الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

حديث عائشة في اعتكاف رسول الله عشرا من شوال

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 307 ] 14975 - قال مالك : لا يعجبني أن تعتكف المرأة في مسجد بيتها ، ولتعتكف في مسجد الجماعة .

التالي السابق


14976 - وقال أبو حنيفة : لا تعتكف المرأة إلا في مسجد بيتها ، ولا تعتكف في مسجد الجماعة .

14977 - وقال الثوري : اعتكاف المرأة في بيتها أفضل من اعتكافها في المسجد .

14978 - وهو قول إبراهيم .

14979 - قال أبو عمر : من حجة من أجاز اعتكاف المرأة حديث ابن عيينة ، عن يحيى بن سعيد ، عن عمرة ، عن عائشة ، هذا لأن فيه أنهن استأذنه في الاعتكاف فأذن لهن ، فضربن أخبيتهن في المسجد ، ثم منعهن بعد ، ومعلوم أن منعه لهن كان لغير المعنى الذي أذن لهن من أجله .

[ ص: 308 ] 14980 - وقال أصحاب أبي حنيفة : إنما جاز لهن ضرب أخبيتهن في المسجد للاعتكاف من أجل أنهن كن مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

14981 - وللنساء أن يعتكفن في المسجد مع أزواجهن ، وكما أن للمرأة أن تسافر مع زوجها ، كذلك لها أن تعتكف معه .

14982 - وقال من لم يجز اعتكافهن في المسجد أصلا : إنما ترك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الاعتكاف إنكارا عليهن . قال : ويدل على ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم - : " آلبر يردن " ، أي ليس هذا ببر .

14983 - ولم يختلفوا أن صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في المسجد ، فكذلك الاعتكاف .

14984 - قال أبو عمر : ليس في حديث مالك في هذا الباب ذكر دخول النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذلك الاعتكاف الذي قضاه أي وقت هو .

14985 - وقد ذكره غيره : حدثنا سعيد بن نصر ، حدثنا قاسم ، حدثنا محمد بن إسماعيل ، حدثنا الحميدي ، قال سفيان بن عيينة ، قال : سمعت يحيى يحدث عن عمرة ، عن عائشة ، قالت : أراد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يعتكف العشر الأواخر من شهر رمضان ، فسمعت بذلك فاستأذنته فأذن لي ، ثم استأذنته حفصة فأذن لها ، ثم استأذنته زينب فأذن لها . قالت : وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أراد أن يعتكف صلى الصبح ثم دخل معتكفه ، فلما صلى [ ص: 309 ] الصبح رأى في المسجد أربعة أبنية . . وذكر الحديث .

14986 - وذكره البخاري ، قال : حدثنا محمد بن سلام ، قال : حدثنا محمد بن فضيل بن غزوان ، عن يحيى بن سعيد ، عن عمرة بنت عبد الرحمن ، عن عائشة قالت : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعتكف في كل رمضان ، وإذا صلى الغداة دخل مكانه الذي يعتكف فيه . قال : فاستأذنته عائشة . . وذكر الحديث .

14987 - وذكره أبو داود ، قال : حدثنا عثمان بن أبي شيبة ، قال : حدثنا أبو معاوية ، ويعلى بن عبيد ، عن يحيى بن سعيد ، عن عمرة ، عن عائشة ، قالت : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أراد أن يعتكف صلى الفجر ثم دخل معتكفه . . وذكر باقي الحديث .

14988 - قال أبو عمر : لا أعلم أحدا من فقهاء الأمصار قال بهذا الحديث مع ثبوته وصحته في وقت دخول المعتكف موضع اعتكافه إلا الأوزاعي ، والليث بن سعد ، وقد قال به طائفة من التابعين .

14989 - وروى ابن وهب عن الليث ، قال : إنما يدخل المعتكف المسجد للاعتكاف قبل الفجر ليلة إحدى وعشرين .

14990 - وذكر الأثرم قال : سمعت أحمد بن حنبل يسأل عن المعتكف في [ ص: 310 ] أي وقت يدخل معتكفه ؟ فقال : يدخل قبل غروب الشمس فيكون يبتدئ ليلته .

فقيل له : قد روى يحيى بن سعيد ، عن عمرة " أن النبي كان يصلي الفجر ثم يدخل معتكفه " فسكت .

14991 - قال : وسمعته مرة أخرى يسأل عن المعتكف في أي وقت يدخل معتكفه ؟ فقال : قد كنت أحب له أن يدخل معتكفه في أول الليل حتى يبيت فيه ويبتدئ ، ولكن حديث يحيى بن سعيد ، عن عمرة ، عن عائشة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يدخل معتكفه إذا صلى الغداة " .

14992 - قيل : فمتى يخرج ؟ قال : يخرج منه إلى المصلى .

14993 - قال أبو عمر : اتفق مالك ، والشافعي ، وأبو حنيفة على خلاف هذا الحديث ، إلا أنهم اختلفوا في وقت دخول المعتكف المسجد للاعتكاف إذا نذره أياما وليالي أو يوما واحدا .

[ ص: 311 ] 14994 - فقال مالك ، والشافعي ، وأبو حنيفة : إذا أوجب على نفسه اعتكاف شهر دخل المسجد قبل غروب الشمس .

14995 - قال مالك : ومن أراد أن يعتكف يوما أو أكثر دخل معتكفه قبل مغيب الشمس من ليلة ذلك اليوم .

14996 - وقال الشافعي : إذا قال : لله علي اعتكاف يوم ، دخل قبل طلوع الفجر وخرج بعد غروب الشمس ، خلاف قوله في الشهر .

14997 - وقال زفر بن الهذيل ، والليث بن سعد : يدخل قبل طلوع الفجر . والشهر واليوم عندهما سواء . تقدم .

14998 - وروي مثل ذلك عن أبي يوسف .

14999 - وقال الأوزاعي بظاهر حديث عائشة المذكور ، قال : يصلي في المسجد الصبح ويقوم إلى معتكفه .

15000 - وقال أبو ثور : إذا أراد اعتكاف عشرة أيام دخل في اعتكافه قبل طلوع الفجر ، وإذا أراد عشر ليال دخل قبل غروب الشمس .

15001 - قال أبو عمر : ذهب هؤلاء إلى أن الليل لا يدخل في الاعتكاف إلا أن يتقدمه اعتكاف النهار ؛ لأن الليل ليس بموضع اعتكاف ، فلا يصلح الابتداء به ، وذهب هؤلاء إلى أن الليل تبع للنهار على كل حال ابتدأ ، فلذلك ابتدءوا به ، والله [ ص: 312 ] أعلم .

15002 - وأما قوله في حديث مالك : " ثم اعتكف عشرا من شوال " فقد مضى القول في وجوب قضاء الاعتكاف للباد والقاطع بعذر وبغير عذر ، ومضى مع ما قضى النبي - صلى الله عليه وسلم - اعتكافه ، كل ذلك في هذا الباب والحمد لله .

15003 - ومضى في الباب قبله خروج المعتكف لمرض يعرض له ، واختلاف العلماء في حكمه .

15004 - فقول مالك في موطئه أصح ما روي عنه في ذلك أن المريض يتم ما بقي عليه من اعتكافه إذا صح .

15005 - واحتج مالك بحديثه في هذا الباب : " أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أراد الاعتكاف في رمضان فلم يعتكف ، واعتكف عشرا من شوال " .

15006 - قال مالك : والمتطوع في الاعتكاف ، والذي عليه الاعتكاف أجرهما سواء فيما يحل لهما ويحرم عليهما .

15007 - قال : ولم يبلغني أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان اعتكافه إلا تطوعا .

15008 - قال أبو عمر : هذا قوله مع جملة العلماء ; لأن الاعتكاف وإن لم يكن واجبا - لا على من نذره - فإنه يجب بالدخول فيه كالصلاة النافلة ، والحج والعمرة النافلتين .

15009 - وقد اختلف العلماء في أقل ما يلزمه هاهنا ، ولم يرو في شيء من [ ص: 313 ] الآثار أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جعل على نفسه اعتكافا .

15010 - وذلك دليل على أن اعتكافه كان تطوعا .

15011 - وقد أوضحنا وجه قضائه عشرا من شوال في اعتكافه بما لا معنى لإعادته هاهنا .

15012 - واختلف العلماء في أقل مدة الاعتكاف ف :

15013 - روى ابن وهب عن مالك أن أقله عنده ثلاثة أيام .

15014 - وذكر ابن حبيب أن أقله عنده يوم وليلة .

15015 - وقال ابن القاسم في " المدونة " : وقفت مالكا على ذلك فأنكره ، [ ص: 314 ] وقال : أقله عشرة أيام .

15016 - قال أبو عمر : هذا على الاستحقاق ؛ لأن مالكا قال : من عليه الجمعة فلا يعتكف في غير مسجد الجامع إلا من الجمعة إلى الجمعة .

15017 - وهو قول الشافعي .

15018 - ولا حد عند أبي حنيفة ، والشافعي ، وأكثر الفقهاء في أقل مدته .

15019 - وروى ابن جريج ، عن عطاء ، عن ابن أمية ، قال : إني لأمكث ساعة معتكفا .

15020 - قال عطاء : وسمعت أنه لا يكون الاعتكاف أقل من ثلاثة أيام .

15021 - قال عطاء : والاعتكاف ما مكث فيه المعتكف .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث