الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

حديث أنس " جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال هلكت المواشي وتقطعت السبل فادع الله "

جزء التالي صفحة
السابق

450 424 - وأما حديث مالك عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر ، عن أنس ، قال : جاء رجل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : هلكت المواشي وتقطعت السبل فادعو الله . فدعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فمطرنا من الجمعة إلى الجمعة . قال : فجاء رجل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : يا رسول الله تهدمت البيوت ، وانقطعت السبل ، وهلكت المواشي . فقال : رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " اللهم ظهور الجبال والآكام ، وبطون الأودية ، ومنابت الشجر " . قال : فانجابت عن المدينة انجياب [ ص: 145 ] الثوب .

التالي السابق


9982 - فقد روي عن أنس من وجوه كثيرة بمعان متفاوتة حسان قد ذكرنا بعضها في " التمهيد " .

9983 - ومن أكملها معنى ، وأحسنها ألفاظا ، وسياقة حديث مسلم الملائي عن أنس ، قال : جاء أعرابي إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : يا رسول الله ، لقد أتيناك وما لنا بعير يئط ، ولا صبي يصطبح ، وأنشد : [ ص: 146 ] [ ص: 147 ]

أتيناك والعذراء يدمى لبانها وقد شغلت أم الصبي عن الطفل     وألقى بكفيه الفتى استكانة
من الجوع ضعفا ما يمر وما يحلي     ولا شيء مما يأكل الناس عندنا
سوى الحنظل العامي والعلهز الفسل     وليس لنا إلا إليك فرارنا
وأين فرار الناس إلا إلى الرسل

.

[ ص: 148 ] 9984 - قال صاحب العين : العلهز : اسم للنرجس ويقال للياسمين .

9985 - فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يجر رداءه حتى صعد المنبر ، فحمد الله وأثنى عليه ، ورفع يديه إلى السماء فقال : " اللهم اسقنا غيثا مريعا غدقا طبقا ، عاجلا غير رائث ، نافعا غير ضار ، تملأ به الضرع ، وتنبت به الزرع ، وتحيي به الأرض بعد موتها وكذلك تخرجون .

قال : فما رد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يديه إلى نحره حتى التقت السماء بأرواقها ، وجاء أهل البطانة يضجون ، يا رسول الله ، الغرق الغرق . فرفع يده إلى السماء ، وقال : " اللهم حوالينا ولا علينا " فانجاب السحاب عن المدينة حتى أحدق بها كالإكليل .

فضحك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى بدت نواجذه ، ثم قال : لله أبو طالب ! لو كان حيا قرت عيناه ، من الذي ينشدنا قوله ؟ فقام علي بن أبي طالب ، فقال : يا رسول الله ، كأنك أردت قوله :


وأبيض يستسقى الغمام بوجهه     ثمال اليتامى عصمة للأرامل
يلوذ به الهلاك من آل هاشم     فهم في نعمة وفواضل
كذبتم وبيت الله يبزى محمد     ولما نقاتل دونه ونناضل
ونسلمه حتى نصرع     حوله ونذهل عن أبنائنا والحلائل

. فقال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : أجل . فقام رجل من كنانة فقال :


لك الحمد ممن شكر     سقينا بوجه النبي المطر

فذكر الأبيات على حسب ما كتبتها في " التمهيد " .

[ ص: 149 ] 9986 - وقد روى حديث أنس هذا عنه ثابت البناني ، وحميد الطويل ، وإسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة ، ليس في حديث واحد شيء من الشعر وإنما هي على نحو حديث مالك .

9987 - وروى الليث بن سعد هذا الحديث عن سعيد المقبري ، عن شريك بن أبي نمر ، عن أنس قال : بينا نحن في المسجد يوم الجمعة ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخطب ، قام رجل فقال : يا رسول الله تقطعت السبل وهلكت الأموال وأجدبت البلاد فادع الله أن يسقينا ، فرفع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يديه حذاء وجهه ، وقال : " اللهم اسقنا . . . وذكر نحو حديث مالك إلا أنه قال : حوالينا ولا علينا ولكن الجبال ومنابت الشجر ، فتفرق السحاب فما نرى منه شيئا .

9988 - وأما قوله في حديث مالك : " والآكام " فهي : الكدى والجبال من التراب ، وهي جمع أكمة مثل رقبة ورقاب وعتبة وعتاب ، وقد تجمع على آكام مثل آجام .

[ ص: 150 ] 9989 - ومنابت الشجر : مواضع المرعى حيث ترعى البهائم .

9990 - وانجياب الثوب : انقطاع الثوب يعني الخلق ، يقول : صارت السحابة قطعا وانكشفت عن المدينة كما ينكشف الثوب عن الشيء يكون عليه .

9991 - وفي الحديث أيضا ما يدل على الدعاء في الاستصحاء عند نوال الغيث كما يستسقى عند احتباسه .

9992 - وينبغي لمن استصحا أن لا يدعو في رفع الغيث جملة ، ولكن اقتداء بالنبي - عليه السلام - وما أدب به أمته في ذلك بقوله : اللهم حوالينا ولا علينا ، ثم بين ذلك بقوله : منابت الشجر وبطون الأودية . يعني حيث لا يخشى هدم بيت ولا هلاك حيوان ولا نبات .

9993 - وروينا من وجوه عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه خرج يستسقي ، فخرج معه العباس ، فقال : اللهم إنا نتقرب إليك بعم نبيك ونستشفع به فاحفظ فينا نبيك كما حفظت الغلامين لصلاح أبيهما ، وأتيناك مستغفرين مستشفعين ، ثم أقبل على الناس ، فقال : " استغفروا ربكم إنه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا " إلى قوله " أنهارا " ثم قام العباس وعيناه تنضحان ، فطال عمر ثم قال : اللهم أنت الراعي لا تهمل الضالة ، ولا تدع [ ص: 151 ] الكسير بدار مضيعة فقد ضرع الصغير ، ورق الكبير ، وارتفعت إليك الشكوى وأنت تعلم السر وأخفى ، اللهم فأغثهم بغياثك من قبل أن يقنطوا فيهلكوا فلا ييئس من روح الله إلا القوم الكافرون .

فنشأت طريرة من سحاب ، فقال الناس : ترون ترون ثم تلاءمت واستتمت ومشت فيها ريح ثم هدت ودرت فوالله [ ص: 152 ] ما برحوا حتى اعتقلوا الحذاء وقلصوا المآزر وطفق الناس بالعباس يمسحون أركانه ويقولون : هنيئا لك يا أبا الفضل .

9994 - أخبرنا عبد الوارث قال : حدثنا قاسم ، قال : حدثنا الخشني ، قال : حدثنا أحمد بن أبي عمر ، قال : حدثنا ابن عيينة ، عن محمد بن إسحاق ، عن محمد بن إبراهيم التيمي ، عن سعيد بن المسيب ، قال : حدثنا من حضر مع عمر بن الخطاب فقال للعباس بن عبد المطلب : ماذا بقي من نوء الثريا ؟ فقال العباس : العلماء يزعمون أنها تعترض في الأفق بعد سقوطها سبعا قال : فما مضت سابعة حتى مطروا .

9995 - وأما قول مالك فيمن فاتته صلاة الاستسقاء وأدرك الخطبة إن شاء صلاها في بيته ، وإن شاء في المسجد ، وإن شاء ترك ; فلأن السنن لا تقضى لزاما فتشبه الفرائض وهي فعل خير لا يخرج من قضاها .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث