الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

حديث كان رسول الله يكبر في الصلاة كما خفض ورفع

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

169 146 - وقد روى أشهب عن مالك ، عن ابن شهاب ، عن سالم ، عن أبيه أنه كان يكبر كلما خفض ورفع ، ويخفض بذلك صوته .

التالي السابق


4377 م - فانفرد أشهب بقوله في حديث مالك هذا : ويخفض بذلك صوته ; لم يقله عن مالك في هذا الحديث أحد غيره ، فيما علمت . والله أعلم .

4378 - قال أبو عمر : اختلف الفقهاء فيمن ترك التكبير في الصلاة ; فكان [ ص: 121 ] ابن القاسم يقول : من أسقط من التكبير في الصلاة ثلاث تكبيرات فما فوقها - سجد للسهو قبل السلام ، فإن لم يسجد بطلت صلاته .

4379 - وإن نسي تكبيرة واحدة ، أو اثنتين - سجد أيضا للسهو قبل السلام ، فإن لم يفعل فلا شيء عليه .

4380 - وروي عنه أن التكبيرة الواحدة لا سهو على من سها عنها .

4381 - وهذا يدل على أن عظم التكبير وجملته عنده فرض ، وأن اليسير منه متجاوز عنه .

4382 - وقال أصبغ بن الفرج وابن عبد الحكم من رواية مالك : ليس على من [ ص: 122 ] لم يكبر في الصلاة من أولها إلى آخرها شيء إذا كبر تكبيرة الإحرام ، فإن فعله ساهيا سجد للسهو ، فإن لم يسجد فلا شيء عليه .

4383 - ولا ينبغي لأحد أن يترك التكبير عامدا ; لأنه سنة من سنن الصلاة . فإن فعل فقد أساء ، وصلاته ماضية .

4384 - وعلى هذا القول جماعة من فقهاء الأمصار من الشافعيين ، والكوفيين ، وجماعة أهل الحديث ، والمالكيين غير من ذهب منهم مذهب ابن القاسم .

4385 - وقال أبو بكر الأبهري : على مذهب مالك الفرائض في الصلاة خمس عشرة فريضة : أولها النية ، ثم الطهارة ، وستر العورة ، والقيام إلى الصلاة ، ومعرفة دخول الوقت ، والتوجه إلى القبلة ، وتكبيرة الإحرام ، وقراءة أم القرآن ، والركوع ، ورفع الرأس منه ، والسجود ، ورفع الرأس منه ، والقعود الأخير ، والسلام ، وقطع الكلام .

4386 - فلم يذكر الأبهري من التكبير في فرائض الصلاة غير تكبيرة الإحرام .

4387 - ثم ذكر سنن الصلاة ، فقال : وسنن الصلاة خمس عشرة سنة : أولها الأذان والإقامة ، ورفع اليدين ، والسورة مع أم القرآن ، والتكبير كله سوى تكبيرة الإحرام ، وسمع الله لمن حمده ، والاستواء من الركوع ومن السجود ، والتسبيح في الركوع ، والتسبيح في [ ص: 123 ] السجود ، والتشهد ، والجهر في صلاة الليل ، والسر في صلاة النهار ، وأخذ الرداء ، ورد السلام على الإمام إذا سلم من الصلاة .

4388 - فذكر في سنن الصلاة : والتكبير كله سوى تكبيرة الإحرام .

4389 - وهذا هو الصواب ، وعليه جماعة أئمة الفقهاء بالأمصار .

4390 - وإنما اختلف الأئمة من الفقهاء في تكبيرة الإحرام ; فذهب مالك [ ص: 124 ] في أكثر الرواية عنه ، والشافعي ، وأبو حنيفة ، وأصحابه - إلى أن تكبيرة الإحرام فرض واجب من فروض الصلاة .

4391 - والحجة لهم الحديث الذي ذكرنا عن أبى هريرة ورفاعة بن رافع عن النبي - عليه السلام - أنه قال للرجل : " إذا أردت الصلاة فأسبغ الوضوء ، واستقبل القبلة ، ثم كبر ، ثم اقرأ ، ثم اركع حتى تطمئن " ، الحديث .

4392 - فعلمه ما كان من الصلاة واجبا ، وسكت له عن كل ما كان منه مسنونا ومستحبا ، مثل : التكبير ، ورفع اليدين ، والتسبيح ، ونحو ذلك .

[ ص: 125 ] 4393 - فبان بذلك أن تكبيرة الإحرام واجب فعلها ، مع قوله - عليه السلام - : " تحريم الصلاة التكبير ، وتحليلها التسليم " .

4394 - رواه علي بن أبي طالب عن النبي - عليه السلام - ، ورواه أبو سعيد الخدري . وقد ذكرنا الأسانيد بذلك في التمهيد .

[ ص: 126 ] 4395 - ومنها حديث سفيان الثوري عن عبد الله بن محمد بن عقيل ، عن محمد بن الحنفية ، عن علي ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " تحريم الصلاة التكبير ، وتحليلها التسليم " .

4396 - وقال عبد الرحمن بن مهدي : لو افتتح الرجل الصلاة بسبعين اسما من أسماء الله ، ولم يكبر تكبيرة الإحرام - لم يجزه ، وإن أحدث قبل أن يسلم لم يجزه .

4397 - وهذا تصحيح من عبد الرحمن بن مهدي لحديث : " تحريمها التكبير ، وتحليلها التسليم " - وتدين منه به ، وهو إمام في علم الحديث ومعرفة صحيحه من سقيمه ، وحسبك به .

[ ص: 127 ] 4398 - وقال الزهري ، والأوزاعي ، وطائفة - : تكبيرة الإحرام ليست بواجبة .

4399 - وقد روي عن مالك في المأموم ما يدل على هذا القول ، ولم يختلف قوله في الإمام والمنفرد : إن تكبيرة الإحرام واجبة على كل واحد منهما ، وإن الإمام إذا لم يكبر للإحرام بطلت صلاته وصلاة من خلفه . وهذا يقضي على قوله في المأموم .

4400 - والصحيح في مذهبه إيجاب تكبيرة الإحرام وأنها فرض ، ركن من أركان الصلاة ، وهو الصواب . وكل من خالف ذلك فمخطئ محجوج بما وصفنا . وبالله توفيقنا .

4401 - واختلف الفقهاء في حين تكبير المأموم إذا كبر الإمام تكبيرة الإحرام .

4402 - فقال ابن خويز منداد : قال مالك : إذا كبر الإمام كبر المأموم بعده ، ويكره له أن يكبر في حال تكبيره ، فإن كبر في حال تكبيره أجزأه ، وإن كبر قبله لم يجزه .

4403 - قال : وقال أبو حنيفة ، وزفر ، ومحمد ، والثوري ، وعبيد الله بن الحسن - : يكبر مع تكبير الإمام .

4404 - قال محمد بن الحسن : فإن فرغ المأموم من التكبيرة قبل الإمام لم يجزه .

4405 - وقال الثوري : يجزئه .

[ ص: 128 ] 4406 - وقال أبو يوسف ، والشافعي في أشهر قوليه : لا يكبر المأموم حتى يفرغ الإمام من التكبير .

4407 - وللشافعي قول آخر : إن كبر قبل الإمام أجزأه .

4408 - وعند بعض أصحابه أنه لو افتتح الصلاة لنفسه ، ثم أراد أن يدخل في صلاة الإمام كان ذلك على أحد قولي الشافعي .

4409 - وقالت طائفة من أصحاب داود وغيرهم : إن تقدم جزء من تكبير المأموم في تكبير الإحرام لم يجزه ، وإنما يجزيه أن يكون تكبيره كله في الإحرام بعد إمامه .

4410 - وإلى هذا ذهب الطحاوي ، واحتج بأن المأموم إنما أمر أن يدخل في صلاة الإمام بالتكبير ، والإمام إنما يصير داخلا فيها بالفراغ من التكبير ، فكيف يصح دخول المأموم في صلاة لم يدخل فيها إمامه بعد ؟ .

4411 - واحتج أيضا لمن أجاز من أصحابه تكبيرهما معا بقوله - عليه السلام - : " إذا كبر الإمام فكبروا " .

4412 - قال : وهذا يدل على أنهم يكبرون معا ; لقوله : " وإذا ركع فاركعوا " ، وهم يركعون معا ، والقول عنده أصح . وهو قول أبي يوسف ، وأحد قولي الشافعي ، وهو تحصيل مذهب مالك عند المتأخرين من أصحابه البغداديين .

[ ص: 129 ] 4413 - قال أبو عمر : محتمل أن يكون قوله : إذا كبر فكبروا فيما عدا الإحرام ; لأن تكبيرة الإحرام قد باينت سائر التكبير بالدلائل التي أوردنا . على أن في حديث أبي موسى : " فإن الإمام يركع قبلكم ، ويرفع قبلكم " .

4414 - واختلفوا في الوقت الذي يكبر فيه الإمام للإحرام .

4415 - فقال مالك ، والشافعي ، وأبو يوسف ، ومحمد بن الحسن - : لا يكبر حتى يفرغ المؤذن من الإقامة ، وبعد أن تعتدل الصفوف ، ويقوم الناس في مقاماتهم .

4416 - والحجة لهم حديث أنس : أقبل علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل أن يكبر في الصلاة ، فقال : " أقيموا صفوفكم ، وتراصوا ; فإني أراكم من وراء ظهري " .

[ ص: 130 ] 4417 - وعن عمر وعثمان مثل ذلك في حال التكبير للإحرام : حتى تفرغ الإقامة ، وتستوي الصفوف .

4418 - وقال أبو حنيفة ، والثوري ، وزفر - : لا يكبر الإمام قبل فراغ المؤذن من الإقامة ، ويستحبون أن يكون تكبير الإمام في الإحرام إذا قال المؤذن : قد قامت الصلاة .

4419 - وحجتهم حديث الثوري عن عاصم الأحول ، عن أبي عثمان النهدي ، عن بلال ، قلت : " يا رسول الله ، لا تسبقني بآمين " . وقد ذكرنا إسناده فيما تقدم من هذا الكتاب ، وهو يدل على أنه كان يكبر قبل فراغ بلال من الإقامة .

4420 - واختلفوا أيضا في التكبير فيما عدا الإحرام : هل يكون مع العمل أو بعده ؟ .

4421 - فذهب مالك وأصحابه إلى أن التكبير يكون في حال الرفع والخفض حين ينحط إلى الركوع وإلى السجود ، وحين يرفع عنهما ، إلا في القيام من الجلسة الأولى ; فإن الإمام وغيره لا يكبر حتى يستوي قائما ، فإذا اعتدل قائما كبر ، ولا يكبر إلا واقفا ، كما لا يكبر في الإحرام إلا واقفا ، ما لم تكن ضرورة .

4422 - وروي نحو ذلك عن عمر بن عبد العزيز .

4423 - وقال أبو حنيفة ، والثوري ، والشافعي ، وجمهور العلماء - : التكبير في القيام من اثنتين وغيره سواء ، يكبر في حال الرفع والخفض والقيام والقعود ، على حديث ابن مسعود بذلك عن النبي - عليه السلام - . وهو ظاهر أحاديث الموطأ [ ص: 131 ] المرفوعة . وقول ابن عمر وجابر في الموطأ بمثل ذلك أيضا .

4423 م - وقد أشبعنا هذا المعنى في التمهيد . والحمد لله .

4424 - وقد مضى في هذا الباب بالدلائل الواضحة ما بان به أن تكبيرة الإحرام فرض واجب .

4425 - وإذا كان ذلك كذلك صح أن الإمام لا يحملها عن المأموم ; لأنه لا يحمل عنه فرضا .

4426 - وقد أتى عن مالك وبعض أصحابه في المأموم ينسى تكبيرة الإحرام ما نورده بعد ، ونوضح ضعفه ووهنه ; لأنهم خرجوا فيه عما أصلوه في وجوب التكبير للإحرام إلى قول من لم يوجبه ، وراعوا في ذلك ما لا تجب مراعاته من اختلاف السلف في وجوب تكبيرة الإحرام .

4427 - والاختلاف ليس بحجة ، إنما الحجة في الإجماع . وبالله التوفيق .

4428 - وأجمع جمهور العلماء على أن التكبير في افتتاح الصلاة لا يجزئ منه غيره من سائر الذكر ; تهليلا كان ، أو تسبيحا ، أو تحميدا .

4429 - وعلى هذا مذهب الحجازيين : مالك ، والشافعي ، ومن اتبعهم وأكثر العراقيين .

[ ص: 132 ] 4430 - وروي عن الحكم بن عتبة ، قال : إذا ذكر الله مكان التكبير أجزأه .

4431 - وقال أبو حنيفة : إن افتتح بلا إله إلا الله يجزيه ، وإن قال : اللهم اغفر لي لم يجزه .

4432 - ولا يجزئ عند مالك إلا " الله أكبر " لا غيره .

4433 - وكذلك قال الشافعي ، وزاد : ويجزي " الله الأكبر " ، ولا يجزي عند المالكيين " الله الأكبر " .

4434 - وقال أصحاب مالك ، والشافعي ، وأصحابه ، وأبو يوسف ، ومحمد بن الحسن - : من أحسن العربية لم يجزه أن يكبر بالفارسية .

4435 - وقال أبو حنيفة : يجزيه التكبير بالفارسية ، وإن كان يحسن العربية ، وكذلك لو قرأ بالفارسية عنده .

[ ص: 133 ] 4436 - وأما من نسي من المأمومين تكبيرة الافتتاح فلم يذكرها حتى صلى ، ولا كبر للركوع تكبيرة ينوي بها الإحرام - فلا صلاة له عند جمهور الفقهاء ، منهم : مالك ، والثوري ، وربيعة بن أبي عبد الرحمن ، وإبراهيم النخعي ، وأحمد بن حنبل ، وأبو حنيفة ، والشافعي ، وإسحاق ، وأبو ثور .

4437 - واختلف في ذلك عن حماد بن أبى سليمان ، والصحيح عنه أنه قال : يعيد صلاته ، ويستأنف كقول إبراهيم .

4438 - وقال الحكم : تجزيه تكبيرة الركوع ، وهو قول سعيد بن المسيب ، والحسن البصري ، والزهري ، والأوزاعي . فإن نوى بتكبيرة الركوع الافتتاح والركوع أجزأه عند مالك إن كان في حال الدخول للصف ، وكان الإمام راكعا . ولا يجزيه عند الشافعي ، إلا أن يبدأ بنية في تكبيرة الإحرام للإحرام ، لا للركوع ، فإن نوى بتكبيرة الإحرام الإحرام والركوع بطلت عنده صلاته ، وعليه إعادتها .

4439 - وكذلك كل من كبر للإحرام منحطا للركوع ، لا يجزيه حتى يكون قائما معتدلا . فإن هوى بشيء من تكبيرة الإحرام ، ولم يتمها معتدلا قطع بسلام ، وابتدأ الإحرام .

4440 - هذا كله قول الشافعي . وبالله التوفيق .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث