إلى المسجد ، وصلاته نافلة له " .

التالي السابق


1980 - قال أبو عيسى الترمذي : سألت محمد بن إسماعيل البخاري ، عن حديث مالك ، عن زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار ، عن عبد الله الصنابحي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " إذا توضأ العبد المؤمن فتمضمض خرجت الخطايا من فيه " . الحديث .

1981 - فقال لي : وهم مالك في قوله : عبد الله الصنابحي ، وإنما هو أبو عبد الله ، واسمه عبد الرحمن بن عسيلة ، ولم يسمع من النبي - عليه السلام - والحديث مرسل .

[ ص: 191 ] 1982 - قال أبو عمر : هو كما قال البخاري ، وقد بينا ذلك فيما مضى من هذا الكتاب بواضح من القول والحجة .

1983 - وقد روي حديث الصنابحي هذا مسندا من وجوه : من حديث عمرو بن عبسة ، وغيره . وقد ذكرنا ذلك في التمهيد .

1984 - وجاء في هذا الحديث فرض الوضوء وسنته مجيئا واحدا في حط الخطايا وتكفير الذنوب ، فدل ذلك على أن من شر المؤمن ، وما ينبغي له أن [ ص: 192 ] يأتي بما ذكرنا في هذا الحديث من المضمضة والاستنثار وغسل الوجه واليدين والرجلين ومسح الرأس وإنما اختلفوا في مسح الرجلين وغسلهما ، وقد أوضحنا ذلك فيما مضى .

1985 - وليس في الموطأ ذكر المضمضة في حديث مرفوع غير هذا ، وغير حديث عبد الله بن زيد بن عاصم ، ولا في الموطأ حديث مرفوع فيه ذكر الأذنين إلا حديث الصنابحي هذا .

1986 - وقد استدل بعض أهل العلم على أن الأذنين من الرأس وأنهما يمسحان بماء واحد مع الرأس بحديث الصنابحي هذا ، لقوله : " فإذا مسح برأسه خرجت الخطايا من أذنيه " فنذكر أقاويل العلماء في ذلك هاهنا :

1987 - قال مالك وأصحابه : الأذنان من الرأس ، إلا أنه يستأنف لهما ماء جديد سوى الماء الذي مسح به الرأس .

1988 - وقال الشافعي كقول مالك : يستأنف للأذنين الماء ولا يمسحان مع الرأس ، إلا أنه قال : هما سنة على حيالهما ، لا من الوجه ، ولا من الرأس ، كالمضمضة والاستنثار .

[ ص: 193 ] 1989 - وقول أبي ثور في ذلك كقول الشافعي سواء .

1990 - وقول أحمد بن حنبل في ذلك كقول مالك سواء : أن الأذنين من الرأس ، وأنه يستأنف لهما ماء جديد .

1991 - واحتج مالك ، والشافعي ؛ بأن عبد الله بن عمر كان يأخذ لأذنيه ماء غير الماء الذي مسح به رأسه .

1992 - واحتج أصحاب الشافعي بإجماع القائلين بعموم مسح الرأس ، إلا أنه لا إعادة على من صلى ولم يمسح أذنيه ، وبإجماع العلماء على أن الحاج لا يحلق ما عليهما من الشعر .

1993 - وقال أبو حنيفة ، وأصحابه ، والثوري : الأذنان من الرأس : يمسحان مع الرأس بماء واحد . وروي عن جماعة من السلف من الصحابة والتابعين مثل هذا القول .

1994 - وحجة من قال به حديث زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار ، عن عبد الله بن عباس ، عن النبي - عليه السلام - أنه كذلك فعل .

[ ص: 194 ] 1995 - وهو موجود أيضا في حديث عبيد الله الخولاني ، عن ابن عباس ، عن علي في صفة وضوء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

1996 - وفي حديث طلحة بن مصرف ، عن أبيه ، عن جده ، عن النبي - عليه السلام - .

1997 - ومن حجتهم حديث الصنابحي هذا : قوله - عليه السلام - : " فإذا مسح رأسه خرجت الخطايا من أذنيه " كما قال في الوجه : " من أشفار عينيه " وفي اليدين : " من تحت أظفاره " ، ومعلوم أن العمل في ذلك بماء واحد .

[ ص: 195 ] 1998 - وقال ابن شهاب الزهري : الأذنان من الوجه ؛ لأنهما مما يواجهك ولا ينبت عليهما شعر الرأس ، وما لا ينبت عليه شعر الرأس فهو من الوجه إذ كان فوق الذقن ولم يكن قفا . وقد أمر الله بغسل الوجه أمرا مطلقا . وكل ما واجهك فهو وجه .

1999 - ومن حجته أيضا قوله - عليه السلام - في سجوده : " سجد وجهي للذي خلقه وشق سمعه وبصره " ، فأضاف السمع إلى الوجه .

2000 - وقال الشعبي : ما أقبل منهما فمن الوجه ، وظاهرهما من الرأس فيغسل ما أقبل منهما مع الوجه ، ويمسح ما أدبر منهما مع الرأس .

2001 - وهو قول الحسن بن حي ، وإسحاق بن راهويه .

2002 - وحكي هذا القول عن الشافعي ، والمشهور عنه ما تقدم ذكره .

2003 - وقد روي عن أحمد بن حنبل مثل قول الشعبي ، وإسحاق في ذلك .

2004 - وقال داود : إن مسح أذنيه فحسن ، وإن لم يمسح فلا شيء عليه .

2005 - وأما سائر أهل العلم فيكرهون للمتوضئ ترك مسح أذنيه ، ويجعلونه تارك سنة من سنن النبي - عليه السلام - ولا يوجبون عليه إعادة صلاة صلاها كذلك .

2006 - إلا إسحاق بن راهويه ، فإنه قال : إن ترك مسح أذنيه أو غسلهما عمدا لم يجز .

[ ص: 196 ] 2007 - وقال أحمد : إن تركهما عمدا أحببت أن يعيد .

2008 - وقد كان بعض أصحاب مالك يقول : من ترك سنة من سنن الوضوء أو الصلاة أعاد أبدا .

2009 - وهذا عند العلماء قول ضعيف ، وليس لقائله سلف ، ولا له حظ من النظر . ولو كان هذا لم يعرف الفرض من السنة .

2010 - وقال بعضهم : من ترك مسح أذنيه فقد ترك مسح بعض رأسه ، وهو ممن يقول : الفرض مسح بعض الرأس ، وأنه يجزئ المتوضئ مسح بعضه .

2011 - وقوله هذا كله ليس على أصل مالك ولا مذهبه الذي إليه يعتزي .

2012 - وقد مضى القول في مسح الرأس فيما تقدم من هذا الكتاب .

2013 - قال أبو عمر : المعنى الذي يجب الوقوف على حقيقته في الأذنين أن الرأس قد رأينا له حكمين : فما واجه منه كان حكمه الغسل . وما علا منه ، وما كان موضعا لنبات الشعر كان حكمه المسح واختلاف الفقهاء في الأذنين إنما هو : هل حكمهما المسح كحكم الرأس أو حكمهما الغسل كالوجه أولهما من كل واحد منهما حكم ، أو هما من الرأس فيمسحان معه بماء واحد ؟ .

[ ص: 197 ] 2014 - فلما قال - عليه السلام - في حديث الصنابحي هذا : " فإذا مسح برأسه خرجت الخطايا من أذنيه " ، ولم يقل : إذا غسل وجهه خرجت الخطايا من أذنيه علمنا أن الأذنين من الرأس ، فهذا يشهد لقول من رأى مسحهما مع الرأس .

2015 - وقد زدنا هذا المعنى بيانا في التمهيد ، والحمد لله .

2016 - وقد استدل بعض من لم ير الوضوء بالماء المستعمل بحديث الصنابحي هذا وما كان مثله ، وقال : خروج الخطايا مع الماء يوجب التنزه عنه ، وسماه بعضهم ماء الذنوب .

2017 - وهذا عندي لا وجه له ؛ لأن الذنوب لا أشخاص لها تمازج الماء فتفسده ، وإنما معنى قوله : " خرجت الخطايا مع الماء " إعلام منه بأن الوضوء للصلاة عمل يكفر الله به السيئات عن عباده المؤمنين ، رحمة منه بهم ، وتفضلا عليهم ترغيبا في ذلك .

2018 - واختلف الفقهاء في الوضوء بالماء المستعمل ، وهو الذي قد توضئ به مرة ، فقال الشافعي ، وأبو حنيفة ، وأصحابهما : لا يتوضأ به ، ومن توضأ به أعاد ؛ لأنه ليس بماء مطلق . وعلى من لم يجد غيره التيمم ؛ لأنه ليس بواجد ماء .

2019 - ومن حجتهم على الذين أجازوا الوضوء به عند عدم غيره لما كان مع الماء القراح غير المستعمل كلا ماء كان عند عدمه أيضا كلا ماء ، ووجب التيمم .

[ ص: 198 ] 2020 - وقال بقولهم في ذلك أصبغ بن الفرج ، وهو قول الأوزاعي .

2021 - وقد روي ذلك أيضا عن مالك أنه يجوز التيمم لمن وجد الماء المستعمل .

2022 - واحتج بعضهم بقوله - عليه السلام - : " لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل فيه من الجنابة " .

2023 - ومعلوم أن الماء الدائم الكثير المستعمل فيه من الجنابة لا يمنع أحدا من الغسل فيه إلا لأنه يكون مستعملا وقد أدى به فرض وهو دائم غير جار .

2024 - وأما مالك فقال : لا يتوضأ به إذا غيره من الماء ولا خير فيه ثم قال : إذا لم يجد غيره توضأ به ولم يتيمم ؛ لأنه ماء طاهر ، ولم يغيره شيء .

2025 - وقال أبو ثور ، وداود : الوضوء بالماء المستعمل جائز ؛ لأنه ماء طاهر لا ينضاف إليه شيء فواجب أن يكون مطهرا كما هو طاهر ؛ لأنه إذا لم يكن في أعضاء المتوضئ به نجاسة فهو ماء طاهر بإجماع .

2026 - ومن حجتهم أن الماء قد يستعمل في العضو الواحد لا يسلم منه أحد ، فكذلك استعماله في عضو بعد عضو .

[ ص: 199 ] 2027 - وإلى هذا ذهب أبو عبد الله محمد بن نصر المروزي .

2028 - واختلف عن الثوري في هذه المسألة ، فالمشهور عنه أنه لا يجوز الوضوء بالماء المستعمل ، وأظنه أنه حكي عنه أنه قال : هو ماء الذنوب .

2029 - وقد روي عنه خلاف ذلك ، وذلك أنه قال فيمن نسي مسح رأسه فقال : يأخذ من بلل لحيته فيمسح به رأسه ، وهذا استعمال منه بالماء المستعمل .

2030 - وقد روي عن علي ، وابن عمر ، وأبي أمامة ، وعطاء بن أبي رباح ، والحسن البصري ، وإبراهيم النخعي ، ومكحول ، وابن شهاب : أنهم قالوا فيمن نسي مسح رأسه فوجد في لحيته بللا : إنه يجزئه أن يمسح بذلك البلل رأسه .

2031 - وقال بذلك بعض أصحاب مالك ، فهؤلاء على هذا يجيزون الوضوء بالماء المستعمل ، والله أعلم .

2032 - وأما مالك ، والشافعي ، وأبو حنيفة ، ومن قال بقولهم فلا يجوز عندهم لمن نسي مسح رأسه ووجد في لحيته بللا أن يمسح رأسه بذلك البلل ، ولو فعل لم يجزه عندهم ، وكان كمن لم يمسح .

2033 - وأما اختلافهم في رمي الجمار بما قد رمي به فسيأتي موضعه إن شاء الله .

2034 - وقد أوضحنا أن الطهارة للصلاة والمشي إليها وعملها لا يكفر إلا الصغائر دون الكبائر بضروب من الحجج الواضحة من جهة الآثار والاعتبار في هذا الموضع من كتاب التمهيد ، والحمد لله

[ ص: 200 ] 2035 - فمن ذلك حديث أبي هريرة ، وحديث عمران بن حصين ، وحديث ابن مسعود ، وحديث سلمان الفارسي ، كلها عن النبي - عليه السلام - أنه قال : " الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهما من الخطايا والذنوب ما اجتنبت الكبائر " ، أو " ما لم تغش الكبائر " ، وفي حديث سلمان : " ما لم تصب المقتلة " ، وما " اجتنبت المقتلة " على حسب اختلاف ألفاظ المحدثين .

2036 - وهذه الآثار كلها بأسانيدها في التمهيد . والحمد لله .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث