الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

حديث أبي أمامة في صلاة النبي على مسكينة فكبر أربع تكبيرات

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

531 [ ص: 244 ] 495 - مالك عن ابن شهاب عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف أنه أخبره أن مسكينة مرضت ، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بمرضها ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعود المساكين ويسأل عنهم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا ماتت فآذنوني بها " ، فخرج بجنازتها ليلا وكرهوا أن يوقظوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر بالذي كان من شأنها فقال : " ألم آمركم أن تؤذنوني بها ؟ فقالوا : يا رسول الله ، كرهنا أن نخرجك ليلا ونوقظك ، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى صف بالناس على قبرها وكبر أربع تكبيرات .

التالي السابق


11275 - قال أبو عمر : وصل هذا الحديث سفيان بن حسين ، عن الزهري ، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف ، عن أبيه ، ولم يختلف على مالك في إرساله في الموطأ .

[ ص: 245 ] 11276 - وهذا حديث مسند متصل من وجوه ، قد ذكرت أكثرها في ( التمهيد ) .

11277 - وفيه من الفقه عيادة المريض وعيادة الرجال النساء المتجالات وعيادة الأشراف والخلفاء المهتدين بهدي الأنبياء للفقراء ، وما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من التواضع في عيادة الفقراء والمساكين .

11278 - وفيه الأسوة الحسنة .

11279 - وفيه جواز الإذن بالجنازة ، لقوله " ألم آمركم أن تؤذنوني بها ؟ " وذلك يرد قول من كره الإذن بالجنازة ، فاستحب أن لا يؤذن به أحدا ولا يشعر بجنازته جار ولا غيره .

11280 - وقد ذكرنا في ( التمهيد ) جماعة ذهبوا إلى ذلك من السلف ، والحجة في السنة لا فيما خالفها .

11281 - وفيه أن عصيان الإنسان لأميره ، سلطانا كان أو غيره إذا أراد بعصيانه بره وتعظيمه وإكرامه أن ذلك لا يعد عليه ذنبا .

11282 - وفيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا ينتقم ممن يعصيه إلا أن ينتهك حرمة من حرمات الله سبحانه فينتقم لله بها ، كما قالت عائشة - رضي الله عنها - ، وفيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يعلم ما غاب عنه إلا أن يطلعه الله عليه .

11283 - وفيه الدفن بالليل .

[ ص: 246 ] 11284 - وفيه الصلاة على القبر لمن لم يصل على الجنازة ، وهذا عند كل من أجازه ورآه ، وإنما هو بقرب ذلك على ما جاءت به الآثار عن السلف - رحمهم الله - في مثل ذلك .

11285 - وفيه أن التكبير على الجنائز أربع تكبيرات .

11286 - وفيه أن الصلاة على القبر كالصلاة على الجنازة سواء .

11287 - واختلف الفقهاء فيمن فاتته الصلاة على الجنازة فجاء وقد فرغ من الصلاة عليها أو جاء وقد دفنت .

11288 - فقال مالك وأبو حنيفة وأصحابهما : لا تعاد الصلاة على الجنازة ، ومن لم يدرك الصلاة مع الناس عليها لم يصل عليها ولا على القبر .

11289 - وهو قول الثوري ، والأوزاعي ، والحسن بن صالح بن حي ، والليث بن سعد .

11290 - قال ابن القاسم : قلت لمالك : فالحديث الذي جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى على قبر امرأة قال : قد جاء هذا الحديث وليس عليه العمل .

11291 - قال أبو عمر : ما رواه ابن القاسم عن مالك في أنه لا يصلى على القبر هو تحصيل مذهبه عند أكثر أصحابه .

11292 - وذكر عبد الرزاق عن معمر قال : كان الحسن إذا فاتته الصلاة على الجنازة لم يصل عليها .

[ ص: 247 ] 11293 - وكان قتادة يصلي عليها .

11294 - وكان ابن عمر إذا انتهى إلى جنازة قد صلي عليها دعا وانصرف .

11295 - وقال الشافعي وأصحابه : من فاتته الصلاة على الجنازة صلى على القبر إن شاء .

11296 - وهو رأي عبد الله بن وهب صاحب مالك ، وبه يقول محمد بن عبد الله بن عبد الحكم ، وأحمد بن حنبل ، وإسحاق بن راهويه ، وداود بن علي ، وسائر أصحاب الحديث .

11297 - وقال أحمد بن حنبل : رويت الصلاة على القبر عن النبي - عليه السلام - من ستة وجوه حسان كلها .

[ ص: 248 ] 11298 - قال أبو عمر : قد ذكرتها كلها بالأسانيد الجياد في ( التمهيد ) وذكرت أيضا ثلاثة أوجه حسان مسندة عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك فتمت تسعة .

[ ص: 249 ] [ ص: 250 ] [ ص: 251 ] 11299 - وعن علي بن أبي طالب ، وقرظة بن كعب ، وابن مسعود ، وعائشة أم المؤمنين ، وأنس بن مالك ، وسلمان بن ربيعة ، وأبي موسى الأشعري ، أنهم أجازوا الصلاة على القبر وصلوا عليه .

11300 - وقد ذكرنا ذلك عنهم بالأسانيد .

11301 - ومن التابعين محمد بن سيرين ، وقتادة ، وأبو جمرة الضبعي .

11302 - وذكر الزبير بن بكار قال : حدثنا يحيى بن محمد قال : توفي الزبير بن هشام بن عروة بالعقيق في حياة أبيه ، فصلي عليه بالعقيق وأرسل إليه بالمدينة ليصلى عليه في البقيع ويدفن في البقيع .

11303 - قال أبو عمر : أجمع العلماء الذين رأوا الصلاة على القبر جائزة أنه لا يصلى على قبر إلا بقرب ما يدفن ، وأكثر ما قالوا في ذلك شهر .

11304 - وقال أبو حنيفة وأصحابه : لا يصلى على جنازة مرتين إلا أن يكون الذي صلى عليها غير وليها فيعيد وليها الصلاة عليها إن كانت لم تدفن ، وإن كانت قد دفنت أعادها على القبر .

[ ص: 252 ] 11305 - وقال عيسى بن دينار فقيه أهل بلدنا : من دفن ولم يصل عليه من قتيل أو ميت ، فإني أرى أن يصلي على قبره .

11306 - قال : وقد بلغني ذلك عن عبد العزيز بن أبي سلمة .

11307 - وقد روى ابن وهب عن مالك قال : من فاتته الصلاة على الجنازة فليصل على القبر إذا كان قريبا اليوم والليلة كما صلى النبي صلى الله عليه وسلم على قبر المسكينة .

11308 - وقال عبد الملك بن حبيب فيمن نسي أن يصلى عليه حتى دفن أو فيمن دفنه يهودي أو نصراني دون أن يدفن ويصلى عليه ثم خشي عليه التغيير ، أنه يصلى على قبره ، وإن لم يخف عليه التغيير نبش وغسل وصلي عليه إن كان بحدثان ذلك .

11309 - وقال يحيى بن معين : قلت ليحيى بن سعيد : ترى الصلاة على القبر ؟ قال : لا . ولا أرى على من صلى عليه شيئا ، وليس الناس على هذا اليوم وأنا أكره شيئا يخالف الناس .

11310 - قال أبو عمر : من صلى على قبر أو جنازة قد صلي عليها ، فمباح ذلك له لأن الله لم ينه عنه ولا رسوله صلى الله عليه وسلم ، ولا اتفق الجميع على كراهيته ، بل الآثار المسندة تجيز ذلك ، وعن جماعة من الصحابة إجازة ذلك وفعل الخير يجب ألا يمنع عنه إلا بدليل لا معارض له ، وبالله التوفيق .

[ ص: 253 ] 11311 - وذكر مالك آخر هذا الباب أنه سأل ابن شهاب عن الرجل يدرك بعض التكبير على الجنازة ويفوته بعضه فقال : يقضي ما فاته من ذلك .

11312 - قال أبو عمر : اختلف الفقهاء في الذي يفوته بعض التكبير على الجنائز هل يحرم في حين دخوله أو ينتظر تكبير إمامه ؟ .

11313 - فروى أشهب عن مالك أنه يكبر ولا ينتظر الإمام ليكبر بتكبيره .

11314 - وهو أحد قولي الشافعي ، رواه المزني .

11315 - وبه قال الليث ، والأوزاعي ، وأبو يوسف .

11316 - وقال أبو حنيفة ومحمد : ينتظر الإمام حتى يكبر فيكبر بتكبيره فإذا سلم الإمام قضى ما عليه .

[ ص: 254 ] 11317 - ورواه ابن القاسم عن مالك والبويطي عن الشافعي .

11318 - واحتج بعض من قال هذا القول بقوله - عليه السلام - : " ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا " .

11319 - وروي " فاقضوا " .

11320 - إلا أنهم يقولون : إذا كبر الإمام خمسا فلا يقضي إلا أربعا .

11321 - والحجة لرواية أشهب والمزني عن الشافعي أن التكبيرة الأولى بمنزلة الإحرام ، فينبغي أن يفعلها على كل حال ثم يقضي ما فاته بعد سلام إمامه ، لأن من فاتته ركعة من صلاته لم يقضها إلا بعد سلام إمامه .

11322 - واختلفوا إذا رفعت الجنازة ، فقال مالك والثوري : يقضي ما فاته تكبيرا متتابعا ولا يدعو فيما بين التكبير .

11323 - وهو قول سعيد بن المسيب ، وابن سيرين ، والشعبي ، في رواية إبراهيم ، وحماد ، وعطاء في رواية ابن جريج .

11324 - ورواه البويطي عن الشافعي .

11325 - وقال أبو حنيفة : يقضي ما بقي عليه من التكبير إلا أنه قال يدعو للميت بين التكبير .

11326 - ورواه المزني عن الشافعي .

11327 - وعلى هذا جمهور العلماء بالعراق والحجاز في قضاء التكبير دون [ ص: 255 ] الدعاء ، لأن من قال تقضي تكبيرا متتابعا لا يدعو عنده بين التكبير .

11328 - وقد ذكر ابن شعبان عن مالك الوجهين قال : قال مالك : من فاته بعض التكبير على الجنازة إن قضاه تسعا فحسن ، وإن دعا بين تكبيراته فحسن ، ومن استطاع الدعاء صنعه .

11329 - قال ابن شعبان : يريد دعاء مخفيا .

11330 - وذكر ابن أبي شيبة قال : حدثنا أبو أسامة عن هشام عن محمد بن سيرين قال : يكبر ما أدرك ويقضي ما سبقه .

11331 - وقال الحسن : يكبر ما أدرك ولا يقضي ما سبقه .

11332 - قال أبو عمر : قد روي فيمن فاته بعض التكبير على الجنازة أنه لا يقضي عن ابن عمر ، والحسن ، وربيعة ، والأوزاعي .

11333 - ورواه جابر الجعفي عن عطاء ، والشعبي .

11334 - وبه قال ابن علية ، وقال : لو كان التكبير يقضى ما رفع النعش حتى يقضي من فاته .

11335 - قال : ومن قال يقضي تكبيرا متتابعا ولا يقضي الدعاء ، فقد ترك ما يعلم من سنة الصلاة على الجنائز قال : وإذا رفع الميت فلمن يدعي .

11336 - قال أبو عمر : ليس فيما ذكره ابن علية مقنع من الحجة .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث