الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

حديث عائشة في اعتكاف رسول الله عشرا من شوال

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

699 [ ص: 299 ] ( 4 ) باب قضاء الاعتكاف

661 - مالك عن ابن شهاب ، عن عمرة بنت عبد الرحمن ، عن عائشة ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أراد أن يعتكف ، فلما انصرف إلى المكان [ ص: 300 ] الذي أراد أن يعتكف فيه ، وجد أخبية : خباء عائشة ، وخباء حفصة ، [ ص: 301 ] وخباء زينب ، فلما رآها سأل عنها ، فقيل له : هذا خباء عائشة ، وحفصة ، وزينب ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " آلبر تقولون بهن ؟ " ثم [ ص: 302 ] انصرف فلم يعتكف ، حتى اعتكف عشرا من شوال .

التالي السابق


14955 - قال أبو عمر : كذا روى يحيى بن يحيى هذا الحديث عن مالك ، عن ابن شهاب ، ولم يتابعه على روايته عن مالك عن ابن شهاب أحد من رواة " الموطأ " ، والحديث معروف عن مالك وغيره ، عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن عمرة ، ولم يروه ابن شهاب أصلا ، ولا يعرف هذا الحديث لابن شهاب ، لا من رواية مالك ، ولا من رواية غيره من أصحابه ، وإنما هو في " الموطأ " وغيره لمالك ، عن يحيى بن سعيد ، كذلك رواه جماعة الموطأ عن مالك .

14956 - وكذلك رواه أصحاب يحيى بن سعيد عنه ، عن عمرة لا يذكر عائشة ، ومنهم من يرويه عن مالك ، عن يحيى بن سعيد ، لا يذكر عمرة .

14957 - وقد ذكرنا كثيرا من طرقه بذلك ، عن يحيى بن سعيد في " التمهيد " ، وذكره البخاري عن عبد الله بن يوسف ، عن مالك ، عن يحيى بن سعيد ، عن عمرة ، عن عائشة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - " أراد أن يعتكف " وساقه [ ص: 303 ] بكماله .

18908 - وذكره البخاري أيضا عن أبي النعمان عارم بن الفضل ، عن حماد بن زيد ، قال : حدثنا يحيى بن سعد ، عن عمرة ، عن عائشة .

14959 - قال أبو عمر : هذا الحديث أدخله مالك في باب قضاء الاعتكاف ، وهو أعظم ما اعتمد عليه من فقه .

[ ص: 304 ] 14960 - ومعنى ذلك عندي - والله أعلم - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان قد عزم على اعتكاف العشر الأواخر من رمضان ، فلما رأى ما كرهه من تنافس زينب ، وحفصة ، وعائشة في ذلك ، وخشي أن يدخل نيتهن داخلة ، انصرف ، ثم وفى الله عز وجل بما نواه من فعل البر ، فاعتكف عشرا من شوال ، وفي ذلك جواز الاعتكاف في غير رمضان ، وهو أمر لا خلاف فيه .

14961 - وأما قوله في الحديث : " آلبر تقولون بهن " فمعناه يظنون بهن البر ، وأنا أخشى عليهن أن يردن الكون معي على ما يريد النساء من الانفراد بالأزواج في كل حين وإن لم يكن حين جماع ، فكأنهن مع إرادتهن لذلك لم يكن اعتكافهم خالصا لله ، فكره لهن ذلك ، وهو معنى قوله في غير حديث مالك : " آلبر تردن - أو يردن " كأنه توبيخ ، أي : ما أظنهن يردن البر .

14962 - وقد يجوز أن يكون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كره لأزواجه الاعتكاف لشدة مؤنته ، لأن ليله ونهاره سواء .

14963 - قال مالك : لم يبلغني أن أبا بكر ، ولا عمر ، ولا عثمان ، ولا ابن المسيب ، ولا أحدا من سلف هذه الأمة اعتكف إلا أبا بكر بن عبد الرحمن ، وذلك - والله أعلم - لشدة الاعتكاف .

14964 - ولو ذهب ذاهب إلى أن الاعتكاف للنساء مكروه بهذا الحديث لكان مذهبا ، ولولا أن ابن عيينة - وهو حافظ - ذكر فيه أنهن استأذنه في الاعتكاف لقطعت بأن الاعتكاف للنساء في المساجد غير جائز .

[ ص: 305 ] 14965 - وما أظن استئذانهن محفوظا ، ولكن ابن عيينة حافظ ، وقد تابعه الأوزاعي ، وابن فضيل في أن عائشة استأذنته لنفسها ، وبعضهم يقول : إن عائشة استأذنته لنفسها وحفصة في الاعتكاف ، فأذن لمن استأذنه منهن ، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - أعلم فيما في نيتهن .

14966 - وفي هذا الحديث من الفقه ، أن الاعتكاف يلزم مع النية بالدخول فيه ، فإذا دخل الإنسان ثم قطعه - لزمه قضاؤه .

14967 - وإنما قلنا : إنه يلزمه بالنية مع الدخول وإن لم يكن في حديث مالك ذكر دخوله في ذلك الاعتكاف الذي قضاه إلا في رواية ابن عيينة لهذا الحديث ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا أراد أن يعتكف صلى الصبح ثم دخل معتكفه . فلما صلى الصبح - يعني في المسجد - وهو موضع اعتكافه مع عقد نيته على ذلك ، والنية هي الأصل في الأعمال ، وعليها تقع المجازات ، فمن هنا - والله أعلم - قضى اعتكافه في ذلك في شوال - صلى الله عليه وسلم - .

14967 م - وقد ذكر سنيد ، قال : حدثنا معمر بن سليمان عن كهمس ، عن معبد بن ثابت في قوله عز وجل : ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله الآية [ 75 من سورة التوبة ] : " إنما هو شيء يروه في أنفسهم ولم يتكلموا به ، ألا تسمع إلى قوله تعالى في الآية : أن الله يعلم سرهم ونجواهم وأن الله علام الغيوب " [ التوبة : 78 ] .

14968 - قال : وحدثنا معتمر قال : ركبت البحر ، فأصابتنا ريح شديدة ; فنذر [ ص: 306 ] قوم معنا نذورا ، ونويت أنا شيئا لم أتكلم به ، فلما قدمت البصرة سألت أبا سليمان التيمي فقال : يا بني ف به .

14969 - فغير نكير أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - قضى الاعتكاف من أجل أنه كان قد نوى أن يعمله وإن لم يدخل فيه ; لأنه كان أوفى الناس لربه بما عاهده عليه ، وأبدرهم إلى طاعته ، فإن كان دخل فيه فالقضاء واجب عند العلماء ، لا يختلف في ذلك الفقهاء ، وإن كان لم يدخل فيه فالقضاء مستحب لمن هذه حاله عند أهل العلم مندوب إليه أيضا مرغوب فيه .

14970 - ومن العلماء من أوجب قضاءه عليه ، من أجل أنه كان عقد عليه نيته ، والوجه عندنا ما ذكرنا .

14971 - ومن جعل على المعتكف قضاء ما قطعه من اعتكافه ، قاسه على الحج التطوع يقطعه صاحبه عمدا أو مغلوبا .

14972 - وقد ذكرنا حكم قطع الصلاة التطوع والصيام التطوع ، وما للعلماء في ذلك من المذاهب فيما مضى من هذا الكتاب .

14973 - وذكر الأثرم قال : سمعت أحمد بن حنبل يسأل عن النساء أيعتكفن ؟ قال : نعم .

14974 - وقد ذكرنا طرفا من اختلاف العلماء في مكان معتكف النساء في أول باب الاعتكاف ، وقد ذكرنا هاهنا ما هو على شرطنا .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث