الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب المسافر إذا أجمع مكثا

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

348 [ ص: 100 ] ( 5 ) باب المسافر إذا أجمع مكثا .

318 - مالك ، عن عطاء بن عبد الله الخراساني أنه سمع سعيد بن المسيب ، قال : من أجمع إقامة أربع ليال وهو مسافر ، أتم الصلاة .

قال مالك : وذلك أحب ما سمعت إلي .

[ ص: 101 ] 8115 - قال : وسئل مالك عن صلاة الأسير ، فقال : مثل صلاة المقيم .

التالي السابق


8116 - قال أبو عمر : قال : اختلف العلماء في المدة التي إذا نوى المسافر الإقامة فيها لزمه إتمام صلاته . 8117 - فذهب مالك إلى ما ذكره في هذا الباب عن عطاء الخراساني ، عن سعيد بن المسيب ، وقال في " موطئه " : أنه أحب ما سمع إليه في ذلك ، فدل ذلك على سماعه الاختلاف في ذلك .

8118 - وذكر ابن وهب عن مالك ، قال : أحسن ما سمعت والذي لم يزل عليه أهل العلم عندنا ، أن من أجمع إقامة أربع ليال وهو مسافر ، أتم الصلاة .

8119 - قال أبو عمر : وإلى هذا ذهب الشافعي ، وهو قوله وقول أصحابه ، وأبي ثور ، وداود .

8120 - قال : وخالفه في ذلك بعض أهل الظاهر .

8121 - قال الشافعي : إذا أزمع المسافر أن يقيم بموضع أربعة أيام بلياليهن ، أتم الصلاة ، ولا يحسب في ذلك يوم نزوله ولا يوم رحله .

8122 - وقول أبي ثور في ذلك كقول الشافعي ، ومالك .

8123 - وقد روي عن أبي جعفر : محمد بن علي بن حسين ، وعن الحسن بن صالح بن حي مثل ذلك ، على اختلاف عنهما في ذلك .

8124 - وروى قتادة ، عن سعيد بن المسيب ، قال : إذا أقام المسافر أربعا صلى أربعا .

[ ص: 102 ] 8125 - وذكره وكيع ، عن هشام الدستوائي ، عن قتادة ، عن سعيد بن المسيب .

8126 - وهذا في معنى رواية عطاء الخراساني ، عن سعيد بن المسيب ، وهو عندي أثبت ما روي في ذلك عن سعيد بن المسيب ، والله أعلم .

8127 - وقد روي عنه في ذلك ثلاثة أقوال ، أذكرها كلها في هذا الباب إن شاء الله ، والحمد لله .

8128 - قال الشافعي ، وأبو ثور : ومن ذلك ما روي في هذا حديث العلاء بن الحضرمي ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه جعل للمهاجر مقام ثلاثة أيام بمكة ، بعد قضاء نسكه .

8129 - ومعلوم أن مكة لا يجوز لمهاجري أن يتخذها دار إقامة .

8130 - فأبان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن ثلاثة أيام لمن نوى إقامتها لحاجة ليست بإقامة يخرج فيها الذي نواها عن حكم المسافر ، وأن حكمها حكم السفر لا حكم الإقامة .

8131 - فوجب بهذا أن يكون من نوى المقام أكثر من ثلاث فهو مقيم ، ومن كان مقيما لزمه الإتمام .

[ ص: 103 ] 8132 - ومعلوم أن أول منزلة بعد الثلاث : الأربع .

8133 - ويعضد هذا أيضا ، أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - لما بلغه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال في مرضه الذي توفي فيه : " لا يبقين دينان بأرض العرب " وأمر بإخراج يهود الحجاز ، لم يجعل لهم غير مقام ثلاثة أيام إذ أمر بإخراجهم ، فكانت عنده مدة الثلاثة الأيام إقامة بلا إقامة .

8134 - حدثنا أحمد بن عبد الله بن محمد بن علي قال : حدثنا محمد بن الميمون بن حمزة الحسني ، قال : حدثنا الطحاوي ، قال : حدثنا المزني ، قال : حدثنا الشافعي ، قال : حدثنا سفيان بن عيينة ، عن عبد الرحمن بن حميد ، قال : سأل عمر بن عبد العزيز جلساءه : ماذا سمعتم في مقام المهاجرين بمكة ؟ فقال السائب بن يزيد : أخبرنا العلاء بن الحضرمي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " يمكث بمكة المهاجر من بعد قضاء نسكه ثلاثا " .

8135 - حدثنا عبد الوارث بن سفيان ، قال : حدثنا قاسم بن أصبغ ، قال : حدثنا أحمد بن زهير ، قال : حدثنا يحيى بن عبد الحميد ، قال : حدثنا سفيان بن عيينة ، وحفص بن غياث ، عن عبد الرحمن بن حميد ، قال : سمعت السائب [ ص: 104 ] بن يزيد يحدث عمر بن عبد العزيز ، عن العلاء بن الحضرمي أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " يقيم المهاجر " من ، قال سفيان : بعد نسكه ثلاثا ، وقال حفص : بعد الصدر ثلاثا .

8136 - قال أبو عمر : هو عبد الرحمن بن حميد بن عبد الرحمن بن عوف ، ثقة .

8137 - ذكر علي بن المديني ، قال : حدثنا سفيان بن عيينة ، قال : حدثنا إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص ، عن عبد الرحمن الأعرج ، قال : خلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على سعد رجلا ، فقال : إذا مات سعد بمكة فلا تدفنه بها .

8138 - قال : وحدثنا سفيان عن محمد بن قيس الأسدي ، عن ( . . . . . . ) قال : قال سعد بن أبي وقاص : يا رسول الله ، أتكره أن يموت الرجل بالأرض التي هاجر منها ؟ قال : نعم .

8139 - وقال سفيان ، وأبو حنيفة ، وأصحابه : إذا نوى الرجل إقامة خمس عشرة ليلة أتم الصلاة ، وإن كان دون ذلك قصر .

8140 - وروي مثله عن ابن عمر ، وسعيد بن المسيب .

8141 - روى وكيع ، عن عمرو بن دينار ، عن مجاهد ، قال : كان ابن عمر إذا أجمع على إقامة خمس عشرة ليلة ، سرج ظهره ، وصلى أربعا .

[ ص: 105 ] 8142 - وروى وكيع أيضا ، عن ( . . . . . ) عن ابن عمر ، وابن عباس ، أنهما قالا : إذا قدمت بلدا وأنت مسافر ، وفي نيتك أن تقيم خمس عشرة ليلة ، فأكمل الصلاة .

8143 - قال الطحاوي : ولا مخالف لهما من الصحابة .

8144 - قال : ولما أقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حجته أكثر من أربع يقصر الصلاة ، ذكر الإتمام على اعتبار الأربع .

8145 - وروى أبو بكر بن أبي شيبة ، قال : حدثنا عبد الله بن إدريس ، عن داود بن أبي هند ، عن سعيد بن المسيب ، قال : إذا نوى الرجل على إقامة خمس عشرة ليلة ، أتم الصلاة .

8146 - وهذا أيضا حديث صحيح الإسناد ، عن سعيد .

8147 - وفي المسألة قول ثالث ، قال الليث بن سعد : إن نوى إقامة خمس عشرة فما دون قصر ، وإن نوى إقامة أكثر من خمس عشرة أتم الصلاة .

8148 - واحتج بما رواه عن يزيد بن أبي حبيب ، عن عراك بن مالك ، عن عبيد الله بن عبد الله بن مسعود ، عن ابن عباس ، قال : أقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خمس عشرة ليلة يصلي ركعتين ركعتين .

[ ص: 106 ] 8149 - قال أبو عمر : هذا الحديث قد رواه الزهري ، عن عبيد الله ، كما رواه عراك .

8150 - وقد ذكره أبو بكر ، قال : حدثنا عبد الله بن إدريس ، عن محمد بن إسحاق ، عن الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله ، عن ابن عباس ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أقام بمكة بعد الفتح خمس عشرة يقصر الصلاة ، حتى سار إلى حنين .

8151 - قال أبو عمر : فكان الليث بن سعد يقول : إنه لم يبلغه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قصر في سفره أكثر من هذه المدة ، فمن زاد عليها شيئا لزمه الإتمام .

8152 - وهذا لم يختلف في مقامه - صلى الله عليه وسلم - بمكة عام الفتح ، لكن الاختلاف في ذلك كثير جدا .

8153 - وفي المسألة قول رابع ذكره وكيع ، قال : أخبرنا قرة بن خالد ، عن أبي حكيمة ، قال : سألت سعيد بن المسيب ، فقال : إذا أتممت ثلاثا ، فأتم الصلاة .

8154 - وفيها قول خامس ، قال الأوزاعي : إذا أقام المسافر ثلاثة عشر يوما ، أتم وإن نوى أقل من ذلك قصر .

8155 - وفيها قول سادس ، روي عن ابن عمر أنه قال : إذا أقام اثنتي عشرة ليلة [ ص: 107 ] أتم ، وإن كان دون ذلك قصر .

8156 - ومثل هذا حديث مالك عن ابن شهاب ، عن سالم ، عن أبيه أنه كان يقول : أصلي صلاة المسافر ما لم أجمع مكثا ، وإن حبسني ذلك اثنتي عشرة ليلة .

8157 - وقد روي عن الأوزاعي أيضا مثل ذلك .

8158 - وفيها قول سابع قاله أحمد بن حنبل ، وداود ، قال أحمد : روت عائشة ، وجابر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قدم مكة صبيحة رابعة من ذي الحجة ، قال أحمد : فقد أزمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على مقام أربعة أيام يقصر ، فمن زاد على ذلك فإنه يتم .

8159 - وقال داود : من عزم على إقامة أربعة أيام عشرين صلاة قصر ، ومن عزم على مقام أكثر من ذلك أتم ; لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى في حجته صلاة أربعة أيام وهو مقيم بمكة ، ثم خرج إلى منى ، وهو في ذلك كله يقصر .

8160 - والأصل أن كل من أقام فقد لزمه الإتمام إلا أن يخص ذلك سنة أو إجماع ، وقد نصت السنة ذلك المقدار ، فمن زاد عليه لزمه الإتمام .

8161 - قال أبو عمر : ليس مقام النبي - صلى الله عليه وسلم - بمكة إذ دخلها لحجته بإقامة ; لأنها ليست له بدار إقامة ولا بملاذ ، ولا لمهاجري أن يتخذها دار إقامة ولا وطن ، وإنما كان مقامه بمكة إلى يوم التروية ، كمقام المسافر في حاجة يقضيها في سفر منصرفا إلى أهله فهو مقام من لا نية له في الإقامة ، ومن كان هذا فلا خلاف أنه في حكم المسافر يقصر فلم ينو النبي - صلى الله عليه وسلم - بمكة إقامة ، بل نوى الخروج منها إلى منى يوم [ ص: 108 ] التروية عاملا في حجه حتى ينقضي وينصرف إلى المدينة .

8162 - وفيها قول ثامن ، روي عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - قال : إذا أقام عشرة أيام أتم .

وروي ذلك عن أبي جعفر محمد بن علي ، وعن الحسن بن صالح .

8163 - وفيها قول تاسع ، ذكره البخاري عن موسى بن إسماعيل ، عن أبي عوانة ، عن عاصم ، وحصين ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : أقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تسعة عشر يوما يقصر ، فنحن إذا أقمنا تسعة عشر قصرنا ، وإن زدنا أتممنا .

8164 - هكذا ذكر البخاري أن مقامه بمكة حيث فتحها - صلى الله عليه وسلم - كان تسعة عشر .

8165 - وهو حديث مختلف فيه لا يثبت فيه شيء ; لكثرة اضطرابه .

8166 - وقد رواه حفص بن غياث ، عن عاصم ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، أن النبي أقام سبع عشرة يقصر الصلاة .

8167 - قال : وقال ابن عباس : من أقام سبع عشرة يقصر الصلاة ، ومن أقام أكثر من ذلك أتم .

8168 - هكذا ذكره أبو بكر بن أبي شيبة ، قال : حدثنا حفص ، عن عاصم ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، وحفص أحفظ من أبي عوانة إلا أن عباد بن [ ص: 109 ] [ ص: 110 ] منصور قد تابع أبا عوانة فروى عن عكرمة عن ابن عباس ، قال : أقام تسعة عشر . وأما الزهري فروى عن عبيد الله بن عبد الله ، عن ابن عباس ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أقام حيث فتح مكة خمسة عشر يقصر الصلاة ، حتى سار إلى حنين .

[ ص: 111 ] 8169 - هكذا رواه ابن إسحاق ، عن ابن شهاب .

8170 - وحدثنا عبد الله بن محمد ، قال : حدثنا محمد بن بكر ، قال : حدثنا أبو داود ، قال : حدثنا النفيلي ، قال : حدثنا محمد بن سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله ، عن ابن عباس ، قال : أقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خمس عشرة يقصر الصلاة .

8171 - قال أبو داود : رواه عبدة بن سليمان ، وسلمة بن الفضل ، وأحمد بن خالد الوهبي ، كلهم عن ابن إسحاق ، عن الزهري ، عن عبيد الله ، لم يذكروا ابن عباس .

8172 - قال أبو عمر : ليس فيهم من يقاس بابن إدريس ، وقد تابعه محمد بن سلمة ، وزيادة مثلهما مقبولة .

[ ص: 112 ] 8173 - وقد روى علي بن زيد ، عن أبي نضرة ، عن عمران بن حصين ، قال : أقمنا مع النبي عليه الصلاة والسلام بمكة ، حيث فتحها ثمانية عشر يصلي ركعتين ركعتين .

8174 - فكيف يثبت مع هذا الاختلاف مقدار إقامته بمكة عام الفتح أو أي [ ص: 113 ] حجة في إقامته بمكة وليست له بدار إقامة بل هي في حكم دار الحرب أو حيث لا تجوز الإقامة .

8175 - وأما مقامه في عمرة القضاء ، فلم يختلفوا أنه كان ثلاثة أيام .

8176 - وأما إقامته في حجته ، فدخل صبيحة رابعة من ذي الحجة ، وخرج صبيحة رابعة عشر ، تواترت الروايات بذلك ، وفيها قول عائشة .

8177 - روي عن الحسن البصري أنه قال : يصلي المسافر ركعتين ركعتين أبدا ، إلا أن يقدم مصرا من الأمصار .

8178 - وهذا قول لا أعلم أحدا قاله أيضا غيره . والله أعلم .

8179 - وفيها قول حادي عشر قاله ربيعة بن أبي عبد الرحمن ، لا أعلم أحدا قاله أيضا غيره ، قال ربيعة : من أجمع إقامة يوم وليلة أتم الصلاة وصام .

8180 - هذا منه قياس على ما تقصر فيه الصلاة عنده ، ولم يبلغه فيه شيء عن السلف ، والله أعلم .

8181 - وأما قوله في هذا الباب سئل مالك عن صلاة الأسير ، فقال : مثل صلاة المقيم .

8182 - قال أبو عمر : لا أعلم خلافا بين العلماء في ذلك ، ومحال أن يصلي وهو مقيم مأسور إلا صلاة المقيم ، وإن سافر أو سوفر به كان له حينئذ حكم المسافر ، وبالله التوفيق وهو حسبنا ونعم الوكيل .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث