الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

حديث أن رسول الله كان يذهب لحاجة الإنسان في البيوت

جزء التالي صفحة
السابق

700 656 - مالك ، عن ابن شهاب ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يذهب لحاجة الإنسان في البيوت .

14852 - قال مالك : لا يخرج المعتكف مع جنازة أبويه .

657 - وذكر أنه سأل ابن شهاب عن الرجل يعتكف : هل يدخل لحاجته تحت سقف ؟ قال : نعم ، لا بأس بذلك .

[ ص: 281 ]

التالي السابق


[ ص: 281 ] 14853 - قال أبو عمر : هو قول مالك .

14854 - واختلف الفقهاء في اشتغال المعتكف بالأمور المباحة أو المندوب إليها .

14855 - فقال مالك ما ذكرناه عنه .

14856 - وقال الشافعي ، وأبو حنيفة وأصحابه : للمعتكف أن يتحدث ويبيع ويشتري في المسجد واشتغال ما لا يأثم فيه ، وليس عليه صمت .

14857 - واتفق مالك ، والشافعي ، وأبو حنيفة ، أن المعتكف لا يخرج من موضع اعتكافه لشهود جنازة ، ولا لعيادة مريض ، ولا يفارق موضع اعتكافه إلا لحاجة الإنسان ، ومعانيهم متقاربة جدا في هذا الباب .

14858 - وقال الثوري : المعتكف يعود المريض ويشهد الجنازة والجمعة وما لا يحسن به أن يضيع من أموره ، ولا يدخل تحت سقف إلا أن يكون ممره فيه ، ولا يجلس عنده أهله ، ولا يوصيهم لحاجة إلا وهو قائم أو ماش ، ولا يبيع ولا يشتري ، وإن دخل تحت سقف بطل اعتكافه .

14859 - وقال الحسن بن حي : إذا دخل المعتكف بيتا غير المسجد الذي هو فيه أو بيتا ليس في طريقه - بطل اعتكافه . ويحضر الجنازة ويعود المريض في المسجد ، ويشهد الجمعة ، ويخرج للوضوء ، ويكره أن يبيع ويشتري .

[ ص: 282 ] 14860 - قال أبو عمر : من الحجة لمالك ومن تابعه في هذا الباب ما رواه عبد الرحمن بن إسحاق ، عن الزهري ، عن عروة عن عائشة أنها قالت : السنة على المعتكف أن لا يعود مريضا ، ولا يشهد جنازة ، ولا يمس امرأة ، ولا يباشرها ، ولا يخرج إلا لما لا بد منه ، ولا اعتكاف إلا بصوم ، ولا اعتكاف إلا في مسجد جامع .

[ ص: 283 ] 14861 - قال أبو عمر : لم يقل أحد في حديث عائشة هذا : " السنة " إلا عبد الرحمن بن إسحاق ، ولا يصح الكلام عندهم إلا من قول الزهري ، وبعضه من كلام عروة .

14862 - وذكر عبد الرزاق عن الثوري ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، قال : المعتكف لا يجيب دعوة ، ولا يعود مريضا ، ولا يشهد جنازة .

14863 - والحجة لمذهب الثوري ومن تابعه أن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - قال : من اعتكف فلا يرفث ولا يساب ، وليشهد الجمعة والجنازة ، ويوصي أهله إذا كانت له حاجة وهو صائم ، ولا يجلس عندهم .

14864 - ذكره عبد الرزاق عن معمر ، والثوري عن أبي إسحاق ، عن عاصم بن ضمرة ، عن علي .

14865 - وبه يأخذ عبد الرزاق .

14866 - وذكر الحسن الحلواني قال : حدثنا محمد بن إسحاق ، قال : حدثنا إسحاق الفزاري ، عن أبي إسحاق الشيباني ، عن سعيد بن جبير ، قال : اعتكفت في مسجد الحي ، فأرسل إلي عمرو بن حريث يدعوني - وهو أمير على الكوفة - فلم آته ، فعاد فلم آته ، ثم عاد فلم آته ، ثم عاد فأتيته ، فقال : ما يمنعك أن [ ص: 284 ] تأتينا ؟ قلت : إني كنت معتكفا ، فقال : وما عليك ؟ إن المعتكف يشهد الجمعة ، ويعود المريض ، ويمشي مع الجنازة ، ويجيب الإمام .

14867 - وبهذا كان يفتي سعيد بن جبير .

14868 - وعن ابن جريج ، ومعمر ، عن الزهري ، قال : لا يخرج المعتكف إلا إلى حاجة لا بد له منها غائطا وبولا ، ولا يشيع جنازة ، ولا يعود مريضا .

[ ص: 285 ] 14869 - قال : وقال عطاء : إن عاد مريضا قطع اعتكافه .

14870 - قال أبو عمر : ذكر ابن خويز منداد أن مذهب مالك ، والشافعي ، وأبي حنيفة ، والثوري في المعتكف يأتي كبيرة - أنه قد بطل اعتكافه .

14871 - قال أبو عمر : هؤلاء يبطلون الاعتكاف بترك سنة عمدا ، فكيف بارتكاب الكبيرة فيه ؟ .

14872 - وروي عن أبي حنيفة أن من سكر ليلا لم يفسد اعتكافه . يعني إذا لم يتعمد السكر .

14873 - وأما قول مالك : لم أسمع أحدا من أهل العلم يذكر في الاعتكاف شرطا ، وإنما الاعتكاف عمل من الأعمال مثل الصلاة والصيام والحج . . . إلى آخر كلامه في هذا الباب من " الموطأ " .

14874 - ومعناه أن الشرط فيه لا يبطل شيئا من سنته ، ولا يجزئه إلا على سنته كسائر ما ذكر معه من أعمال البر .

14875 - قول جماعة من العلماء منهم : أبو سلمة بن عبد الرحمن ، وسعيد بن المسيب ، قالا : على المعتكف الصوم ، وإن نوى ألا يصوم .

14876 - وبه قال ابن شهاب الزهري ، وأبو عمر ، والأوزاعي .

[ ص: 286 ] 14877 - قال أبو عمر : أما الصلاة والصيام فأجمعوا أن لا مدخل للشرط فيهما ، وأما الحج فإنهم اختلفوا فيه ; فمن أجاز فيه الإشراط احتج بحديث ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لها : " أهلي بالحج ، واشرطي أن تحلي حيث حبست " وسنذكر هذه المسألة في موضعها من كتاب الحج مما فيها للعلماء من المذاهب إن شاء الله .

14878 - وأما الاعتكاف فالشرط فيه أنه متى عرضه ما يقطعه عليه أن يبني إن شاء ولا يبتدئ ؛ ف :

14879 - أكثر أهل العلم على ما قال مالك ، أنه إذا أتى ما يقطع اعتكافه ابتدأ ، ولم ينفعه شرطه ، وعليه قضاء اعتكافه .

14880 - ومنهم من أجاز له شرطه إذا اشترط في حين دخوله في اعتكافه .

14881 - ذكر عبد الرزاق عن شيوخه بالأسانيد ، أن قتادة ، وعطاء ، وإبراهيم أجازوا الشرط للمعتكف في البيع والشراء وعيادة المريض ، واتباع الجنازة ، والجمعة ، وأن يأتي الخلاء في بيته ونحو ذلك .

14882 - وزاد عطاء : إن اشترط أن يعتكف النهار دون الليل وأن يأتي بيته ليلا - فذلك له .

[ ص: 287 ] 14883 - وعن علي بن أبي طالب ، وعبد الله : له نيته .

14884 - وقال الشافعي : لا بأس أن يشرط : إن عرض لي أمر خرجت .

14885 - وممن أجاز الشرط للمعتكف : أحمد بن حنبل ، وإسحاق ابن راهويه ، إلا أن أحمد اختلف قوله فيه ; فمرة قال : أرجو أنه لا بأس به ، ومرة منع منه .

14886 - وقال إسحاق : أما الاعتكاف الواجب فلا أرى أن يعود فيه مريضا ، ولا يشهد جنازة . وأما التطوع فإنه يشرط فيه حين يبتدئ شهود الجنازة ، وعيادة المرضى .

14887 - واختلفوا في المعتكف يمرض ، ف :

14888 - قال مالك ، وأبو حنيفة ، والشافعي : يخرج . فإذا صح رجع فأتم ما بقي عليه من اعتكافه إذا كان نذرا واجبا عليه .

14889 - وقال الثوري : يبتدئ .

14890 - قال أبو عمر : هذا إذا كان مرضه يمنعه معه المقام .

14891 - واختلفوا في المعتكفة : تطلق أو يموت عنها زوجها ف :

14892 - قال مالك : تمضي في اعتكافها حتى تفرغ منه ، وتتم بقية عدتها في بيت زوجها .

[ ص: 288 ] 14893 - وقال الشافعي : تخرج ، فإذا انقضت عدتها رجعت .

14894 - واختلفوا في المعتكف يدخل بيتا ف :

14895 - قال ابن عمر ، وعطاء ، وإبراهيم : لا يدخل تحت سقف .

14896 - وبه قال إسحاق .

14897 - وقال الثوري : إن دخل بيتا غير مسجده بطل اعتكافه .

14898 - ورخص فيه ابن شهاب ، ومالك ، والشافعي ، وأبو حنيفة وأصحابهم .

14899 - وكان الشافعي لا يكره للمعتكف أن يصعد المنارة .

14900 - وهو قول أبي حنيفة ، وبه قال أبو ثور .

14901 - وكره ذلك مالك ، ولم يرخص فيه .

14902 - واختلفوا في المعتكف يصعد المئذنة ليؤذن ف :

14903 - كره ذلك مالك ، والليث ، وقالا : لا يصعد على ظهر المسجد .

14904 - وقال الحسن بن حي : لا بأس بذلك كله .

14905 - قال أبو حنيفة : إن يفعل لم يضره شيء ، ولا يفسد اعتكافه ولو كانت خارج المسجد .

14906 - وهو قول الشافعي .

[ ص: 289 ] 14907 - وقال مالك : لا يشتمل المعتكف في مجالس أهل العلم ، ولا يكتب العلم .

14908 - وقال عطاء بن أبي رباح ، والأوزاعي ، وسعيد بن عبد الرحمن ، والليث بن سعد ، والشافعي : لا بأس أن يأتي المعتكف مجالس العلماء في المسجد الذي يعتكف فيه .

14909 - قال أبو عمر : من كره ذلك كما كرهه مالك فلأن مجالس العلم شاغلة له ، كما جعل على نفسه وقصده من الاعتكاف ، وإذا لم يشهد الجنازة ويعد المريض على أن لا يتعدى اعتكافه إلى شيء من أعمال البر إلا اعتكافه .

14910 - وكما لا تقطع صلاة التطوع ولا غيرها لعمل بر سواها من إصلاح بين الناس وغير ذلك ، فكذلك لا يدع اعتكافه لما يشغله عنه من أعمال البر ، ومن رخص في مشاهدته مجالس العلم في المسجد فلأنه عمل لا ينافي اعتكافه ، وإنما يكره له ما ينافي اعتكافه من اللهو والباطل والحرام .

14911 - قال أبو عمر : مالك أقرب بأصله من هؤلاء ; لأنهم ذهبوا إلى أن المعتكف لا يشهد جنازة ، ولا يعود مريضا ، إن شاء الله تعالى .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث