الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قول عمر إذا نام أحدكم مضطجعا فليتوضأ وتفسير قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا

[ ص: 90 ] 1533 - قال مالك : الأمر عندنا أن لا يتوضأ من رعاف ولا من دم ولا من قيح يسيل من الجسد ، ولا يتوضأ إلا من حدث يخرج من ذكر ، أو من دبر ، أو نوم .

التالي السابق


1534 - أما قوله : الأمر عندنا إلى آخر كلامه - فإنه لم يرد الأمر المجتمع عليه ، لأن الخلاف موجود بالمدينة في الرعاف .

1535 - وكلامه هذا ليس على ظاهره عند جميع أصحابه ؛ لأنهم لا يختلفون في الملامسة مع اللذة ، والقبلة مع اللذة : أن ذلك يوجب الوضوء ، وكذلك مس الذكر .

1536 - وسيأتي ذكر ذلك في موضعه من هذا الكتاب إن شاء الله .

1537 - وأما الدم السائل والفصد والحجامة فجمهور أهل المدينة على أن لا وضوء في شيء من ذلك .

1538 - وبه قال الشافعي ، وهو الحق ، لأن الوضوء المجتمع عليه لا يجب أن ينتقض إلا بسنة أو إجماع .

1539 - وإنما أوجب العراقيون الوضوء في ذلك قياسا على المستحاضة ، لقول النبي - عليه السلام - : " إنما ذلك عرق وليس بالحيضة " ، ثم أمرها بالوضوء لكل صلاة .

[ ص: 91 ] 1540 - والكلام عليهم يأتي عند ذكرنا حديث المستحاضة إن شاء الله .

1541 - وقال أبو حنيفة وأصحابه ، والثوري ، والحسن بن حي : الفصد والحجامة والرعاف وكل نجس يخرج من الجسد من أي موضع يوجب الوضوء .

1542 - وقال الأوزاعي : إذا كان دما عبيطا فعليه الوضوء ، وإن كان مثل دم اللحم فلا وضوء فيه .

1543 - وأما قوله : ولا يتوضأ إلا من حدث يخرج من قبل أو دبر أو نوم ، فإنه أراد ما كان من الأحداث معتادا ، وهو البول والرجيع ، ففيهما وردت الكناية ، لقوله تعالى : أو جاء أحد منكم من الغائط [ النساء : 43 ، والمائدة : 6 ] ولا وضوء عنده في الدم الخارج من الدبر ، ولا في الدود إلا أن يخرج معهما شيء من الأذى ؛ لأن ذلك ليس من معنى ما قصد بذكر المجيء من الغائط .

1544 - وذكر ابن عبد الحكم عن مالك قال : من خرج من دبره دود أو دم فلا وضوء عليه .

1545 - وقال سحنون : من خرج من دبره دود فعليه الوضوء ؛ لأنها لا تسلم من بلة .

1546 - وقال الشافعي : كل ما خرج من السبيلين : الذكر والدبر من دود أو حصاة أو دم أو غير ذلك ففيه الوضوء ؛ لإجماعهم على أن المذي والودي فيهما الوضوء ، وليسا من المعتادات التي يقصد الغائط لهما .

[ ص: 92 ] 1547 - وكذلك ما يخرجه الدواء ليس معتادا ، وفيه الوضوء بإجماع .

1548 - وقد أجمعوا على أن الريح الخارجة من الدبر حدث يوجب الوضوء ، واجتمعوا على أن الجشاء ليس فيه وضوء بإجماع . وقد أجمعوا على أن الريح الخارجة من الدبر حدث ، فدل ذلك على مراعاة المخرجين فقط .

1549 - وبقولي الشافعي في ذلك كله يقول ابن عبد الحكم .

1550 - قال الشافعي : والدود ، والدم إذا خرجا من غير المخرج فلا وضوء في شيء منهما ، ووافق أبو حنيفة وأصحابه في الدود ، وخالفوه في الدم على ما قدمنا عنهم .

1551 - وعن الأوزاعي في الدود روايتان : إحداهما كقول الشافعي ، والأخرى كقول مالك .

1552 - والقيح والدم عند مالك سواء ، وقد رخص في القيح بعض العلماء .

1553 - وأما النوم فقد مضى حكمه فيما تقدم ، ويأتي ذكر القلس والرعاف في موضعه إن شاء الله .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث