الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

189 [ ص: 190 ] ( 9 ) باب القراءة خلف الإمام فيما لا يجهر فيه بالقراءة

161 - حدثني يحيى عن مالك ، عن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب أنه سمع أبا السائب مولى هشام بن زهرة يقول : سمعت أبا هريرة يقول : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج ، هي خداج ، هي خداج غير تمام " . قال : فقلت : يا أبا هريرة ، إني أحيانا أكون وراء الإمام ، قال : فغمز ذراعي ، ثم قال : اقرأ بها في نفسك يا فارسي ; فإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " قال الله - تبارك ، وتعالى - " قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ; فنصفها لي ، ونصفها لعبدي . ولعبدي ما سأل " . قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " اقرأوا ; يقول العبد : " الحمد لله رب العالمين " ، يقول الله - تبارك ، وتعالى - : حمدني عبدي . ويقول العبد : " الرحمن الرحيم " ، يقول الله : أثنى علي عبدي . ويقول العبد : " مالك يوم الدين " ، يقول الله : مجدني عبدي . يقول العبد : " إياك نعبد وإياك نستعين " ; فهذه الآية بيني وبين عبدي ، ولعبدي ما سأل . يقول العبد : " اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين " ; فهؤلاء لعبدي ، ولعبدي ما سأل " .

[ ص: 191 ]

التالي السابق


[ ص: 191 ] 4675 - وقد ذكرنا في التمهيد من روى هذا الحديث كما رواه مالك عن العلاء ، عن أبي السائب ، عن أبي هريرة ، ومن رواه عن العلاء ، عن أبيه وأبي السائب ; جميعا عن أبي هريرة .

4676 - وهي رواية غريبة عن مالك ، ومعروفة عن عقيل ، عن ابن شهاب ، عن أبي السائب ، عن أبي هريرة . وأخطأ فيه زياد بن يونس ، ومحمد بن خالد بن عثمة ; فروياه عن مالك ، عن ابن شهاب ، عن محمد بن عبادة بن الصامت ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " كل صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج " .

4677 - وفي حديث زياد بن يونس بهذا الإسناد : " من لم يقرأ بفاتحة الكتاب فصلاته خداج " .

4678 - وهذا وهم وغلط ; لإدخال حديث أبي هريرة في حديث عبادة ، وإنما لفظ حديث عبادة : " لا صلاة لمن لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب " .

[ ص: 192 ] 4679 - على أنه غريب جدا من حديث مالك ، ومحفوظ لابن عيينة وجماعة عن الزهري . ولفظ حديث أبي هريرة : " كل صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج " .

4680 - وفي حديث أبي هريرة هذا من الفقه : إيجاب قراءة فاتحة الكتاب في كل صلاة ، وأن الصلاة إذا لم يقرأ فيها فاتحة الكتاب فهي خداج ، وإن قرئ فيها بغيرها من القرآن .

4681 - والخداج : النقصان ، والفساد ، من قولهم : أخدجت الناقة ، وخدجت : إذا ولدت قبل تمام وقتها وقبل تمام الخلق ، وذلك نتاج فاسد .

4682 - وأما تحرير أهل البصرة فيقولون : إن هذا اسم خرج على المصدر ، يقولون : أخدجت الناقة ولدها : إذا ولدته ناقصا للوقت ; فهي مخدج ، والولد مخدج ، والمصدر الإخداج .

4683 - وأما خدجت : فرمت بولدها قبل الوقت ناقصا ، أو تاما ; فهي خادج ، والولد مخدوج وخديج . وهذا كله قول الخليل ، وأبي حاتم ، والأصمعي .

4684 - وقال الأخفش : خدجت الناقة : إذا ألقت ولدها لغير تمام ، وأخدجت : إذا قذفت به قبل الوقت ، وإن كان تام الخلق .

[ ص: 193 ] 4685 - وقد زعم من لم يوجب قراءة فاتحة الكتاب في الصلاة ، وقال : هي وغيرها سواء ، وإن قوله : خداج - يدل على جواز الصلاة ; لأنه نقصان ، والصلاة الناقصة جائزة .

4686 - وهذا تحكم فاسد . والنظر يوجب في النقصان ألا تجوز معه الصلاة ; لأنها صلاة لم تتم .

4687 - ومن خرج من صلاة قبل أن يتمها فعليه إعادتها تامة كما أمر على حسب حكمها .

4688 - ومن ادعى أنها تجوز مع إقراره بنقصها فعليه الدليل ، ولا سبيل إليه من وجه يلزم . والله أعلم .

4689 - وأما اختلاف العلماء في هذا الباب فإن مالكا ، والشافعي ، وأحمد بن حنبل ، وإسحاق ، وأبا ثور ، وداود - قالوا : لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب .

4690 - قال ابن خويز منداد : وهي عندنا معينة في كل ركعة ، قال : ولم يختلف قول مالك أن من نسيها في ركعة من صلاة ركعتين : إنها تبطل إن لم يأت بركعة يصلها بالركعة التي قرأ فيها ، ولا تجزيه .

4691 - واختلف قوله فيمن نسيها في ركعة من صلاة ثلاثية أو رباعية : فقال مرة : لا يعتد بتلك الركعة ، ويأتي بركعة يضيفها إلى الثلاث التي قرأ فيها بفاتحة الكتاب ، ويسجد بعد التسليم ، كالذي نسي سجدة ويذكر قبل السلام سواء ، فإن [ ص: 194 ] لم يفعل وسلم ، أو تكلم ، أو طال ذلك - أعاد الصلاة .

4692 - وهو قول ابن القاسم ، وروايته ، واختياره .

4693 - وقال في قول مالك الآخر : إنه ليس عنده بالبين .

4694 - وقال مالك مرة أخرى : يسجد سجدتي السهو وتجزيه ، وهي رواية ابن عبد الحكم عنه .

4695 - قال ابن عبد الحكم : وقد قيل : إنه يعيد تلك الركعة ، ويسجد للسهو بعد السلام .

4696 - وقال مرة : يسجد سجدتي السهو قبل السلام ، ثم يعيد الصلاة .

4697 - وقال الشافعي وأحمد بن حنبل : لا تجزيه صلاته حتى يقرأ بفاتحة الكتاب في كل ركعة .

4698 - وهو قول جابر بن عبد الله على ما تقدم .

4699 - وقال أبو حنيفة والثوري والأوزاعي : إن تركها عامدا في صلاته كلها وقرأ غيرها أجزأه ، على اختلاف عن الأوزاعي في ذلك .

4700 - وقال الطبري : يقرأ المصلي بأم القرآن في كل ركعة ، فإن لم يقرأ بها لم يجزه إلا مثلها من القرآن : عدة آياتها وحروفها .

4701 - وقال أبو حنيفة : لا بد في الأوليين من قراءة ، أقل ذلك في كل ركعة منها آية .

[ ص: 195 ] 4702 - وقال أبو يوسف ومحمد : أقله ثلاث آيات ، أو آية طويلة كآية الدين .

4703 - وقال مالك : إذا لم يقرأ أم القرآن في الأوليين أعاد ، ولم يختلف قوله في ذلك إلا ما روي عنه في ركعتين لم يخص أوليين من غيرها ، ومذهبه القراءة بها في الصلاة كلها ، فإن نسيها في ركعة أو ركعتين فجوابه ما تقدم ذكره .

4704 - وقال الشافعي : أقل ما يجزئ المصلي من القراءة أن يقرأ بفاتحة الكتاب إن أحسنها ، وإن لم يحسنها - وهو يحسن غيرها من القرآن - قرأ بعددها سبع آيات لا يجزيه دون ذلك . فإن لم يحسن شيئا من القرآن حمد الله وكبر مكان القراءة ، لا يجزيه غيره حتى يتعلمها .

4705 - قال : ومن أحسن فاتحة الكتاب فإن ترك منها حرفا واحدا وخرج من الصلاة أعاد الصلاة .

4706 - وروي عن عمر ، وابن عباس ، وأبي هريرة ، وأبي سعيد الخدري ، وعثمان بن أبي العاص ، وخوات بن جبير - أنهم قالوا : لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب ، وهو قول ابن عمر والمشهور من مذهب الأوزاعي .

4707 - وأجمع العلماء على إيجاب القراءة في الركعتين الأوليين من صلاة أربع على حسب ما ذكرنا من اختلافهم في فاتحة الكتاب وغيرها .

4708 - واختلفوا في الركعتين الأخريين ; فمذهب مالك ، والشافعي ، وأحمد ، [ ص: 196 ] وإسحاق ، وأبي ثور ، وداود - أن القراءة فيهما بفاتحة الكتاب واجبة على الإمام والمنفرد . ومن أبى منهم أن يقرأ فيهما بفاتحة الكتاب فلا صلاة له ، وعليه إعادتها .

4709 - إلا أن مالكا اختلف قوله في الناسي لقراءتها في ركعة على ما ذكرنا عنه .

4710 - وقال الطبري : القراءة فيهما واجبة ، ولم يعين أم القرآن من غيرها .

4711 - وقد ذكرنا في التمهيد حديث أبي قتادة ، قال : " كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأ في الظهر والعصر في الركعتين الأوليين بأم القرآن وسورة ، وفي الأخريين بأم القرآن ، وكان يسمعنا الآية أحيانا " .

[ ص: 197 ] 4712 - وذكرنا هناك أيضا حديث ابن عمر : " أنه جاء رجل فقال : يا أبا عبد الرحمن ، هل في الظهر والعصر قراءة ؟ فقال : " وهل تكون صلاة بغير قراءة " .

4713 - قال أبو عمر : معلوم أن الركعة الواحدة صلاة ; فلا تجوز إلا بقراءة ، وكل ركعة كذلك .

4714 - وقال أبو حنيفة : القراءة في الآخرتين لا تجب ، وكذلك قال الثوري والأوزاعي .

4715 - قال الثوري : يسبح في الآخرتين أحب إلي من أن يقرأ ، وهو قول جماعة الكوفيين وسلف أهل العراق .

4716 - وقال الثوري ، وأبو حنيفة ، وأصحابه : يقرأ في الركعتين الأوليين ، وأما في الأخريين ; فإن شاء سبح ، وإن شاء قرأ .

4717 - وإن لم يقرأ ، ولم يسبح ، جازت صلاته . وهو قول إبراهيم النخعي ، ورواه أهل الكوفة عن علي ، وروى عنه أهل المدينة خلاف ذلك .

4718 - قال أبو عمر : روي عن علي ، وجابر بن عبد الله ، والحسن ، وعطاء ، والشعبي ، وسعيد بن جبير : القراءة في الركعتين الآخرتين من الظهر [ ص: 198 ] والعصر بفاتحة الكتاب في كل ركعة منها ، وثبت ذلك عن النبي - عليه السلام - ; فلا وجه لمن خالفه . وبالله التوفيق .

4719 - واختلفوا فيمن ترك القراءة في كل ركعة .

4720 - فأما مالك فقد ذكرنا مذهبه واختلاف الرواية عنه .

4721 - وقال الأوزاعي : من قرأ في نصف صلاته مضت صلاته ، وإن قرأ في ركعة واحدة من المغرب أو الظهر أو العصر أو العشاء ، ونسي أن يقرأ فيما بقي من صلاته - أعاد صلاته .

4722 - وأما إسحاق بن راهويه فقال : إذا قرأ في ثلاث ركعات إماما كان أو منفردا فصلاته جائزة ; لما أجمع الناس عليه : أن من أدرك الركوع أدرك الركعة .

4723 - قال أبو عمر : قاس إسحاق الإمام والمنفرد في القراءة على المأموم فأخطأ القياس ; لأن الإمام والمنفرد لا يحمل غيره عنه شيئا من صلاته ، ولا يقلب أحد عليه رتبة صلاته ، ولا يقلبها هو ; فتجزئ عنه .

4724 - وقال الثوري : إن قرأ في ركعة من الصبح ولم يقرأ في الأخرى أعاد الصلاة ، وإن قرأ في ركعة من الظهر أو العصر أو العشاء ، ولم يقرأ في الثلاث - أعاد .

4725 - وروي عن الحسن البصري أنه قال : إذا قرأت في ركعة واحدة من الصلاة أجزأك ، وقال به أكثر فقهاء البصرة .

4726 - وقال المغيرة بن عبد الرحمن المخزومي المدني : إذا قرأ بأم القرآن مرة [ ص: 199 ] واحدة في الصلاة أجزته ، ولم تكن عليه إعادة ; لأنها صلاة قد قرأ فيها بأم القرآن ، فهي تمام ، ليست بخداج .

4727 - وقد روي عن مالك قول شاذ لا يعرفه أصحابه ، وينكره أهل العلم به - أن الصلاة تجزئ بغير قراءة على ما روي عن عمر . وهي عن مالك رواية منكرة ، والصحيح عنه خلافها ، وقد ذكرنا ذلك عنه .

4728 - وقال الشافعي : عليه أن يقرأ في كل ركعة بفاتحة الكتاب ، لا تجزئ الركعة إلا بها .

4729 - قال : وكما لا ينوب سجود ركعة ولا ركوعها عن ركعة أخرى - فكذلك لا تنوب قراءة ركعة عن غيرها .

4730 - وهو ظاهر قول جابر . وبه قال عبد الله بن عون ، وأيوب السختياني ، وأبو ثور ، وداود ، وروي مثله عن الأوزاعي .

4731 - قال أبو عمر : قد أوضحنا الحجة في وجوب قراءة فاتحة الكتاب في كل ركعة من طريق النظر والأثر في كتاب التمهيد .

4732 - وأما من أجاز القراءة بغيرها فمحجوج بحديث هذا الباب ، وبقوله عليه السلام : " لا صلاة لمن لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب " .

[ ص: 200 ] 4733 - ولا معنى لقول من قال : يأتي بعدد حروفها وآياتها ; لأن التعيين لها والنص عليها قد خصها بهذا الحكم دون غيرها ، ومحال أن يجيء بالبدل منها من وجبت عليه فتركها وهو قادر عليها ، وإنما عليه أن يجيء بها وبعدد آياتها كسائر المفروضات المعينات في العبادات .

4734 - وأما قوله في هذا الحديث : قال - تعالى - : " قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ; فنصفها لي ، ونصفها لعبدي ، ولعبدي ما سأل " . قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " اقرؤوا ; يقول العبد : الحمد لله رب العالمين " ، فبدأ بالحمد لله رب العالمين ولم يقل : بسم الله الرحمن الرحيم ; فهذا أوضح شيء وأبينه أن " بسم الله الرحمن الرحيم " ليست آية من فاتحة الكتاب ; لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بدأ ب " الحمد لله رب العالمين " ; فجعلها آية ، ثم " الرحمن الرحيم " آية ، ثم " مالك يوم الدين " آية .

4735 - فهذه ثلاث آيات لم يختلف فيها المسلمون ، وجاء في هذا الحديث أنها له تبارك اسمه ، ثم الآية الرابعة جعلها بينه وبين عبده ، ثم ثلاث آيات لعبده تتمة سبع آيات .

4736 - فهذا يدل على أن " أنعمت عليهم " آية ، ثم الآية السابعة إلى آخر السورة .

4737 - وهكذا تكون نصفين بين العبد وبين ربه ; لأنه قال في قوله " اهدنا الصراط المستقيم " إلى آخر السورة - : فهؤلاء لعبدي ، ولعبدي ما سأل .

[ ص: 201 ] 4738 - وهؤلاء إشارة إلى جماعة من يعقل وما لا يعقل ، وأقل الجماعة ثلاثة .

4739 - فعلمنا بقوله : هؤلاء أنه أراد هؤلاء الآيات ، والآيات أقلها ثلاث ; لأنه لو أراد اثنتين لقال : هاتان ، ولو أراد واحدة لقال : هذه بيني وبين عبدي .

4740 - وإذا كان من قوله : " اهدنا " إلى آخر السورة - ثلاث آيات ; كانت السبع آيات من قوله : " الحمد لله رب العالمين " إلى قوله : " ولا الضالين " ، وصحت قسمة السبع على السواء : ثلاث وثلاث ، وآية بينهما .

4741 - قال في الأولى : " حمدني عبدي " ، وفي الثانية : " أثنى علي عبدي " ، وفي الثالثة : " مجدني عبدي " ، وفي الرابعة : " هذه بيني وبين عبدي " ، ثم قال في قوله : " اهدنا الصراط المستقيم " إلى آخر السورة - : " هؤلاء لعبدي ، ولعبدي ما سأل " .

4742 - فلما قال : هؤلاء علمنا أنها ثلاث آيات ، وتقدمت أربعة تتمة سبع آيات ، ليس فيها " بسم الله الرحمن الرحيم " ، وقد أجمعت الأمة أن فاتحة الكتاب سبع آيات .

4743 - وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " هي السبع المثاني " .

[ ص: 202 ] 4744 - وأجمع القراء والفقهاء على أنها سبع آيات ، إلا أنهم اختلفوا : فمن جعل " بسم الله الرحمن الرحيم " آية من فاتحة الكتاب - لم يعد " أنعمت عليهم " آية ، ومن لم يجعل " بسم الله الرحمن الرحيم " آية - عد " أنعمت عليهم " آية . وهو عدد أهل المدينة وأهل الشام وأهل البصرة .

4745 - وأما أهل مكة وأهل الكوفة من القراء والفقهاء - فإنهم عدوا فيها " بسم الله الرحمن الرحيم " آية ، ولم يعدوا " أنعمت عليهم " .

4746 - وهذا الحديث أبين ما يروى عن النبي - عليه السلام - في سقوط " بسم الله الرحمن الرحيم " من آي فاتحة الكتاب ، وهو قاطع لموضع الخلاف .

4747 - فإن قيل : كيف تكون قسمة الصلاة عبارة عن السورة ، وهو يقول : " قسمت الصلاة " ، ولم يقل : قسمت السورة ؟ .

4748 - قيل : معلوم أن القراءة يعبر بها عن الصلاة ، كما قال : " وقرآن الفجر " [ الإسراء : 78 ] ; أي قراءة صلاة الفجر ، فجائز أن يعبر أيضا بالصلاة عن القراءة والقرآن .

4749 - ومن حجة من قال : إن " بسم الله الرحمن الرحيم " ليست آية من فاتحة الكتاب ، ولا من غيرها إلا في سورة النمل في قوله - تعالى - : " إنه من سليمان [ ص: 203 ] وإنه بسم الله الرحمن الرحيم " [ النمل : 30 ] - قوله ، تعالى ، : " ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا " [ النساء : 82 ] ، والاختلاف موجود في " بسم الله الرحمن الرحيم " ; فعلمنا أنها ليست من كتاب الله ; لأنه تعالى قد نفى الاختلاف عن كتابه بما تلونا ، وبقوله تعالى : " إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون " [ الحجر : 9 ] .

4750 - ومن جهة الأثر ما ثبت عن النبي - عليه السلام - ، وعن أبي بكر ، وعمر ، وعثمان - أنهم كانوا يفتتحون القراءة ب " الحمد لله رب العالمين " .

4751 - وروي في هذا الحديث عن أنس قال : " صليت خلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وخلف أبي بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعلي - فكانوا يستفتحون القراءة ب " الحمد لله رب العالمين " .

4752 - ومن رواة هذا الحديث من يقول فيه : فكانوا لا يقرؤون " بسم الله الرحمن الرحيم " .

4753 - وقالت عائشة : " كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يفتتح الصلاة بالتكبير ، والقراءة ب " الحمد لله رب العالمين " .

4754 - وقال أبو نعامة ، قيس بن عباية الحنفي ، عن ابن عبد الله بن مغفل ، [ ص: 204 ] قال : " سمعني أبي وأنا أقرأ " بسم الله الرحمن الرحيم " ; فقال لي : يا بني ، إياك والحدث ; فإني صليت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وأبي بكر ، وعمر ، فلم أسمع منهم أحدا يقولها ، فإذا قرأت فقل : " الحمد لله رب العالمين " .

4755 - وقد ذكرنا هذه الآثار من طرق بأسانيدها في التمهيد .

4756 - فهذه الآثار التي احتج بها من كره قراءة " بسم الله الرحمن الرحيم " في الصلاة ، ومن أبى من أن يعدها آية من فاتحة الكتاب ، وهي أحاديث حسان رواها العلماء المعروفون ، إلا حديث ابن مغفل ; فإنه حديث ضعيف ; لأنه لم يعرف ابن عبد الله بن مغفل .

4756 م - وللعلماء في " بسم الله الرحمن الرحيم " أقاويل :

[ ص: 205 ] 4757 - فجملة مذهب مالك وأصحابه أنها ليست عندهم آية من فاتحة الكتاب ولا من غيرها من سور القرآن إلا في سورة النمل ، وأنه لا يقرأ بها المصلي في المكتوبة في فاتحة الكتاب ولا في غيرها سرا ولا جهرا .

4758 - قال مالك : ولا بأس أن يقرأ بها في النافلة ، ومن يعرض القرآن عرضا .

4759 - هذا هو المشهور من مذهب مالك عند أصحابه ، وعليه يناظر المالكيون من خالفهم .

4760 - وقد ذكر إسماعيل القاضي عن أبي ثابت ، عن ابن نافع ، عن مالك أنه قال : لا يقرأ ب " بسم الله الرحمن الرحيم " في الفريضة والنافلة .

4761 - هكذا وجدته في نسخة صحيحة من المبسوط عن أبي ثابت عن ابن نافع عن مالك ، وإنما هو محفوظ لابن نافع .

4762 - وروى يحيى بن يحيى عن ابن نافع ، قال : لا أرى أن يتركها في فريضة ولا نافلة ، وهو قول الشافعي .

4763 - قال أبو عمر : للشافعي في " بسم الله الرحمن الرحيم " قولان :

4764 - ( أحدهما ) : أنها الآية الأولى من فاتحة الكتاب دون غيرها من السور التي أثبتت في أوائلها .

4765 - ( والقول الآخر ) : هي آية من أول كل سورة .

4766 - وكذلك اختلف أصحابه على القولين جميعا ، والأول أشهر القولين عنه .

[ ص: 206 ] 4767 - وقال عمرو بن هاشم : صليت خلف الليث بن سعد فكان يجهر ب " بسم الله الرحمن الرحيم " ، وبآمين .

4768 - وروى الليث عن خالد بن يزيد ، عن سعيد بن أبي هلال ، عن نعيم بن عبد الله المجمر ، قال : " صليت خلف أبي هريرة ، فقرأ " بسم الله الرحمن الرحيم " قبل أم القرآن وقبل السورة ، وكبر في الخفض والرفع ، وقال : أنا أشبهكم صلاة برسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

4769 - وقال أحمد بن حنبل ، وإسحاق بن راهويه ، وأبو ثور ، وأبو عبيد - : هي آية من فاتحة الكتاب .

4770 - حدثنا عبيد بن محمد ، حدثنا الحسن بن سلمة ، حدثنا ابن الجارود ، حدثنا إسحاق بن منصور ، قال : قلت لإسحاق بن راهويه : رجل صلى صلوات فلم يقرأ فيها " بسم الله الرحمن الرحيم " مع " الحمد لله رب العالمين " ، قال : يعيد الصلوات كلها .

4771 - قال أبو عمر : هذا قول كل من جعلها الآية الأولى من فاتحة الكتاب ، وأوجب قراءة فاتحة الكتاب في كل ركعة .

4772 - وأما أصحاب أبي حنيفة فزعموا أنهم لا يحفظون عنه هل هي آية من فاتحة الكتاب أم لا .

[ ص: 207 ] 4773 - ومذهبه أنه يسر بها في الجهر والسر .

4774 - وقال داود : هي آية من القرآن في كل موضع وقعت فيه ، وليست هي من السورة ، وإنما هي آية مفردة غير ملحقة بالسور .

4775 - وزعم الرازي أبو بكر أن مذهب أبي حنيفة هكذا .

4776 - وقال عطاء : هي آية من أم القرآن .

4777 - واتفق أبو حنيفة والثوري على أن الإمام يقرأ " بسم الله الرحمن الرحيم " في أول فاتحة الكتاب سرا ، ويخفيها في صلاة الجهر وغيرها ، يخصها بذلك .

4778 - وروي مثل ذلك عن عمر ، وعلي ، وابن مسعود ، وعمار ، وابن الزبير .

4779 - وهو قول الحكم وحماد .

4780 - وبه قال أحمد بن حنبل وأبو عبيد .

4781 - وروي عن الأوزاعي مثل ذلك .

[ ص: 208 ] 4782 - وروي أيضا عن الأوزاعي أنه لا يقرؤها في المكتوبة سرا ولا جهرا ، ولا هي آية من فاتحة الكتاب .

4783 - وهو قول الطبري .

4784 - وقال الشافعي : يجهر بها في صلاة الجهر ; لأنها أول آية من فاتحة الكتاب .

4785 - وبه قال داود على اختلاف عنه ، وكذلك اختلف أصحابه .

4786 - وروي قول الشافعي عن ابن عمر ، وابن عباس ، وطاوس ، ومجاهد ، وسعيد بن جبير ، وعطاء ، وعمرو بن دينار ، لم يختلف عن واحد من هؤلاء في ذلك ، واختلف فيه عن عمر وابن الزبير .

4787 - حدثنا عبد الوارث ، حدثنا قاسم ، حدثنا محمد بن إبراهيم ، حدثنا عبدان ، حدثنا الحسين بن يحيى وأبو الأشعث ، قالا : حدثنا المعتمر عن إسماعيل بن حماد ، عن أبي خالد ، عن ابن عباس : " أن النبي - عليه السلام - كان يجهر [ ص: 209 ] ب " بسم الله الرحمن الرحيم " .

[ ص: 210 ] 4788 - حدثنا عبد الوارث ، حدثنا قاسم ، حدثنا ابن وضاح ، حدثنا أبو بكر ، حدثنا حفص بن غياث ، عن ابن جريج ، عن ابن مليكة ، عن أم سلمة ، قالت : " كان النبي - عليه السلام - يقرأ : " بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين " .

4789 - أخبرنا عبد الله بن محمد ، حدثنا أحمد بن جعفر بن حمدان ، حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ، حدثنا أبي ، قال : حدثنا يحيى بن سعيد الأموي ، قال حدثنا ابن جريج عن عبد الله بن أبي مليكة ، عن أم سلمة أنها سئلت عن قراءة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقالت : كان يقطعها آية آية : " بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين " .

4790 - قال أبو عمر : أما من قرأ بها سرا في صلاة السر ، وجهر بها في صلاة الجهر - فحجته أنها أول آية من فاتحة الكتاب ، والمناظرة بينه وبين من خالفه في ذلك .

4791 - وأما من أسر بها في الجهر والسر فإنما مال إلى الأثر ، وقرأها من جهة الحكم بخبر الواحد الموجب للعمل دون العلم .

4792 - واحتجوا من الأثر في ذلك بما رواه منصور بن زاذان عن أنس بن مالك ، قال : " صلى بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم يسمعنا قراءة ( بسم الله الرحمن [ ص: 211 ] الرحيم " .

4793 - وبما رواه عمار بن زريق عن الأعمش ، عن شعبة ، عن ثابت ، عن أنس ، قال : " صليت خلف النبي - عليه السلام - ، وخلف أبي بكر وعمر ، فلم أسمع أحدا منهم يجهر ب " بسم الله الرحمن الرحيم " " .

4794 - وقد روي عن شعبة وسعيد بن أبي عروبة عن قتادة ، عن أنس - مثل ذلك .

[ ص: 212 ] 4795 - وكذلك رواه هشام الدستوائي عن قتادة ، عن أنس .

4796 - وقد ذكرنا هذه الأحاديث بأسانيدها وطرقها في كتاب " الإنصاف فيما بين المختلفين في " بسم الله الرحمن الرحيم " من الخلاف " ، وفيها " أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يجهر بها " .

4797 - وفي ذلك دليل على أنه كان يخفيها .

4798 - فقال بهذا من رأى أن يخفيها ، ورووا عن علي " أنه كان لا يجهر ب " بسم الله الرحمن الرحيم " ، وكان يجهر ب " الحمد لله رب العالمين " .

4799 - وروى الثوري عن عبد الملك بن أبي بشير ، عن عكرمة ، عن ابن [ ص: 213 ] عباس ، قال : " الجهر ب " بسم الله الرحمن الرحيم " قراءة الأعراب .

4800 - حدثنا أحمد بن قاسم بن عبد الرحمن ، ومحمد بن عبد الله بن حكم ، قالا : حدثنا محمد بن معاوية ، قال : حدثنا أبو خليفة ، الفضل بن الحباب ، قال : حدثنا أبو الوليد الطيالسي ، قال : حدثنا قيس بن الربيع ، قال : حدثنا عاصم بن كليب ، عن أبيه أن عليا - رضي الله عنه - كان لا يجهر ب " بسم الله الرحمن الرحيم " .

4801 - قال : وحدثنا أبو الوليد ، قال : حدثنا قيس عن الشعبي ، عن الحارث ، عن علي أنه كان لا يجهر ب " بسم الله الرحمن الرحيم " .

4802 - وروى منصور وحماد ومغيرة عن إبراهيم أنه قال : أربع يخفيهن الإمام ، ويقولها سرا : الاستعاذة ، و " بسم الله الرحمن الرحيم " ، وآمين ، وربنا لك الحمد .

4803 - وروى الكوفيون عن عمرو بن مسعود مثل ذلك بأسانيد ليست بالقوية .

4804 - وكان إبراهيم النخعي يقول : الجهر ب " بسم الله الرحمن الرحيم " بدعة .

4805 - وقد ذكرنا هذا الوجه ، وزدناه بيانا في كتابنا : كتاب الإنصاف . والحمد لله .

[ ص: 214 ] 4806 - وقد تقول بعض العلماء . . . " بدعة " ، فيما هو عند مخالفة سنة .

4807 - وأما الذين أثبتوها آية في أول فاتحة الكتاب ، وفي أول كل سورة - فإنهم قالوا : إن المصحف لم يثبت الصحابة فيه ما ليس من القرآن ; لأنه محال أن يضيفوا إلى كتاب الله من الذكر ما ليس منه ، ويكتبوه بالمداد كما كتبوا القرآن .

4808 - هذا ما لا يجوز لأحد أن يضيفه إليهم .

4809 - ألا ترى أن الذين رأوا الشكل فيه كرهوه ، وقالوا : نمشتم المصحف ، كيف يضيفون إليه ما ليس منه ؟ .

4810 - واحتجوا من الأثر بما رواه سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : " كان النبي - عليه السلام - لا يعرف فصل السورة حتى ينزل عليه " بسم الله الرحمن الرحيم " . ذكره أبو داود .

4811 - حدثنا قتيبة بن سعيد ، حدثنا ابن عيينة ، وكذلك رواه الحميدي ، وعلي بن المدني ، وابن أبي عمر ، وغيرهم ، عن ابن عيينة ، وبما رواه محمد بن فضيل عن المختار بن فلفل ، عن أنس ، قال : " سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : أنزلت علي سورة ، فقرأ " بسم الله الرحمن الرحيم إنا أعطيناك الكوثر " [ سورة [ ص: 215 ] الكوثر : 1 ] حتى ختمها ، ثم قال : أتدرون ما الكوثر ؟ نهر في الجنة وعدنيه ربي .

4812 - روى ابن جريج عن ابن أبي مليكة ، عن أم سلمة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا قرأ بأم القرآن بدأ ب " بسم الله الرحمن الرحيم " ، فعدها آية ، ثم قرأ " الحمد لله " فعدها ست آيات .

4813 - وروى ابن جريج ، قال : حدثني عبد الله بن عثمان بن خثيم عن أبي بكر بن حفص بن عمر بن سعد بن أبي وقاص ، عن أنس بن مالك ، قال : " صلى معاوية للناس بالمدينة العتمة ، فلم يقرأ " بسم الله الرحمن الرحيم " ولم يكبر بعض التكبير الذي يكبر الناس ، فلما انصرف ناداه من سمع ذلك من المهاجرين والأنصار ، فقالوا : يا معاوية ، أسرقت الصلاة أم نسيت ؟ . أين " بسم الله الرحمن الرحيم " ، والله أكبر حين تهوي ساجدا ؟ . فلم يعد معاوية لذلك بعد " .

[ ص: 216 ] [ ص: 217 ] 4814 - ذكره الشافعي عن عبد المجيد بن عبد العزيز ، وعن ابن جريج ، وذكره عبد الرزاق عن ابن جريج ، فلم يذكر أنس بن مالك .

4815 - وعبد المجيد أيضا أقعد من ابن جريج وأضبط لحديثه من عبد الرزاق .

[ ص: 218 ] 4816 - وذكر عباس الدوري عن يحيى بن معين أنه سئل عن عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد ، فقال : ثقة ، كان أعلم الناس بحديث ابن جريج ، وكان أصحابه يصلحون كتبهم بكتابه .

4817 - قال عبد الرزاق : وأخبرنا ابن جريج ، قال : أخبرني أبي ، أخبرنا سعيد بن جبير أن ابن عباس قال في قوله : " ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم " [ الحجر : 87 ] - قال : أم القرآن .

4818 - قال : وقرأها علي سعيد كما قرأتها عليك ، ثم قال : " بسم الله الرحمن الرحيم " الآية السابقة .

4819 - قال عبد الرزاق : فقرأ علي ابن جريج " بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين " إلى " ولا الضالين " سبع آيات .

4820 - وكذلك رواه جماعة أصحاب ابن جريج عنه ، كما رواه عبد الرزاق .

4821 - وقد ذكرنا آثار هذا الباب كلها بأسانيدها وطرقها في " التمهيد " ، وكتاب " الإنصاف " .

4822 - وذكرنا عن ابن عباس ، وابن عمر ، وأبي هريرة - أنهم كانوا يقرءون " بسم الله الرحمن الرحيم " في افتتاح الصلاة ب " الحمد لله رب العالمين " من طرق ثابتة مذكورة في " التمهيد " ، وفي كتاب " الإنصاف " .

[ ص: 219 ] 4823 - وعن ابن عمر وعطاء أنهما كانا لا يتركان " بسم الله الرحمن الرحيم " ، يستفتحان بها لأم القرآن ، وللسورة التي بعدها في المكتوبة والتطوع .

4824 - وعن يحيى بن جعدة قال : " اختلس الشيطان آية " بسم الله الرحمن الرحيم " من الأئمة " .

4825 - وروى عبد العزيز بن حسين عن عمرو بن دينار ، عن ابن عباس قال : " سرق الشيطان من أئمة المسلمين آية من فاتحة الكتاب ، أو قال : من كتاب الله " بسم الله الرحمن الرحيم " .

4826 - قال ابن عباس : نسيها الناس كما نسوا التكبير في الصلاة ، والله ما كنا نقضي السورة حتى ينزل " بسم الله الرحمن الرحيم " .

4827 - قال أبو عمر : عبد العزيز بن حصين وإن كان ضعيفا فإنه لم يأت في حديثه هذا إلا بما جاء به الثقات .

4828 - وذكر معمر عن الزهري أنه كان يفتح ب " بسم الله الرحمن الرحيم " ويقول : هي آية من فاتحة الكتاب تركها الناس .

4829 - وقال مجاهد : " نسي الناس " بسم الله الرحمن الرحيم " ، وهذا [ ص: 220 ] التكبير " . وإسناده في التمهيد .

4830 - قال أبو عمر : في قول ابن عباس ، ويحيى بن جعدة ، ومجاهد ، وابن شهاب - دليل على أن العمل كان عندهم ترك " بسم الله الرحمن الرحيم " .

4831 - فهذا من جهة العمل .

4832 - وأما من جهة الأثر فحديث العلاء المذكور في هذا الباب عن السائب عن أبي هريرة عن النبي - عليه السلام - " اقرءوا ; يقول العبد : الحمد لله رب العالمين " الحديث ، " قسمت الصلاة بيني وبين عبدي " على حسب ما بينا فيما مضى من هذا الباب مع سائر الآثار التي أوردنا فيه من حديث أنس وعبد الله بن مغفل أن النبي - عليه السلام - ، وأبا بكر ، وعمر ، وعثمان - كانوا لا يقرءون " بسم الله الرحمن الرحيم " .

4833 - وإن كانت معلولة ففيها استظهار على ما جرى عليه العمل بالمدينة ، على أن الخلاف بالمدينة في هذه المسألة موجود قديما وحديثا .

4834 - ولم يختلف أهل مكة في أن " بسم الله الرحمن الرحيم " أول آية من فاتحة الكتاب .

4835 - وقد أفردنا في " بسم الله الرحمن الرحيم " كتابا جمعنا فيه الآثار وأقوال أئمة الأمصار لكل فريق منهم ، سميناه بكتاب " الإنصاف فيما بين المختلفين في " بسم الله الرحمن الرحيم " من الخلاف " ، يستغني الناظر فيه - إن شاء الله - .

4836 - قال أبو عمر : قد اعترض أصحاب الشافعي على من احتج على [ ص: 221 ] سقوط " بسم الله الرحمن الرحيم " بقول الله - تعالى - : " ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا " [ سورة النساء : 82 ] ، والاختلاف في " بسم الله الرحمن الرحيم " موجود - وبقوله " إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون " [ الحجر : 9 ] ; فقالوا : المعنى في هذه الآية ما عليه العمل في تأويلها بأنه حق كله ، لا يوجد فيه باطل وحق ، وما عداه من كلام الناس فيه الحق والباطل .

4837 - قالوا : والدليل على صحة ذلك وجود الاختلاف فيه عند الجميع في القراءات ، وفي الأحكام ، وفي الناسخ والمنسوخ ، وفي التفسير ، وفي الإعراب والمعاني ، وهذا لا مدفع فيه .

4838 - وأما قوله تعالى : " وإنا له لحافظون " ففيه قولان لا ثالث لهما :

4839 - ( أحدهما ) : إنا له لحافظون عندنا . قاله مجاهد وغيره .

4840 - ( والثاني ) : وإنا له لحافظون من أن يزيد فيه إبليس أو غيره ، أو ينقص . . . إن الهاء في قوله : " لحافظون " كناية عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ; أي لحافظون له من كل من أراده بسوء من أعدائه .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث