الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قول عمر لا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة وصلى وجرحه يثعب دما

84 [ ص: 278 ] ( 12 ) باب العمل فيمن غلبه الدم من جرح أو رعاف .

72 - مالك ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ؛ أن المسور بن مخرمة أخبره ؛ أنه دخل على عمر بن الخطاب من الليلة التي طعن فيها . فأيقظ عمر لصلاة الصبح . فقال عمر : نعم . ولا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة . فصلى عمر ، وجرحه يثعب دما .

التالي السابق


2401 - ومعنى يثعب : ينفجر ، وانثعب : انفجر . وثعب الماء : فجره ، قاله صاحب العين .

2402 - وحديث عمر هذا هو أصل هذا الباب عند العلماء فيمن لا يرقأ [ ص: 279 ] دمه ولا ينقطع رعافه : أنه لا بد له من الصلاة في وقتها ، إذا أيقن أنه لا ينقطع قبل خروج الوقت .

2403 - وليس حال من وصفنا حاله بأكثر من سلس البول والمذي ؛ لأن البول والمذي متفق على أن خروجهما في الصحة حدث .

2404 - وكذلك اختلفوا في البول والمذي الخارجين لعلة مرض أو فساد : هل يوجب خروجهما الوضوء ، كخروجهما في الصحة ؟

2405 - وسنذكر هذا في بابه في هذا الكتاب إن شاء الله .

2406 - وفائدة حديث عمر عند أصحابنا أنه صلى وجرحه لا يرقأ ، ولم يذكر وضوءا . وقد نزعوا فيما نزعوا فيه من ذلك ، وأجمعوا أنه لا يمنع ذلك من أراد الصلاة على كل حال .

2407 - وذكر عبد الرزاق ، عن معمر ، عن هشام بن عروة ، قال : كانت لي دمامل ، فسألت أبي عنها ، فقال : إذا كانت ترقأ فاغسلهما ، وتوضأ وإن كانت لا ترقأ فتوضأ وصل وإن خرج منها شيء ، فإن عمر قد صلى وجرحه يثعب دما .

2408 - وحديث عمر رواه مالك في " الموطأ " عن هشام بن عروة ، عن أبيه : أن المسور بن مخرمة أخبره : أنه دخل على عمر بن الخطاب من الليلة التي طعن فيها ، فأيقظ عمر لصلاة الصبح ، فقال عمر : نعم . ولا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة . فصلى عمر ، وجرحه يثعب دما .

[ ص: 280 ] 2409 - ورواه سفيان الثوري ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه قال : حدثني سليمان بن يسار أن المسور بن مخرمة أخبره قال : دخلت أنا وابن عباس على عمر حين طعن فقلنا : الصلاة فقال : " أما إنه لا حظ لأحد في الإسلام أضاع الصلاة " . فصلى وجرحه يثعب دما .

[ ص: 281 ] 2410 - ذكره عبد الرزاق ، ووكيع ، عن الثوري .

2411 - وذكر ابن وهب قال : أخبرني يونس بن يزيد ، عن ابن شهاب : أن سليمان بن يسار أخبره : أن المسور بن مخرمة أخبره عن عمر بن الخطاب إذ طعن : أنه دخل هو وابن عباس من الغد ، فأفزعوه للصلاة ففزع . وقال : " نعم لا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة " ، فصلى والجرح يثعب دما .

2412 - وروى معمر ، عن الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله ، عن ابن عباس ، قال : لما طعن عمر احتملته أنا ونفر من الأنصار حتى أدخلناه منزله ، فلم يزل في غشية واحدة حتى أسفر الصبح فقال رجل : إنكم لن تفزعوه بشيء إلا بالصلاة . قال : فقلنا : الصلاة يا أمير المؤمنين ! قال : ففتح عينيه ، ثم قال : أصلى الناس ؟ قلنا : نعم . قال : " أما إنه لا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة " ، فصلى وجرحه يثعب دما .

2413 - وأما قول عمر : لا حظ في الإسلام ؛ فالحظ النصيب . يقول : لا نصيب في الإسلام .

2414 - وقوله يحتمل وجهين : ( أحدهما ) خروجه من الإسلام بذلك ، ( والآخر ) أنه لا كبير حظ له في الإسلام .

2415 - كما قيل : لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد ، ولا إيمان لمن [ ص: 282 ] لا أمانة له وليس المسكين بالطواف ، ونحو هذا .

[ ص: 283 ] 2416 - وهو كلام خرج على ترك عمل الصلاة ، لا على جحودها .

2417 - وأجمع المسلمون أن جاحد فرض الصلاة كافر حلال دمه ، كسائر الكفار بالله وملائكته وكتبه ورسله ، ولا له دين يفر عليه دمه .

2418 - واختلف في تارك الصلاة وهو قادر عليها ، غير جاحد بفرضها .

2419 - فثبت عن عمر قوله : " لا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة " .

2420 - وثبت عن ابن مسعود أنه قال : ما تارك الصلاة بمسلم .

[ ص: 284 ] [ ص: 285 ] 2421 - وروي عن النبي - عليه السلام - : أنه قال : " العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة . فمن تركها فقد كفر " .

2422 - وآثار كثيرة مذكورة في التمهيد بنحو ذلك .

2423 - وقال مالك وأصحابه : إذا أبى من الصلاة وقال : لا أصلي ضربت عنقه .

2424 - وهو معنى قول الشافعي .

2425 - وقال الشافعي : يقول له الإمام : صل ، فإن قال : لا أصلي سئل عن العلة التي من أجلها ترك الصلاة . فإن ادعى علة بجسده لا يطيق من أجلها القيام والركوع والسجود قيل له : صل كيف أطقت . فإن قال : لا أصلي وحضر وقتها فلم يصلي ، وأبى حتى خرج وقتها قتله الإمام .

2426 - ذكره الطبري عن الربيع عن الشافعي .

[ ص: 286 ] 2427 - وذكر المزني : قال الشافعي : يقال لمن ترك الصلاة حتى خرج وقتها بلا عذر : إن صليت وإلا استتبناك ، فإن تبت وإلا قتلناك ، كما من يكفر يقال له : إن آمنت وإلا قتلناك .

2428 - وقد قيل : يستتاب ثلاثا ، فإن صلى فبها وإلا قتل ، وذلك حسن .

2429 - قال المزني : وقد قال في المرتد : إن لم يتب قتل ، ولا ينتظر به ثلاثا ، لقوله - عليه السلام - : " من بدل دينه فاضربوا عنقه " وقد جعل تارك الصلاة بلا عذر كتارك الإيمان ، فله حكمه في قياس قوله ؛ لأنه عنده مثله ، فلا ينتظر به ثلاثا .

2430 - وقال أبو حنيفة وأصحابه : يعاقب ، ويضرب ، ويحبس أبدا حتى يصلي .

2431 - وبه قال داود .

2432 - وذكر الطبري بإسناد له عن الزهري قال : إذا ترك الرجل الصلاة فإن كان إنما تركها لأنه ابتدع دينا غير الإسلام قتل ، وإن كان إنما هو فاسق فإنه يضرب ضربا مبرحا ، ويسجن حتى يرجع .

2433 - قال : والذي يفطر رمضان كذلك .

[ ص: 287 ] 2434 - قال الطبري : وهو قولنا ، وإليه يذهب جماعة أهل الأمة من أهل الحجاز والعراق مع شهادة النظر له بالصحة .

2435 - وقال أحمد بن حنبل ، وإسحاق بن راهويه ، وطائفة : تارك الصلاة وهو مقر بها إذا أبى أن يصليها كافر خارج بذلك من الإسلام ، فيستتاب . فإن تاب وصلى وإلا قتل ، ولم يرثه ورثته ، وكان ماله فيئا .

2436 - وقد ذكرنا وجوه هذه الأقوال كلها والاعتلال لها من القرآن والسنة والآثار في " التمهيد " عند قوله عليه السلام في حديث زيد بن أسلم وحديث بسر بن محجن : " ما لك لم تصل معنا ألست برجل مسلم " ؟ فمن أراد الوقوف على ذلك قابله هناك إن شاء الله .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث